مما لا شك فيه ان الدستور هو عقد اجتماعي لكل مكونات المجتمع قوامه المساواة في الحقوق والواجبات علي اساس المواطنة الصالحة، او هو الاطار القانوني لكل القوي والكتل السياسية الفاعلة في الواقع، او هو انعكاس حقيقي وصادق لرؤي وخيارات وامنيات الشعب بكل اديانه ومذاهبه وقومياته واطيافه الاخري. ولما كان الامر علي هذه الدرجة من الاهمية والخطورة كان لا بد ان يراعي في طريقة وضعه الرضا والقبول من الشعب. فاذا كانت طريقة وضع الدساتير مختلفة باختلاف الانظمة السياسية في دول العالم فان الفقه الدستوري يجمع او يكاد علي ان اللجنة التأسيسية هي انجح الطرق واصلحها في وضع الدساتير. غير ان السلطة التأسيسية كثيراً ما يكتنفها اللبس والغموض مما يجعلها تتداخل من حيث عملها مع السلطة المؤسسة (التشريعية) مما يستوجب الايضاح لكل من السلطة المؤسسة (التأسيسية) والسلطة المؤسسة (السلطة التشريعية) اذ ان وصف الدستور يتوقف علي طبيعة اللجنة التي تقوم بكتابة الدستور، الامر الذي يجعلنا نصف الدستور بانه دستور سياسي او دستور قانوني ذلك علي النحو الآتي:
اولاً: السلطة المؤسسة (التأسيسية) والسلطة المؤسسة (التشريعية). منذ ان بدأت حركة التدوين الدستوري في نهاية القرن الثامن عشر اثر بروز فكرة الدولة بالمفهوم الحديث للمجتمع المنظم سياسياً، ثار تساؤل علي صعيد الفقه الدستوري مفاده ايهما اسبق في الوجود النظام السياسي ام النظام القانوني؟ وقد ترتب علي ذلك التساؤل البحث عن افضل السبل وانجعها في كتابة الدساتير حتي قيل ان الدستور يجب ان يكتب من قبل النخبة او الصفوة او حكماء القوم الافذاذ الذين تتوافر فيهم صفات عديدة منها الموضوعية والكفاءة والقدرة علي التحليل والتنظير واستشراف المستقبل وتحديد اتجاه سير المجتمع لسنين مقبلة في ضوء المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع.
ان مثل اولئك الاشخاص ينتخبون او يختارون ويشكلون السلطة التأسيسية التي تتولي اعداد وكتابة الدستور. وهذه اللجنة تنتهي حالما ينتهي عملها دون ان يكون لاي من اعضائها حق التقديم او الترشيح لمناصب سياسية في ما بعد.
ان السلطة التأسيسية بالوصف المتقدم هي اعلي واسمي سلطة يتشاور اعضاؤها في ما بينهم للاتفاق علي بنود الدستور دون ان يكون هناك اي تأثير او محاباة او تدخل لحزب او فئة او طائفة او اي تنظيم علي حساب الآخر.
واذا كان الدستور وليد السلطة التأسيسية، فان السلطات المؤسسة هي وليدة الدستور ومنبثقة عنه ومنه تستمد وجودها وشرعيتها، اذ ان الدستور يحدد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ويحدد اختصاص كل منها علي اساس مبدأ الفصل بين السلطات. ثانياً: الدستور السياسي والدستور القانونياختلف الفقه في تعريف الوثيقة الدستورية باختلاف الزاوية التي ينظر منها رجل السياسة عن رجل القانون. واذا كان القانون يعرف الدستور بانه مجموعة من القواعد القانونية التي تحدد شكل الدولة (في ما اذا كانت بسيطة موحدة ام مركبة فدرالية)، وطبيعة نظام الحكم (ملكياً كان ام جمهورياً، برلمانياً ام رئاسياً) ويحدد السلطات العامة برسم العلاقة فيها فضلاً عن الاسس الفلسفية والاقتصادية والاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع، فان رجل السياسة يعرف الدستور علي حد تعبير الفقيه الفرنسي (موريس دفروجيه) بانه (قانون اولئك الذين وضعوه) في اشارة الي الاحزاب والكتل السياسية التي بصمت افكارها وفلسفتها ورؤيتها وخياراتها في تضاعيف الدستور، ومثل هذا الدستور لن يحقق بناء دولة المؤسسات الدستورية التي لا تتأثر بتغيير الاحزاب السياسية او تغيير شخص الحاكم وانما يمهد لولادة دكتاتوريات الشخص الحاكم او لديكتاتورية الاقلية وقد اثبتت التجارب فشل الدساتير وانهيار المجتمعات والدول التي قامت علي مثل تلك الايديولوجيات السياسية. اذ ان تلكم الدساتير تفصح عن رؤي ونيات وتطلعات واضعيه اكثر مما تفصح عن تطلعات الشعب وامانيه حتي اذا ما تعرضت الدولة لهزة سياسية سقط الحزب الحاكم ومؤسساته وانفل الدستور وانفرط عقده وانهار الامن والاستقرار وشاعت الفوضي والاضطرابات.
خلاصة القول ان ذلك الدستور الجديد للعراق ان لم تتم معالجة نقاط الاختلاف فيه التي تمهد لتقسيم العراق وتجزئته ارضاً وشعباً وهوية، فاننا كما اعتقد سنكون امام دستور سياسي كتبته ايدي الاحزاب السياسية التي جاءت مع الاحتلال ولن يحقق ذلك الدستور الامن والاستقرار او يقضي علي الاضطرابات السياسية. وهذا ما لا نريده للعراق وانما نريد دستوراً قانونياً يعبر عن خيارات الجميع ويمهد لولادة قانونية تقوم علي اساس وجود منظومة قانونية لا تتوقف علي الشخص او الحزب الحاكم ولا تعتمد علي الاشخاص القادة بقدر ما تعتمد علي البرامج الناجحة لادارة البلاد بما يرضي الله والعباد. وخلاصة القول ان قانون النفط والغاز الجديد ولادة فاسدة للدستور الجديد وهذا ما حصل في اقليم الشمال.. ومن يدري ستكون ولادة ثانية لنفط الجنوب في البصرة وان غدا لناضره لقريب. خالد القرة غولي جامعة الانبار ـ العراق6