قاموس الحرب الامريكي: من الارهاب الكوني الي الفاشية الاسلامية
د. نهي خلفقاموس الحرب الامريكي: من الارهاب الكوني الي الفاشية الاسلاميةإثر حوادث 11 ايلول (سبتمبر)2001، صدر في الولايات المتحدة في عام 2002، كتاب بعنوان كولاترال لانغواج والذي يمكن ترجمته اللغة الموازية. وقد قام بتحرير هذا الكتاب باحثان من الولايات المتحدة هما جون كولينز وروس غلوفر بمشاركة اثني عشر باحثا آخر، جميعهم من المفكرين المناهضين للحروب الامريكية.وقد اختار الباحثون هذا العنوان بناء علي المصطلح الذي تستخدمه الادارة الامريكية لتصف الدمار الموازي أو الإضافي الناتج عن حروبها علي انه كولاترال داماج أو بمعني آخر انه دمار غير مقصود ومن تداعيات الحرب المؤسفة، وذلك من أجل تبرير استخدامها للقوة المفرطة في حروبها ضد عدوها الجديد أي الارهاب الكوني، حيث تبرر الولايات المتحدة كل الدمار الذي يصيب البني التحتية وقتل المدنيين علي انه مجرد دمار اضافي غير مقصود، (وعلي أساس هذا المصطلح يمكنهم أن يبرروا كل الدمار الذي الحقته القوات الاسرائيلية للبني التحتية وللمدنيين في لبنان وفلسطين علي أنه دمار إضافي غير مقصود).وقد شمل هذا الكتاب 14 مقالا، عالج كل واحد منها مصطلحا معينا تستخدمه الادارة الامريكية في حربها ضد كل من تعتبرهم ارهابيين ومن بين هذه المصطلحات: الانثراكس، الضربة المضادة، الحضارة مقابل البربرية، الجبن، الشر، الحرية، الاصولية، الجهاد، العدالة، الاهداف العسكرية، الارهاب، الحرب الشاملة علي الارهاب، الاتحاد، والمصالح الحيوية.والمهم في هذا الكتاب هو التعريف الذي جاء في مقدمة الكتاب لمصطلح اللغة الموازية، أي حسب قولهم ان اللغة عبارة عن منظمة ارهابية ويشرحون ان هدف الكتاب هو فضح استبداد اللهجة السياسية المستخدمة لتبرير الحرب الأمريكية الجديدة والتي تمتد عبر العالم ولا تحترم الحدود القومية معتبرة ان كل الاماكن عبارة عن نفس المكان الذي تقضي فيه ممارسات الحرب علي حلم حقوق الإنسان، وذلك بدءا بالحرب علي أفغانستان التي يعتبرها الكتاب من أفقر بلدان العالم.ويضيف الباحثون ان تسمية هذا الكتاب اللغة الموازية مبنية علي أساس أن اللغة تشكل نمط حياتنا وتداعيات اللغة في مرحلة الحرب لها آثار مذهلة، ولذلك يمكن اعتبارها منظمة ارهابية تصيب المدنيين بهدف تحقيق أهداف سياسية. فيصبح كل البشر أهدافا مدنية تصيبهم اللغة بالخوف والرعب، حيث انها تنتج اثارا ذات أبعاد نفسية تفوق بكثير المعني الأصلي للمصطلحات المستخدمة.ويعتبر الباحثون ان المشروع الاساسي الامريكي الكامن خلف استخدام لغة سياسية معينة هو التوصل الي إجماع ودعم من قبل الشعوب لتلك السياسات، كما يوضحون انه في حال تستخدم دولة ما المصطلحات المناسبة يمكنها عبر ذلك أن تقنع شعوبها بالقيام بأسوأ الجرائم. ويبينون كيف شهد القرن العشرون عملية انتاج متطورة للمصطلحات السياسية في الولايات المتحدة، وكيف تم استخدام هذه الادوات اللغوية (التي يسميها البعض أسلحة لغوية) لفبركة اجماع واسع النطاق للرأي العام في المجتمع، كما يتم تحويل وتطوير تلك الأدوات اللغوية بشكل مستمر ودائم حسب الحاجة.ولا يمكننا في هذا الصدد ان نشير بالتفصيل الي كل التفسيرات العلمية للمصطلحات الامريكية التي وردت في هذا الكتاب القيم وتأثيرها علي الشعب الامريكي حيث قد يصل بهم الحال الي إقناع الكثير بأنهم يعملون من أجل السلام والديمقراطية بينما يحرضون علي الحرب.ان هذا الكتاب قد نشر في عام 2002 ونحن الان في عام 2006، وقد حدث ما حدث من دمار مقصود وغير مقصود في العراق ولبنان وفلسطين. وقد حدث ما حدث من مقاومة شعبية ووطنية ضد المخططات الأمريكية والإسرائيلية. وقد نجحت الولايات المتحدة وأعوانها في أساليب الخداع في بعض الأحيان وفشلت في احيان أخري ولكنها تحاول دائما أن تبحث عن مصطلحات جديدة تهدف عبرها التوصل الي اجماع، ليس فقط داخل المجتمع الامريكي أو الاسرائيلي، بل الي إجماع ودعم علي الصعيد الكوني. وقد اصبح، في رأينا، الحصول علي الإجماع داخل المجتمع الامريكي مسألة ثانوية بالنسبة للإدارة الأمريكية التي بدأت تتخلص شيئا فشيئاً من المكتسبات الديمقراطية علي الصعيد الداخلي حيث طور المحافظون الجدد في تلك الإدارة وسائل قمع جديدة للمراقبة والملاحقة. وقد بقي، إذن، الشاغل الأساسي للادارة الامريكية خلال كل هذه الفترة الممتدة منذ 11 ايلول (سبتمبر) 2001 وحتي ايلول (سبتمبر) 2006، الحصول علي إجماع عالمي لحروبها ومخططاتها عبر التركيز بشكل خاص علي إخضاع الامم المتحدة لتصبح أداة تنفيذية بين يديها من جهة، والعمل علي إخضاع اوروبا من جهة اخري عبر ادخالها في منظومتها الفكرية وفرض منظمة اللغة الارهابية عليها بهدف التوصل علي إجماع ودعم أوروبي، مستغلة انشغال الدول الأوروبية الكبري في موضوع توطيد الوحدة الأوروبية ودستورها ومعتمدة علي حليفها البريطاني الانغلوساكسوني لتمرير لغتها علي الاوروبيين.ونتيجة الفشل الذي حظيت به ادارة بوش في حربها الكونية ضد الارهاب أكان ذلك في العراق أو بشكل صارخ في الحرب التي خاضتها اسرائيل ضد حزب الله في لبنان، بدأت الولايات المتحدة البحث عن مصطلح لغوي جديد لتهيئة أجواء الحرب ضد ايران دون فقدانها الدعم الدولي والاوروبي بشكل خاص. وعلي هذا الأساس بدأ مصطلح الفاشية الاسلامية يظهر ويردد بشكل مجدد في قاموس المحافظين الجدد حيث لم يكن واردا في قاموسهم في عام 2002 ومن الواضح ان الهدف من اختيارهم لهذا المصطلح هو تخويف ثم توريط اوروبا في الحربين: اللغوية في المرحلة الأولي والعسكرية في المرحلة الثانية. وذلك لأن أوروبا هي التي عانت أكثر من غيرها من الفاشية في الحرب العالمية الثانية.ان استخدام هذا المصطلح القديم الفاشية وتطويره الي الفاشية الاسلامية، يأتي كمقدمة لتبرير الحروب القادمة والمرجحة أن تشن علي ايران.وقد بين مقال للصحافي جيم لوب وهو من الباحثين المناهضين للحرب بعنوان الفاشية: الاطار المفبرك في صحافة المحافظين الجدد بتاريخ 2 ايلول (سبتمبر) 2006، ان الصحافة اليمينية والتي يسيطر عليها المحافظون الجدد واليمين المسيحي الصهيوني قد بدأت بترداد ذلك المصطلح بشكل مكثف في الأشهرالقليلة الماضية. ففي رأيه ان الحملة العدوانية الجديدة التي تديرها إدارة بوش قد بدأت تعرف أعداء الولايات المتحدة علي أنهم فاشيون من جهة وتسمي نقاد الحرب المهدئين من جهة أخري استنادا الي مصطلح التهدئة وذلك في محاولة لخلق أجواء نفسية مشابهة للأجواء السائدة في الثلاثينات من القرن العشرين حيث استخدمت كلمة التهدئة بشكل ساخر لوصف محاولات اللورد تشامبرلين البريطاني الفاشلة لتفادي الحرب مع ألمانيا قبل احتلالها لبولونيا. ومن الشبكات الإعلامية الاساسية التي بدأت بترويج مصطلح الفاشية شبكة فوكس نيوز ومجلتها الويكلي ستاندارد التي يمتلكها روبرت مردوك، وجريدة الواشنطن تايمز الخاصة بالكنيسة التوحيدية التي يقودها القس سان ميونغ مون وجريدة النيو يورك سان التابعة للمحافظين الجدد. كما ان مجلتين يمينيتين اخريين وهما الناشونال ريفيو والامريكان سبكتيتيور بدأتا أيضا بترويج مصطلحات النازية والفاشية والتهدئة بشكل مفرط لوصف ايران ورئيسها أحمدي نجاد.فبعد ان استخدمت الواشنطن تايمز مصطلح الفاشية في خمسة وتسعين مقالا في العام الماضي وخاصة في الثلاثة اشهر الاخيرة، وبعد ان استخدمت الناشونال ريفيو نفس المصطلح ستا وستين مرة والامريكان سبكتيتور ثماني واربعين مرة، جاء دور بوش نفسه الذي استخدم هذا التعبير منذ اسبوعين ليشمل تعريفه المبهم للفاشية كل شيء بدءا بتنظيم القاعدة وحماس ومرورا بحزب الله وايران وسورية. ثم جاء منذ اسبوع دور دونالد رامسفلد وزير الدفاع الذي تحدث بشكل أدق عن خطر تواجهه الولايات المتحدة وهو نوع جديد من الفاشية، مضيفا انه يجب الاستفادة من دروس الماضي وهي انه لا يمكن التوصل الي تهدئة مع الفاشيين.وهكذا تحول الخطر الاساسي الذي يواجه العالم في المنظومة الفكرية الأمريكية من الخطر الشيوعي كما كان عليه الحال قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، الي خطر الارهاب العالمي بعد 11 سبتمبر 2001 ليصبح اليوم الخطر الفاشي حيث يعود الحال الي ما كان عليه في الثلاثينات من القرن العشرين. فهل يمكن اعتبار ذلك تطورا أم تخلفا؟والسؤال المطروح اليوم، كما كان مطروحا قبل دخول أمريكا في حربها ضد العراق هو حول شكل وتوقيت الحرب المستقبلية التي ستغامر بها أمريكا ضد الفاشية الوهمية بعد فشلها في حربها ضد الارهاب، والسؤال الأهم والأخطر من ذلك هو: هل ستتمكن من خلق اجماع عالمي وأممي يسندها في هذه المغامرة القادمة؟ 9