قباني: المسلمون والمسيحيون على العهد فلا اقتتال ولا خوف على أحد من أحد

حجم الخط
0

سعد الياس:

بيروت – ‘القدس العربي’ لم يخرج البيان الختامي للقمة الروحية المسيحية ـ الاسلامية التي انعقدت في دار الفتوى امس في بنوده السبعة عن الثوابت المعلنة روحياً وسياسياً، فيما لفت غياب مواضيع أساسية ومحاذرة القادة الروحيين إثارتها وتخصيص فقرات من البيان لمقاربتها لا سيما مثلث الجيش والشعب والمقاومة والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان والوضع السوري.

وما لم يُقل في القمة علناً، سُرّب خطأً من خلال بث اذاعة دار الفتوى مداخلة للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي تضمنت شرحاً وافياً لزيارته الى باريس وكلامه لجهة وضع الفرنسيين والاسرة الدولية امام مسؤولياتهم والطلب من فرنسا دعم وتقوية الجيش اللبناني لنزع مبررات سلاح ‘حزب الله’ اضافة الى مواقفه من سورية ووضع المسيحيين في المنطقة وتخوفه من نشوب حرب اهلية بين السنة والعلويين وانتقالها الى لبنان.

وكان يفترض بحسب التنظيم لهذه القمة ان تنقل كلمة مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني فقط في البداية ومن ثم البيان الختامي. الا انه تمّ بث كلمة الراعي عن طريق الخطأ، عبر الاذاعة التابعة لدار الفتوى. وأعلن الراعي خلال هذه المداخلة أنه وضع الفرنسيين والأسرة الدولية أمام مسؤولياتهم، وتحدث عن حسن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، وأنه طلب من فرنسا تقوية الجيش لنزع مبررات سلاح ‘حزب الله’. وعن الشأن السوري قال: ‘هناك ضرورة لارساء الحريات والديمقراطيات ولكن ككنيسة لا نوالي ولا نعادي أي نظام، ولكننا ضد العنف من أي جهة أتى، فمآسي العراق لا تزال ماثلة أمامنا والديمقراطيات أصبحت حرباً أهلية في العراق وهجّرت المسيحيين’، راجياً ‘الا تقود الحوادث في سورية الى حرب أهلية بين السنة والعلويين وانتقالها الى لبنان لكونه يرتبط عضوياً بسورية’. وأثار تسريب هذا الكلام لغطاً، فيما تدخلت دار الفتوى بطلب من المفتي والبطريرك الراعي للطلب من الصحافيين سحب الكلام من التداول، لكنه كان سُرّب عبر وسائل الاعلام، نقلاً عن الاذاعة التابعة لدار الفتوى. بعد ذلك أوضح مدير الاعلام في دار الفتوى خلدون قواص ما حصل قائلاً ‘ بداية، اذا عمدنا الى توزيع الكلمات، لوجدنا في ما بعد أن لا فائدة من البيان الختامي، أو لما سيصدر عن المجتمعين، خصوصاً ان هناك 17 رئيساً يمثلون الطوائف كافة’. أضاف: ‘الخطأ تقني وغير مقصود، والبطريرك يقول كلامه في العلن وداخل القاعات، ولكل رأيه ومواقفه ولا أحد يحرج أحداً’. وكانت القمة جمعت مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني، البطريرك الماروني مار بشاره بطرس الراعي، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز نعيم حسن، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ أسد عاصي، متروبوليت بيروت للروم الأورثوذكس المطران الياس عودة، بطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، بطريرك السريان الكاثوليك أغناطيوس يوسف الثالث يونان، بطريرك الأرمن الأرثوذكس آرام الأول كيشيشيان، بطريرك الأرمن الكاثوليك نرسيس بدروس التاسع عشر وممثلي الطوائف الارمنية وغيرها.

وقد افتتح القمة مفتي الجمهورية بكلمة جاء فيها ‘نتعاهد اليوم معاً مسلمين ومسيحيين على الأمن والأمان لبعضنا، عهد الأخ لأخيه، وإننا لنعلم يقيناً بأن المسيحيين في لبنان هم دائماً على هذا العهد مع إخوانهم المسلمين في لبنان، وكذلك المسلمون هم على هذا العهد أيضاً مع إخوانهم المسيحيين، فلا اقتتال ولا ضرر ولا إضرار بينهم، وهم بوحدتهم يحافظون على أنفسهم ووطنهم وأرزاقهم ووجودهم ومستقبلهم، ولا خوف على أحد من أحد، لا في لبنان ولا في المنطقة العربية كلها. فنحن اليوم جميعاً على هذا العهد التاريخي بيننا، وعلينا أن نتسارع جميعاً لنؤكد هذا العهد بيننا ومع بعضنا، في لبنان وفي المنطقة العربية كلها، لنحفظ بعضنا وأنفسنا وأوطاننا وأبناءنا، ونبدد الهواجس بيننا’. وجاء في البيان الختامي: أولاً: متانة العيش الوطني والتفاعل التاريخي والحاضر في المنطقة العربية بين المسيحيين والمسلمين استناداً لانتمائهم العربي، هوية وثقافة ولتجربتهم العريقة والغنية وللتحديات المشتركة والمصير الواحد، والتأكيد ان وجود المسيحيين في هذا الشرق هو وجود تاريخي اصيل وان دورهم اساسي وضروري في أوطانهم.

