المفوضة العامة لوكالة غوث اللاجئين تشعر بالفزع من فكرة بقاء قطاع غزة تحت الحصار لمدة اطول
كارين كونينغ ابو زيد تقول بأن تفكيرها بأن غزة ستبقي تحت الحصار بعد سنة ـ موعد انهاء منصبها ـ يثير الرعب في نفسها. من الجدير أخذها علي محمل الجد ـ بعد أكثر من نصف يوبيل من العمل مع اللاجئين في كافة أرجاء العالم لا يسارع الناس عادة للاصابة بالفزع (بسبب التعود). كونينغ أبو زيد، الممثلة العليا لوكالة الاونروا التابعة للامم المتحدة في الشرق الاوسط شاهدت عن كثب مخيمات اللاجئين الاكثر اكتظاظا مما في افريقيا والبلقان، هي كانت قد بدأت عملها الانساني في السودان حيث تعرفت علي زوجها الذي رحل عن عالمه قبل مدة غير بعيدة، وهناك تولت رعاية اللاجئين الفارين من مناطق القتال في اوغندا وتشاد واثيوبيا.
في عام 1989 انتقلت الي ناميبيا للمساعدة في اعادة تأهيل لاجئي التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا، وبعدها ارسلت الي سيراليون لاقامة 600 قرية لتوطين 100 ألف لاجيء فارين من الحرب الوحشية في ليبيريا. في اواسط التسعينيات تمركزت في منطقة حرب جديدة، ولكن في اوروبا في هذه المرة. في ذروة الحرب في البوسنة كانت علي رأس مكتب وكالة اللاجئين في سراييفو. مكتبها هذا أنقذ آلاف المشردين الفارين من عمليات التطهير العرقي، ورزم الاغذية الهابطة من السماء انقذت اربعة ملايين انسان.
كونينغ أبو زيد وصلت الي الشرق الاوسط قبل سبع سنوات بين ايام النشوة في كامب ديفيد والايام الاولي للانتفاضة الثانية، وخلال خمس سنوات كانت نائبة لمفوض اللاجئين الفلسطينيين، ومنذ صيف 2005 أصبحت رئيسا للمفوضية التي تتولي معالجة 4.4 ملايين لاجيء وتشغيل 25 ألف موظف اغلبهم من اللاجئين.
في عام 1950 سجل في الاونروا 914 ألف لاجيء، الا ان عددهم اليوم في غزة وحدها يبلغ مليون نسمة، نصفهم مكتظون في ثمانية مخيمات، وفي كل يوم تتزايد اعداد متزايدة من الناس علي مكاتبها في غزة، والي جانب ذلك تشعر كونينغ ان الضائقة لا تقلص تأييد الناس لحماس والتطلع للعودة الي المنازل التي تركوها قبل ستين عاما. غزة هادئة من الخارج، الا انها تغلي تحت السطح مع انفجارات تشير الي توترات خفية، كونينغ تصف الوضع في غزة، أنا اقول بأسف كبير ان اعدادا متزايدة من الناس تفقد الأمل. قبل سبع سنوات قال لي بعض الاشخاص قد لا اشاهد الدولة الفلسطينية في حياتي، الا انني اعتقد ان اطفالي سيرونها، اما اليوم فأصبحوا يقولون انهم قد يئسوا من هذا المكان وانهم يرغبون بالرحيل والمغادرة. هم يتحدثون عن اطفالهم، الآلاف يطلبون تأثيرات للدول الغربية وهم من خيرة الناس من الحرفيين والاختصاصيين والمتعلمين والماهرين. نحن نتحدث بالطبع عن اقلية يوجد لها مكان تذهب اليه، اما الاغلبية فعالقة في غزة وتهبط تحت خط الفقر ولا تري نهاية لذلك. أنا اتساءل كم يمكن ان يستمر مثل هذا الوضع.
مقعد صغير ومثقوب ما هو رأيك بالاقتراح الذي يجري تداوله في اسرائيل لقطع امدادات المياه والكهرباء علي قطاع غزة ردا علي صواريخ القسام؟ أنا لا اعتقد أن اسرائيل ستفعل ذلك. أنا علي قناعة ان الأطراف التي تدرس مثل هذه الخطوات ستتوصل الي استنتاج بأنها لا تتساوق مع القانون الدولي. ومن دون ذلك أصلا يعتبر فرض الطوق علي غزة وعزلها وتحويلها الي سجن كبير كما يصف ذلك سكانها، عقوبة جماعية. حتي اذا كانت هناك استطلاعات تشير الي نتيجة اخري فأنا اعتقد أن هذه الخطوات تزيد التأييد للجهات المتطرفة. كلما زدت من الضغط تمترس الناس عميقا بعقائدهم. أنا اعتقد ان المخيمات الصيفية التي نظمتها الاونروا في الاشهر الاخيرة تبرهن علي ايجابيات وامتيازات النهج المعاكس وهو تشجيع الاطفال والشبان علي الشعور بأنهم أحرار وانهم قادرون علي الاستمتاع بوقتهم وتعلم مهارات جديدة. هذه خطوة تعطيهم منظورا مختلفا أكثر ايجابية عن العالم.
