«قبر» لمي سكاف… «بي بي سي» وهي تعتذر للكويت… والرزاز لا يستطيع شرب قهوة في مخفر شرطة

على المنصة المتلفزة التابعة لرئاسة وزراء الأردن ظهر رئيس الحكومة الدكتور عمر الرزاز، وهو يزور أقدم كشك لبيع الكتب وسط عمان، معانقا صاحبه الشهير حسن أبو علي صديق السياسيين الكبار منذ نصف قرن.
ليست هذه الزيارة التي ظهرت في تغطية قناة «الجزيرة» هي الهدف من النقاش، بل ذلك الحوار اللطيف، الذي دار في الأثناء بين الرزاز وقائد المخفر المحلي في الحي وسط المدينة.
الضابط يخاطب الرزاز: دولة الرئيس نتمنى عليك تشريفنا بشرب فنجان قهوة في المركز.
الرزاز يجيب: يشرفني ذلك.
لاحقا تظهر الصورة، التي يرفض فيها رئيس الحكومة الجلوس على مقعد قائد المركز، ثم يقابله ويجلس بتواضع لاحتساء القهوة.
هنا حصريا لم يظهر الرزاز أي شغف باستعمال حتى صفته كـ«وزير للدفاع» حتى لا نقول رئيس وزراء مسؤول عن وزير الداخلية المسؤول بدوره دستوريا وقانونيا عن مدير الأمن العام وجماعته.
أحدهم، ويحمل إسما مستعارا…«هبوب الجنوب» لم يعجبه المشهد فاتهم الرزاز بمخالفة الدستور لأن دخول مخفر للشرطة ينبغي أن يتم بالتنسيق مع قائد الأمن العام والقائد الأعلى- يعني الملك مرة واحدة.
أي مواطن يمكنه أن يجلس ويحتسي القهوة عند قائد أي مخفر شرطة في البلاد… أنا شخصيا احتسيت في هذه المواقع نهرا من القهوة والشاي.
طبعا، كلام صاحبنا لا معنى له، لأن الأمن العام ليس من المواقع المحصنة التابعة للملك فقط، مثل الجيش والمخابرات العامة.
كثير من الأردنيين لم يسبق لهم أن شاهدوا رئيسا للوزراء يتواضع إلى مثل هذا الحد فيلبي دعوة شرطي رتبته متوسطة، بدون مواكب وحراسات ومظاهر فشخرة، ثم يجلس في كرسي المراجعين العاديين.

اعتذار «بي بي سي»

الاعتذار عند حصول خطأ ليس جديدا على مؤسسات الإعلام الدولية المحترفة.
لكن لاحظوا الصيغة التي تعتذر فيها محطة من وزن «بي بي سي» من دولة الكويت: «بدا واضحا أن سؤال «مذيعتنا» طرح بصورة خاطئة أو غير واضحة أو ملائمة لمعايير الحياد… وذلك اقتضى الاعتذار».
طبعا المسألة تتعلق بسؤال يستند إلى رأي عراقي يقول إن الكويت كانت قبل عام 1920 جزءا من العراق.
لا نريد هنا استعادة مستودع الذكريات الحزينة، فهذه العبارة تسببت في ألم وشرخ للأمة ولا تزال حتى اللحظة.
عموما، قصتنا مع هذا التقدير المذهل في توضيح مبررات الاعتذار وهو ما لا تفعله محطاتنا العربية مجتمعة، ليس فقط لأن «الاعتذار عيب» في ثقافتنا أصلا، ولكن أيضا لأن الغالبية الساحقة من الشاشات العربية تعمل بعقلية القطعة والإرتجال ولا توجد معايير أصلا.
خطر في ذهني أن أستفسر من الزملاء في محطة «المملكة» الجديدة، حيث قيل لنا إن التدريب الفني والتقني تولاه طاقم من «بي بي سي» لشهرين وكلف الشيء الفلاني… هل تدرب فريقكم على مثل هذا الاعتذار عندما يخطىء زميل؟
على الشاشات العربية لا أحد يعتذر عن أي شيء… لا عن المساس بذوق العامة والأخلاق ولا عن التضليل والدهلزة ولا حتى عن التسبب في حروب وكوارث وصراعات أهلية ولا عن ضرب المدير.
تستوقفني هنا نصيحة وزير إعلام أردني سابق لوزير جديد وهو يمارس الاستلام والتسليم: إنتبه… قد يلخمك «يضربك» مذيع منقول أو غاضب لأي سبب بمنفضة السجائر أو بالطاولة ويشج رأسك في أي وقت.

البحث عن قبر لمي سكاف

ألا توجد في الشام مساحة ولو لقبر واحد تدفن فيه النجمة السورية المحترمة مي سكاف، بدلا من دفنها في ضاحية باريسية؟!
تسأل مذيعة في قناة «المستقبل» الفنان دريد لحام عن الوضع في بلاده فيرفض صيغة السؤال ويزجر الشابة قائلا: قولي سوريا الأسد.
وتبدو المتحدثة بإسم الخارجية الروسية منتفخة كالطاووس وهي تجيب على سؤال لنشرة أخبار «موسكو اليوم» قائلة إن «كامل الحدود الجنوبية» تم تطهيرها.
لكن التطهير على الطريقة الروسية لم يسمح بتوفير قبر صغير تدفن فيه فنانة طالما رفعت علم وسمعة بلادها بأداء جدي وملتزم يعكس روح الشام، التي لم تعد روحا اليوم.
كان يمكن للرئيس «المنتصر» بشار الأسد أن يسجل على الكون نقطة لصالحه ولصالح «استعادة شعبه» بإعلان صغير يسمح فيه بعودة جثمان الممثلة، التي اختلفت معه على المؤامرة نفسها.
مي سكاف، رحلت في صمت وفجأة… لم تحمل سلاحا… ولم تطلق رصاصة، ولم تتآمر على النظام، وكل ما فعلته احترام دموع ودماء أهلها والامتناع عن المشاركة في حفلة الموت، التي أقامها زميلها دريد لحام وبعض أمثاله.
بصراحة، كنت سأشعر بخجل شديد لو كنت سوريا، لأن من دفن مي سكاف هو عمدة باريس.
أشعر بالخجل فعلا لأن أرض العروبة وتلك الموسومة إعلاميا بالمقاومة، لا تستطيع ضم روح فنانة سورية عربية كبيرة!

مدير مكتب «القدس العربي» في عمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية