قانون النفط الجديد باطل ككل قوانين الاحتلال

حجم الخط
0

فاطمة محمد تقي

الكل في العالم يعرف ان امريكا لم تكن تحتل العراق لو لم يكن من اجل النفط.

مع هذا، فلماذا لا يتطرق السياسيون ولا الاعلام بنص صريح الا نادرا لهذا الامر؟ الجمهوريون والديمقراطيون في امريكا متفقون علي ان الولايات المتحدة الامريكية ملتزمة وبكل الوسائل بتامين تدفق البترول من الشرق الاوسط والخليج العربي الي امريكا، ولهم اسبابهم ان يتحدثوا بهمس عن هذا الامر.

فلا القانون الدولي او حقوق الاوطان يسمح للولايات المتحدة ان تشن الحروب وتحتل البلدان من اجل تامين امدادات البترول، لذا يحاولون التغطية والتمويه علي الدوافع الحقيقية. وحكومات الدول الغنية والدول الحليفة والنخب الحاكمة في العالم يتغاضون لاسباب عديدة ولا يودون تعريض انفسهم لغضب البيت الابيض واجراءاته العقابية. فاما ان يضع المرء نفسه في خدمة المصالح الامريكية بغض النظر عن كيفية تامينها والا فانه سيجد نفسه يقف في محور الاشرار!! ان سعي الولايات المتحدة للهيمنة والتحكم بمصادر الطاقة في الشرق الاوسط قد جري وامتد منذ ستين عاما، فحرب ادارة بوش علي العراق ليست تعبيرا عن سياسة جديدة، انما التغيير في الامر هو في التسويق للدوافع المزورة، وهذا ما يؤكده اغلب المؤرخين العارفين في الشا ن الامريكي وفي شان الشرق الاوسط، فان مقولاتهم لا تثير الجدل لانها حقائق موثقة، ومنها:

كانت امريكا اكبر منتج للبترول في العالم عام 1945 وكان استيرادها له هامشيا، في نفس هذا الوقت ادرك الجيولوجيون انه لا يمكن استمرار بلوغ انتاج البترول ذروته، بل يتوجب تخفيض الانتاج تدريجيا وان الولايات المتحدة ستعتمد مستقبلا علي مصادر وموارد الطاقة للدول الاخري، فتصرف الرئيس روزفلت بسرعة بالغة، ففي شباط (فبراير) 1945 قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية طار مباشرة من مؤتمر يالطا الي مصر، حيث التقي علي متن سفينة حربية في قناة السويس بالملك السعودي ابن سعود وبحضور المترجم فقط وخلال خمس ساعات ونصف الساعة تحدث الرجلان، حتي توصلا الي صفقة تاريخية تعهدت الولايات المتحدة بموجبها بالحماية العسكرية للملكية المطلقة مقابل حصول شركات النفط الامريكية علي امتيازات السيطرة علي البترول السعودي، فتطورت المملكة السعودية الي المنتج الاول في العالم. منذ ذلك الوقت بدات سياسة القوة والتدخل في الشرق الاوسط بجد حيث التواجد والحضور العسكري والسياسي القوي لتامين السيطرة علي مصادر الطاقة رغم الرفض لهذا التواجد غير المرغوب فيه. فتلقت بريطانيا الضربة الاولي، عندما رفضت البرتش بتروليوم التخلي عن آبار جنوب غربي ايران فقرررئيس الوزراء الايراني محمد مصدق تاميم حقول النفط، فتدخلت الولايات المتحدة بتدبير انقلاب اطاح بمصدق ونُصب الشاه محمد رضا بهلوي وكيلا مطلقا للولايات المتحدة والغرب، فعادت الشركات البريطانية والامريكية الي ايران.

في السبعينات من القرن الماضي تدنت السيطرة الامريكية علي موارد النفط في الشرق لاوسط، فمع تشكيل منظمة الاوبك عام 1960 وارتفاع اسعار البترول، اضافة الي تمكن اوبك من استعراض عضلاتها الجيوسياسية بجدية عام 1973 عندما فرضت الحصارالنفطي ضد الولايات المتحدة كرد علي دعم ادارة نيكسون اسرائيل في حرب تشرين الاول (اكتوبر)، ثم جاء الغزو السوفييتي لافغانستان عام 1979 والثورة الاسلامية في ايران في نفس العام. فلم يعد ما جري مقبولا لدي الرئيس الامريكي، ففي خطابه امام الكونغرس 1980 شدد جيمي كارتر علي ان اي محاولة من طرف مستقل عن الولايات المتحدة للسيطرة علي الخليج، تعتبر هجوما علي المصالح الحيوية الامريكية، الذي وعد بحمايتها بكل الوسائل الضرورية، وقد انتقل من الكلام الي الفعل، عندما شرع ببناء القيادة المركزية لقوات التدخل السريع والتي شملت مناطق عملياتها العسكرية دول المنطقة الاسلامية في الخليج وفي القرن الافريقي وجنوب شرقي آسيا العصب المركزي في الحرب علي الارهاب.

عندما احتل العراق الكويت عام 1990 حيث حقول النفط، وهدد حقول النفط السعودية ووفاء لعهد روزفلت مع الملك ابن سعود، امر بوش الاب قواته للقضاء علي من هدد مصالح امريكا الحيوية وهدد حلفاءها في المنطقة. وبعد عشر سنوات واجه بوش الابن نفس المشكلة، الا وهي كيفية تامين السيطرة التامة علي الشرق الاوسط والتحكم بمصادر الطاقة فيه.

لقد كان الجمهوريون مستائين من سياسة بيل كلنتون ازاء العراق، فبضغط صقور المحافظين الجدد تم تشريع قانون تحرير العراق لعام 1998 لتغيير النظام العراقي. ولانجاز هذه المهمة وحسب رؤية وافكار المحافظين الجدد وجه الرئيس بوش سؤالين؛ فتلقي كولن باول مهمة مراجعة تاثير الحصار الاقتصادي ضد العراق علي نظام الحكم فيه، فكان الجواب ان الحصار لم يؤثر علي النظام، ان لم يكن قد قوي موقع النظام. السؤال الثاني كان بخصوص سياسة الطاقة في امريكا الذي اجاب عليه نائب الرئيس ديك تشيني، فجاء جوابه بصيغة سياسة طاقة قومية امريكية في ايار (مايو) 2001، وكان تقريره مثيرا للقلق؛ فانتاج النفط الامريكي قد تدني، في الوقت الذي تصاعد الطلب بثبات والاعتماد علي الاستيراد قد تزايد بقوة.

وعليه فان تدفق الموارد النفطية من الخليج والشرق الاوسط يفرض علي بلدان الخليج تحديث الانتاج خلال 20 عاما، كي ترفع انتاجها من 24 مليونا الي 45 مليون برميل يوميا.

فجاء السؤال المنطقي التالي؛ كيف سنحقق هذه المهمة الهائلة؟ فكان الجواب؛ ان ذلك يتحقق عندما تدخل شركات النفط الامريكية الي العراق لتسيطر وتتحكم بالانتاج.

قادت الاجوبة علي اسئلة بوش الي استنتاجات محددة لتحقيق الهدف وهي؛ يجب ان يزاح نظام صدام بالقوة وان يحتل العراق ويحكم من قبل سلطة الاحتلال.

التحضير العملي لتحقيق الهدف الستراتيجي الرئيسي للحرب والاحتلال بعد اتخاذ قرار الحرب:

الخطوة الاولي؛ تم تشكيل مجموعة مشروع مستقبل العراق وتشكل الفريق بقيادة وزارة الخارجية الامريكية وضم رئيس الصناعة النفطية الامريكية وعددا من العراقيين ذوي الصلة بالخارجية والدفاع الامريكية، مثل برهم صالح وهوشيار زيباري واحمد الجلبي واخرين اضافة الي عدد اخر من الموظفين الامريكيين في الخارجية والدفاع. كان الهدف من تشكيل الفريق هو وضع التوجهات الخاصة برسم مستقبل العراق الاقتصادي باعتماد خصخصة جميع مرافق الاقتصاد العراقي بما فيه القطاع النفطي والصناعة النفطية المستقبلية، وعليه فالشركات الاجنبية وبالدرجة الاولي الامريكية والبريطانية ستحظي بامتيازات مطلقة للدخول للعراق والنشاط في مختلف القطاعات، واهم ما استخلصته المجموعة وقتها بناءً علي فهمها ان الملكية الاجنبية المباشرة لنفط العراق غير ممكنة فهي غير واقعية ومرفوضة وعليه فليس هناك من حل غيراللجوء الي اتفاقية المشاركة بين الشركات وحكومة صديقة موالية لامريكا، تعقد بموجبها بصيغة قانونية.