ثانياً: استقرار لبنان الوطن النهائي لجميع ابنائه وعلى ثوابت العيش المشترك ومرجعية وسيادة الدولة والدستور، والتوافق على المصالح الوطنية والقومية الكبرى ضمن القواعد التي ارستها وثيقة الوفاق الوطني اللبناني في الطائف وعلى اساس المشاركة في ادارة الشأن العام واحترام مبدأ المناصفة، ان وحدتنا الداخلية تدعونا الى الوقوف سداً منيعاً في وجه كل المحاولات الخارجية التي تستهدف زعزعتها أو زرع الفتنة في ما بيننا.

ثالثاً: احترام كرامة الانسان وحرياته الاساسية ومن ضمنها الحريات الفردية والدينية والسياسية وحرية التعبير واعتبار التنوع غنى واثراء لانسانية الانسان، واعتبار المواطنة اساساً في تحديد الحقوق والواجبات وفقاً للمبادئ الدستورية والقانونية للشرائع الدولية وفي مقدمتها شرعة حقوق الانسان.

رابعاً: لبنان جزء من العالم العربي هوية وثقافة ومصيراً، وقد كان اللبنانيون رواداً في نشر ثقافة النهوض والاستنارة في هذا الشرق، وعلى مثل العيش المشترك والتنوع والحرية والمواطنة وحكم القانون حاولوا بناء نظامهم السياسي والديمقراطي، والامل اليوم وغداً باق في تعزيز ثقافة المواطنة لدى شباب لبنان ومحبة الوطن ومعرفة تراثه والالتزام برسالته ودوره في العالم العربي وفي العالم.

خامساً: ان الحراك الجاري في البلدان العربية المطالب بالحرية والكرامة والعدالة والديموقراطية يتيح فرصاً يقتضي الاستفادة منها لحماية هذا الحراك، ومنعه من الانزلاق الى ما قد يتجه به اتجاهات تنحرف به عن غاياته الاصيلة، أو تكون سبباً في اثارة الهواجس والمخاوف، والمطلوب من الجميع الحرص على الاصلاح والتطوير والانفتاح ومراعاة الارادة الشعبية، والتمسك بالدولة المدنية القائمة على مفهوم المواطنة، بما يبدد كل الهواجس ووجوه القلق ويعزز الثقة بالعيش الواحد والحرص في الوقت ذاته على أمن المجتمعات والانسجام بين فئاتها وصون المصالح الوطنية والقومية، مع التأكيد على رفض كل انواع التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية، ورفض كل انواع الظلم والعنف والاستبداد.

سادساً: ان لبنان وطن الرسالة والعيش المشترك واحترام الحريات، يبقى ويستمر بوحدة ابنائه ووبإيمانهم به وبرسالته وبتضامنهم في مواجه محاولات اثارة الفتن، وباعتماد الحوار الهادئ والمباشر والصريح، اساس لحل المسائل الخلافية بعيداً عن التخاطب الاتهامي عبر وسائل الاعلام، وبشكل يؤكد التزام اللبنانيين ببناء الدولة ومؤسساتها الدستورية لتكون الضامنة لهم جميعاً.

سابعاً: ان لبنان القوي بوحدته الوطنية وبتضامن أشقائه العرب وباحترام المجتمع الدولي وتضافر اشقائه العرب يلتزم برفض توطين اللاجئين الفلسطينيين شكلاً واساساً، ويتمسك بحقهم في العودة الى ارضهم ووطنهم عملاً بقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 194، ويعتبر ان العمل على تحرير باقي الاراضي اللبنانية والعربية المحتلة وتحرير المقدسات الاسلامية والمسيحية مما تتعرض له من انتهاك واجباً وطنياً وعربياً جامعاً، وبحكم قرارات الشرعية الدولية ويهيب بالأمم المتحدة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

وفي هذا اللقاء الأخوي الذي ساده الود وانتصرت فيه اعتبارات الصراحة والمصالح اللبنانية والعربية والكبرى، اتفق اصحاب الغبطة والسماحة والسيادة على استمرار التشاور في شتى الظروف خصوصاً في هذه الظروف الاستثنائية، وهم يهيبون بمواطنيهم وباخوانهم العرب ان يبقوا على الالتزام بالأسس الأخلاقية الصلبة للقيم الدينية المسيحية والاسلامية، وأن يصونوا عيشهم المشترك والتاريخي في هذه المرحلة الفاصلة والحساسة التي تمر بها مجتمعاتهم العربية ويمر بها العالم المعاصر. وأقام مفتي الجمهورية مأدبة غداء تكريمية في ‘معهد تفهم الإسلام’ في دار الفتوى، على شرف رؤساء الطوائف.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية