جوهر الحياة هو ألَّا تتوقف عن المحاولة، حتى لو في أحلك لحظات الضعف واليأس، فأولى خطوات الحُرِّية طبقا للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر Jean-Paul Sartre (1905-1980) هو «أن تتخذ مما يحدث لك سبيلا للحرية»، أي الاستفادة من الصعاب وتحويلها لدرجة مهمة في سلَّم النجاح. وحتى لو تراكمت الهموم على الفرد ولم يستطع التفكير السليم والتخطيط للتغلُّب على الصعاب، فيجب أن يبحث عن وسيلة إلهاء نافعة يمكن تحويلها في ما بعد لوسيلة للنجاة. فمن يتباكى ويعيش في دائرة من الأحزان دون مقاومة يصير كمن يعطي للجلَّاد هيبة وعذرا لما هو فاعل به، أو كما يؤكد سارتر: «لكم أكره الضحيَّة التي تحترم الجلاد».
وعلى الرغم من صعوبة تلك التعاليم الوجودية القاسية، لكنها حقيقة ثابتة منذ قديم الأزل؛ فمهما انغمس الفرد مع آخرين، لكنه في نهاية المطاف لا يجد سوى نفسه فقط ليخلد إليها، مما يحتِّم عليه أن يهيئ ذاته لكل الظروف؛ لكيلا يضجر عندما يجد نفسه يوما وحيدا، لا يجد من يساعده أو يسانده. ولدفع الأفراد على العمل الدائم للتمسُّك بكل ما هو أعظم وأسمى من لحظات القهر، أطلق سارتر في أحد محافله العلمية الشعبوية نداءه للتحرر من أي لون من ألوان الضغوط النفسية والمادية بتأكيده: «إذا شعرت بالوحدة عندما تكون وحيدا، فاعلم أن صحبتك سيئة».
وعلى الرغم من سهولة إطلاق العبارات والتعاليم، التي لا يستطيع الفرد الشجاع، أن يحتمل ضغط أغلبها، الشاعر والكاتب والروائي والقاص وكاتب قصص الأطفال وكتب الرحلات ألكسندر بوشكين، لم يستطع فقط احتمال كل هذا القدر من العذاب النفسي، بل أيضا أن يغيّر وجه تاريخ روسيا للأبد؛ ويكفي القول أنه لولا إنجازات بوشكين اللغوية والأدبية والفكرية لكانت روسيا تتحدث اللغة الفرنسية، بل ولم نكن لنسمع عن الكتاب الفلاسفة الروسيين ذوي الأفكار العميقة مثل: فيودور دوستويفسكي وليو تولستوي؛ فقد كانت أعماله الأدبية منجم للأفكار العميقة التي نهل منها جميع كتاب روسيا العظماء، ولامست وجدان جميع شعوب العالم؛ لأنها سبرت الأعماق النفسية للإنسان. ولتعدد مواهب بوشكين الأدبية، ينعته الجميع بـ»وليام شكسبير» روسيا، إلَّا أن إنجازاته الأدبية والفكرية التي صنعت منه شاعر روسيا الأول ومؤسس الأدب الروسي الحديث، تتخطى ذاك التصنيف. فقد أصبح رمزا أدبيا مقدَّسا، وأعماله يتم تدريسها في المدارس بداية من الصفوف الأولى، وكذلك يتم طرحها كمنهج علمي معتمد لطلَّاب الجامعات، أمَّا في الحياة اليومية، فأضحى اسمه دارجا؛ فكلَّما تحاذق أحدهم، ينظر له آخر قائلا: «أتظن نفسك بوشكين».
والمثير للدهشة، أن ذاك الإنتاج الأدبي الغزير لم يعش صاحبه سوى سبعة وثلاثين عاما فقط؛ فقد مات في مبارزة دبَّرها له القيصر والمقرَّبين له، وزج به في هذا النزال ليدافع عن شرف زوجته. والسبب وراء هذا روحه الثورية التي اشتعلت جذوتها في نفسه النبيلة بداية من الأجداد. فقد ولد بوشكين لأبوين من طبقة النبلاء؛ بيد أن الغريب هو أن بشرته لم تكن بيضاء؛ لكون جده من ناحية والدته كان افريقيا، وبالتحديد من الكاميرون. لكنه وصل إلى روسيا بعد أن تم أسره من الدولة العثمانية، ثم أهداه السلطان العثماني لقيصر روسيا بطرس العظيم (1672-1725) الذي اتَّخذ منه رفيقا وصديقا؛ نظرا لشجاعته، بل أنزله مرتبة النبلاء المقرَّبين من الإمبراطور.
ودون شكّ، عرَّضه أصله وبشرته المغايرة لنوع من التمييز العنصري، لكنه لم يبالِ، وإن أشعل في نفسه نيران البحث عن الحرِّية، ما جعله يكتب قصائد في ذاك السياق، لكنه لم يرغب يوما في تدبير انقلاب ضد القيصر، بل كان راغبا في تصحيح ما يلمسه من أوضاع تسلب حرِّية الشعب الروسي، ولهذا السبب قام الإمبراطور «ألكسندر الأول» بنفيه مرتين؛ واحدة خارج البلاد وأخرى داخلها تحت حراسة مشددة.
في المرة الأولى، قام ألكسندر الأول بنفيه إلى منطقة القوقاز، لكن بوشكين وجد في ذلك فرصة للاستمتاع بطبيعة القوقاز الخلَّابة، والانخراط أكثر في الحياة الأدبية والفكرية لسكان الشرق، وكان لتجربته أثر بالغ على قصصه الشعرية الرومانتيكية التي كتبها إبَّان تلك الحقبة، ومن أهمها «أسير القوقاز» و»نافورة باخشي سراي»، بالإضافة إلى مجموعة وافرة من القصائد التي تنادي بالحرِّية ووجوب نيلها، مما ألهب شهرته في وجدان الشعب الروسي بعد أن اشتعلت في جميع أنحاء البلاد. وبالتأكيد، زاد ذلك من حنق الإمبراطور، الذي أمر بنفيه مرَّة أخرى في ضيعة «ميخائيلوفسكي» النائية، حيثما حدد إقامة بوشكين، ولم يكتف بذلك، بل وضعه تحت رقابة مشددة. لكن ذاك الأمر لم يمثِّل عائقا لذلك الأديب الكبير، فقد اتخذ من ذلك فرصة للتقرُّب من الطبقات الكادحة من الشعب الروسي ومعرفة التفاصيل الدقيقة لحياتهم، وترجم هذا في صوة روايته الشعرية الخالدة «يوجين أونيجن» Eugene Onegin التي يطلق عليها لقب «موسوعة لحياة الشعب الروسي» وبسبب ثرائها الأدبي كثر اقتباسها، وتحوَّلت لأعمال مسرحية وباليه وأوبرا.
عشق بوشكين عزلته، ووجد فيها سبيلا لفتح مداركه الثقافية بالقراءة والاطلاع على آداب الدول الأخرى والتعرُّف على لغاتهم؛ ما أحبط مخططات القيصر لإخراسه، فما كان من القيصر، إلَّا وأن دبَّر لذاك النزال حتى يتخلَّص منه نهائيا ويخرس صوته وأعماله التي تلح على الحرِّية. ومما ساعد بوشكين على الوصول لوجدان الشعب الروسي أنه حرر الأدب من قيود اللغة الروسية الكلاسيكية شديدة التعقيد، صعبة المفردات التي جعلت كتابة وقراءة الإنتاج الأدبي الروسي قاصرة على طبقات شديدة الثَّقافة والاطلاع، فعزف الشعب والنبلاء عنها، ووجدوا في تعلُّم اللغة الفرنسية السبيل للحرِّية من تعقيد وغموض اللغة الأم التي تختلف تماما عن اللغة الدارجة. فما كان من بوشكين، إلَّا أن كتب أعماله الأدبية باللغة الروسية الدارجة، وهي اللغة التي يستخدمها الشعب الروسي حتى الآن.
ولم تكن جميع أشعاره ثورية، بل كان يكتب أشعارا شديدة الرومانسية رقيقة المشاعر، أصبحت سطورها بمثابة إرشادات رومانسية عالمية الاستخدام. فعلى سبيل المثال، هو من نصح الرجال بأن يقللوا من مقدار محبتهم للمرأة الراغبين فيها لإشعال نيران الحب في قلبها، أو كما نقول نحن حاليا: «سيب البنت تحبك، حب البنت تسيبك». مما يؤكِّد أن تجربته الصادقة تصل للعقول والقلوب في آن واحد؛ لرغبته في ملامسة وجدان العامة، ولعل هذا كان أيضا سببا في إيثاره للتعبير عن المواقف والصور المجازية بأقل وأسهل الكلمات. وذاك الإيجاز والبعد عن الإسهاب كان يأخذ منه مجهودا عظيما، فقد عرضت مسودة لأحد أعماله تبيَّن فيها أنه كان يشطب أكثر من ثلثي النص ويعمد التبسيط حتى يخرج العمل الأدبي شديد التكثيف، وهذا أسلوب شديد الحداثة، يتبعه الأدباء حاليا، ما يؤكِّد أن أسلوب بوشكين سابق لعصره. لقد أراد القيصر وأعوانه إخراسه نهائيا بقتله، لكن في اليوم نفسه الذي قُتِل فيه تحوَّل منزله لمزار مقدَّس، وتحوَّل لرمز خالد للصمود والتجديد والقوة النفسية التي لا تنهزم، ولعل السبب في ذلك أنه وجد في وحدته الصحبة الطيِّبة التي جعلته يلتقي مع ذاته.
كاتبة مصرية