المشكلة الأشد خطورة هي أن الاكتظاظ يزداد سنويا. الاطفال يجلسون في المدرسة كل ثلاثة علي مقعد واحد مثقوب كان أهاليهم قد جلسوا عليه، ويكتبون علي نفس الطاولات التي كتب عليها آباؤهم وأمهاتهم. الدول العربية وعلي رأسها السعودية والامارات تساعد كثيرا في تمويل مشاريع البناء للسكن والمباني العامة، الا اننا نجد صعوبة في جمع التبرعات لتحسين الظروف في المدارس والعيادات، وبسبب الطوق هناك مشكلة ايضا في ادخال المواد الخام مثل الاسمنت. عندما انظر الي صراعات اخري والي اوضاع لاجئين آخرين أري سبلا للخروج من ذلك حتي من الصراعات التي امتدت لسنوات اطول. لقد آن أوان الاستيقاظ من الاوهام فالناس في نهاية المطاف يملون من تبديد حياتهم علي الصراع من دون أمل بمستقبل افضل. لو كنت اسرائيلية فهل كنت ستثقين بالفلسطينيين؟ بالتأكيد. فأنا اؤمن بانهم بالفعل معنيون بحل الدولتين وان هذا الامر يمكن ان ينجح. حتي اتباع حماس قبلوا هذا الحل. بطبيعة الحال ومثلما هو الامر في اية تسوية هناك درجة من الخطورة ولكنني اعتقد ان الخطورة الاكبر تتمثل بتأجيل التسوية وتكريس الوضع القائم. الفلسطينيون هم اشخاص مجتهدون مواظبون يرغبون في العمل. لو فتحتم غزة والضفة لازدهر الاقتصاد. أنظر ما الذي نجحوا في القيام به خلال سنة ونصف رغم الانتفاضة والحصار. انا نفسي فوجئت عندما سمعت بأن 3900 مشغل في غزة قد أغلقت في الاشهر الاخيرة بسبب اغلاق معبر كارني امام البضائع. لم اصدق ان مثل هذا العدد من المصانع قد نجح في البقاء حتي الان. هناك حاجة بالطبع الي اعادة فتح معبر رفح ايضا. المشكلة هي انهم اعطوا لاسرائيل ذريعة لاغلاق المعابر من اجل معاقبتهم من خلال اطلاق صواريخ القسام. هناك دائرة سحرية مغلقة محبطة جدا.
اللاجئون هم مشروع العمر اذا عاد ابو مازن من القمة التي ستعقد في الخريف في امريكا مع وثيقة مباديء وطلب تأييد الجمهور فهل سيدير الغزاويون ظهورهم لحماس؟ انا لا استطيع الحديث باسمهم ولكن المعطيات تشير الي 30 في المئة من الغزاويين يؤيدون حماس و30 في المئة يؤيدون فتح و40 في المئة يعتبرون انفسهم مستقلين واحتمالية التغيير تكمن في المجموعة الاخيرة. هناك اعداد متزايدة من الناس تعلن عن نفسها انها براغماتية في مواجهة اولئك الذين يستطيعون اقتراح شيء ما للشعب الفلسطيني. هل سيؤيد اللاجئون الفلسطينيون حكومة فلسطينية تتنازل عن حق العودة؟ قبل كل شيء آخر اللاجئون يصرون علي ان يتم الاعتراف بحقهم بالعودة الي منازلهم. من المحتمل ان يختاروا امكانيات اخري ولكنهم لن يتنازلوا عن الحق بالعودة بأي شكل من الاشكال. اللاجئون سيعارضون بشدة كل تسوية تؤجل حل مشكلتهم للمستقبل الابعد. هم يقولون ان الآن هو وقت متأخر اصلا. الناس ينتظرون ذلك طوال سنين، سيكون من الصعب جدا محاولة تغيير ذلك ولكن القيادة موجودة من اجل هذا الغرض بالضبط. هل تلاحظين تطلعا من اللاجئين في الدول العربية المجاورة للانتقال الي الدولة الفلسطينية التي ستقام في المناطق؟ انطباعي هو ان اغلبية هؤلاء الموجودين يتمسكون بحلم العودة الي منازلهم في اسرائيل. عندما سيعرضون عليهم الهجرة الي الدولة الفلسطينية سيكون عليهم ان يقرروا اذا كانوا يريدون الانتقال الي المكان الذي لم يعيشوا فيه بالمرة او البقاء في اماكنهم. ما هو موقفكم من هذه المسألة؟ موقفنا هو انه يتوجب ان يكون للاجئين الحق في اختيار المكان الذي يذهبون اليه واذا كانوا يفضلون التعويضات. وفقا لقرار الامم المتحدة 194 يتوجب اعطاؤهم دورا في هذه القضية. هذه كانت احدي نقاط ضعف عدد من المبررات السلمية السابقة التي كان بعضها جيدا. هذا الامر هام بصورة خاصة في غزة حيث يشكل اللاجئون هناك 80 في المئة من السكان. نحن نصر علي ان تكون قضية اللاجئين علي جدول اعمال كل مفاوضات حول التسوية الدائمة بين اسرائيل والفلسطينيين. اللاجئون هم مشروع العمر بالنسبة لي وأنا ادرك ما هو معني العودة للبيت بالنسبة للاجيء، هذه اولويتهم الاولي. أنت تقولين انه يتوجب ان يكون للاجئين الحق في اختيار المكان الذي يذهبون اليه. ولكن اسرائيل قد قررت عنهم بأنهم لن يأتوا اليها؟ من الصعب البدء بالتحدث مع اللاجئين اذا انتزعنا منهم الامكانية الاهم بالنسبة لهم وهي العودة الي منازلهم. هناك امكانيات اخري بالطبع – توطينهم في اماكنهم الحالية، الانتقال الي الدولة الفلسطينية او الهجرة الي دولة ثالثة. الامكانية الاخيرة تلائم اللاجئين الذين يعيشون في مخيمات لبنان خصوصا حيث ان وضعهم اصعب من وضع الاخرين رغم الجهود التي تبذلها الحكومة اللبنانية في العامين الاخيرين بالتعاون معنا لتحسينها. عرفات ايضا تحدث عن هذا الخيار.
عكيفا الدارمراسل سياسي في الصحيفة(هآرتس) 18/9/2007