بسام البدارين:
عمان ـ ‘القدس العربي’ لا تخلو العبارة التي صرح بها القيادي الأردني في الحركة الإسلامية الشيخ زكي بني إرشيد من ‘قسوة مدروسة’ وهو يقول ردا على ولادة ملامح قانون الإنتخاب الجديد: إكرام الميت دفنه.. دولة الرئيس أنعى بإسمكم الإصلاح السياسي.. عظم ألله أجركم وأحسن عزاءكم.
والمفارقة ان الشيخ بني إرشيد الذي قاطعته وزارة الداخلية ومن خلفها المؤسسة الرسمية برمتها خمس سنوات عجاف عندما إنتخب أمينا عاما قبل سنوات لجبهة العمل الإسلامي يودع بهذه العبارة اللاذعة عمليا أسابيع متعددة من التواصل السياسي والود الشخصي مع حكومة الخصاونة.
الشهر الماضي فقط شرح بني إرشيد في جلسة خاصة حضرتها ‘القدس العربي’ ‘مزايا’ حكومة الخصاونة متحدثا بفرح عن التعليمات الرئاسية التي تصدر فورا إذا ما طرح هو أو أي من قادة الحركة الإسلامية ولو هاتفيا مسألة تخص أحد المواطنين لكنه تقصد التلميح إلى أن خواتيم الأمور مرهونة بما تقدمه الحكومة من إصلاحات تحديدا في قانون الإنتخاب.
اليوم يودع إرشيد ورفاقه من حلفاء التكتيك في التيار الإسلامي الحكومة وأي ترتيبات معها وبأقسى العبارات في إلتفاتة واضحة تقول ضمنيا بأن ‘شهر العسل’ بين الحكومة والإسلاميين في طريقه للإنتهاء فحتى صديق الحكومة الأقرب الشيخ حمزة منصور عبر عن خذلانه من نظام الإنتخاب الذي يطيح بالعملية السياسية برمتها قبل مبادرة إرشيد أمس الأحد التي تحدث فيها عن جبهة وطنية مبكرة لمقاطعة الإنتخابات.
وأغلب التقدير أن الخصاونة لديه شروحات سيوضحها للرأي العام اليوم الإثنين حول ظروف وملابسات الولادة المتعسرة لقانون الإنتخاب لكن مبكرا قرر إرشيد ومنصور ‘توديع’ الحكومة والتنصل من قانونها الإنتخابي الطازج حتى قبل الإستماع لتوضيحات.
ذلك لا يعني إلا أن التيار الأخواني من الآن خارج اللعبة وهي مسألة لها كلفتها فالإسلاميون مستعدون دوما للنزول للشارع ومقاطعة الإنتخابات وتيارهم الشاب ركب مبكرا في حافلة الإستعصاء وتحفظ أصلا على منهجية التحاور مع النظام والحكومة.
المشهد إذا اليوم بسيط ومباشر فنظام الإنتخاب المقترح والمعلن تنصل منه الإسلاميون ولا يرضيهم.. من الواضح أنهم ليس وحدهم الطرف الذي لا يشعر بالرضا ـ قال إرشيد لرفاقه عند التقييم الأولي – قبل أن يعلق الشيخ عبد اللطيف عربيات علنا: هذه الوصفة تأزيمية تماما.
السؤال الأعمق اليوم: هل كان المقصود الإجهاز مبكرا على التفاهم المفترض بين الخصاونة والإسلاميين ومنع الجهتين من تغيير المعادلات في البلاد أم أن تفاصيل كوكتيل الإنتخاب الجديد على وزن الرغبة الحكومية المصاغة من قبل وزير التشريعات النافذ أيمن عودة؟
بالمقابل لا أحد في عمان توقع أصلا قفزة وعي مفاجئة في مؤسسة القرار الأردنية تعتمد مفهوم المواطنة والإنصاف كأساس لمعادلة قانون الإنتخاب الجديد فذلك قد ينتهي كالعادة بتحذير النظام السياسي من سيناريوهين يحتفظ بهما الحرس القديم ورموز الأمن دوما وهما سقوط النظام بأيدي الفلسطينيين أو سقوط الدولة بأيدي الأخوان المسلمين.
بالتوازي لا أحد توقع أن تسقط تماما قيمة ‘العدالة’ النسبية في نظام الإنتخاب الجديد الذي حدد الناطق الرسمي راكان المجالي ملامحه الأساسية السبت، الأمر الذي دفع محلل وخبير إنتخابي من طراز خالد رمضان للقول: نفهم بان مسألة المواطنة حساسة للغاية لكن لا نفهم على ماذا يراهن أصحاب القرار وهم يسقطون حتى إعتبارات العدالة، ويتجاهلون تماما الدولة المدنية.
يلاحظ الناشط السياسي محمد الحديد ومعه كثيرون بإختصار بأن تفصيلات قانون الإنتخاب الجديد لا تخاطب إطلاقا مكونا بارزا من مكونات الشعب الأردني وهو بصراحة المكون الفلسطيني الذي لا يلتفت له أحد بل تجاهله نظام الإنتخاب الطازج بشكل غير مسبوق بناء على ذرائع واهية كلف مهندس النظام الجديد الوزيرعودة بتسويقها وترويجها. يقول رمضان لـ’لقدس العربي’ بوضوح أطاح التخندق وراء ملف الحقوق المكتسبة بأبسط دلالات العدالة وسقطت تماما دولة المواطنة. إذا حتى دعاة المواطنة والدولة المدنية لم ترضهم صيغة القانون الجديد التي هاجمها أيضا حزب الوسط الإسلامي البارز لإنها تخصص للنساء حصة كوتا مطابقة لحصة الأحزاب وفقا لمروان الفاعوري احد أبرز المعتدلين في الطرح السياسي عموما.
وفي التفاصيل تجاهل تشريعي واضح لما يسمى بمقاعد الكثافة السكانية وللتمثيل الفلسطيني فالقانون قد يكون محصلة لصفقة رتبت فقط على أساس الهاجس الأمني وبرمجت لكي ترضي قواعد النظام البيروقراطية والعشائرية مع تسهيلات خاصة للأخوان المسلمين رفضت مقدما. وفي التفاصيل زيادة ‘نسائية’ على مقاعد البدو وقائمة نسبية مغلقة للأحزاب تستفيد منها أحزاب الثقل العشائري الوسطية مع الإسلاميين فقط بمعدل 15 مقعدا فقط وثلاثة أصوات لكل ناخب أحدها للقائمة مع ‘توزيعة’ جديدة للدوائر الإنتخابية ومعادلة تضمن مقعدا’مجانيا’ لكل منطقة على مستوى لواء لا تمثل في البرلمان. يعني ذلك ان قائمة من يرضيهم القانون الجديد تشمل مستويات القرار الأمني الذي ضغط بشدة على الخصاونة وراء الكواليس، وبعض المتشددين الذين مارسوا ‘الإرهاب’ على رئيس الوزراء بإسم التجنيس السياسي إضافة للحرس القديم ومفاصل البيروقراطية ومساحات الثقل العشائري.
أما قائمة من لا يخاطبهم القانون الجديد أصلا ولا يمكنه أن يرضيهم بحال من الأحوال فتشمل بإختصار ودون لف ودوران ‘بقية الشعب’ بما فيه الأغلبية الصامتة التي ستتجدد إقامتها فيما يبدو بمنطقة الترانزيت إلى أن تساق لفكرة تحدث عنها البعض فعلا مبكرا جدا بعنوان’ مقاطعة الإنتخابات’.