الخطوة الثانية بعد الغزو والاحتلال؛ في ظل حكم الحاكم المدني بول بريمر وما سمي بسلطة التحالف المؤقتة، اديرت وزارة النفط العراقية بصلاحيات واسعة من كبارمستخدمي الشركات الامريكية التي بدورها دعت شركات النفط الكبري كشركة هالبرتون وبيكتل وغيرها لتقف علي خط الانطلاق بانتظار قوانين تشرع لها تكبيل العراق بعقود مجحفة جشعة ليس لها ضرورة واقعية وحاجة مادية للمجتمع العراقي، بل تلبية لحاجات المحتل في استنزاف احتياطياته وتبديد عوائدها. الخطوة الثالثة؛ وضع اطر قانونية للاهداف الستراتيجية الامريكية في مجالي السياسة والاقتصاد العراقيين:

دُبرت الانتخابات لتنصيب حكومة احتلال تابعة خاضعة، منصبة من قبله لتبدو ذات سيادة شكلية، كي تبصم علي مشاريع قوانينه، ثم مرر الدستورالذي خلا عمدا وبتاثير امريكي من اي ذكر لاي حدود او ضوابط لحماية الثروة النفطية من استغلال الشركات الاجنبية، كما اسس لتقسيم البلاد الي فيدراليات تفوق سلطاتها سلطة المركز وشكل قاعدة لتقاسم السلطة والثروة والنفوذ بين الطوائف والاقليات القومية، بهدف الغاء الدولة ودورها وتحويلها الي دويلات وسلبها الحق في السيادة والسيطرة علي الثروات الوطنية، كما انه الغي عمليا تاميم امتيازات الشركات الاجنبية كي يعيد منح الامتيازات لشركاتها سيئة الصيت والسمعة في سلب موارد شعوب العالم، علاوة علي قانون توزيع العوائد النفطية بين المركز والاقاليم حسب مقاييس تقسيمية، وقانون صلاحيات الاقاليم في ابرام عقود التنقيب والاستخراج والاستثمار وغيرها.PSA قانون النفط الجديدخلص فريق مشروع مستقبل العراق لاعتماد موديل عقود المشاركة في الانتاج رغم ان هذا الموديل لم يطبق اطلاقا في الشرق الاوسط وله سمعة سيئة منذ التسعينات عندما حصلت شركة شل علي عقد خلال استغلالها الفوضي والفساد اثناء انهيار الاتحاد السوفييتي. عقود المشاركة في الانتاج تعني ان الموارد النفطية تملك شكليا من قبل بلد المنشأ بينما الشركات الاجنبية وحدها من يتحكم ويقود النشاط والتطور والاهم في هذا لامر هو تحديد المستويات الستراتيجة في الانتاج وفق الحاجات الستراتيجية القومية للطاقة في امريكا ولضمان ارباح كبيرة طويلة الامد. حسب مشروع القانون فإن العقود مع الشركات ليست للخدمة عقود الخدمة وانما لحجر الابار والحقول ووضع اليد عليها والسيطرة التامة والتحكم فيها علي مدي 35عاما مع ربح مضمون خلال 25 عاما دون اي التزامات بتوظيف ارباحها في العراق او تشغيل او تدريب العراقيين او ان تعمل علي التطوير التكنلوجي فيه.

فلبلوغ الهدف من قبل الطامعين قد تطلب تهيئة كل الشروط المادية اللازمة الانفة الذكر. ولتجاوزالمراحل الصعبة والعوائق القائمة امام الشركات للمباشرة في انجازالمهمة كان علي قوات الاحتلال القيام بالاولويات التالية؛ حماية القطاع النفطي اثناء الحرب، حماية وزارة النفط، الشرط الثاني كان ان يبلغ انتاج البترول المستوي الذي كان عليه قبل الحرب اي 2.5 مليون برميل يوميا ولكن هذا الهدف كان اصعب كثيرا مما كان متوقعا، منذ ان استهدفت المقاومة العراقية القطاع النفطي وبناه التحتية. فلقد تذبذب الانتاج ولم يتجاوز المليونين يوميا.

فما بالك في التقدم نحو الهدف التالي؛ اي ان تتولي هاليبرتون اصلاح وتحديث قطاع النفط لبلوغ مستوي انتاج ما قبل حرب 1991وهو 3.5 مليون برميل يوميا. لكنه كان من شبه المستحيل ان يتحقق ذلك. فبقدر ما يحتاج عمل الشركات الي توفر الامن الطبيعي فانها تحتاج الي تشريع تواجدها وامتيازاتها. لذا كان مطلوبا تشريع قانون نفط جديد من قبل حكومة ذات سيادة حسب القانون الدولي، رغم ان العقل السليم يقول ان العراق يفتقد لمثل هذه الحكومة وانه بلد محتل فاقد للسيادة والاستقلال، ولكن العالم اراد تصديق الكذبة واذعن لامريكا ولم يجرؤ علي ان يقول لا لها.

ان هذا القانون باطل كما حال كل قوانين المحتل وليس علي القوي الوطنية المخلصة الرافضة للاحتلال غير مقاومته بكل الوسائل وعلي كشف مخاطره علي مســـتقبل العراق ووحدته واستقلاله واستيلاءً علي ثرواته النفطية بالقوة من قبل اعدائه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية