قبعة كافكا
سعيد بوكراميقبعة كافكاغإلي الصديق عبد الله الرياميفحلمت هذه الليلة أني زرافة تنظر بحيرة وبلاهة من الفوق إلي الأسفل كأنني كنت أترجح ما بين السماء والأرض لا الأرض طلتها ولا السماء طرت إليها..كانت كراسي المقهي بعيدة عني ولا أستطيع الجلوس عليها. كانت لدي أحاسيس آدمية لكن الواقع أني زرافة. والحال علي ما هو عليه اضطررت لشرب القهوة واقفا والانسحاب بسرعة تفاديا لنظرات الناس الجارحة. رأيت الحافلات وهي تغلق الأبواب في وجهي معتذرة أو رافضة رفضا قاطعا. استعطفتهم كي يمنحوني فرصة السفر حتي أني بكيت أمام سائق وقلت له إنه من الضروري سفري اليوم لأن تأخري عن العمل قد يتسبب لي في انقطاع عن العمل وانقطـــاع عن العمل سيتــــــسبب لي في طرد من العمل وأخذت أكرر نفس الكلمات عدة مرات وبنبرة توسل مهينة.عندما استيقظت لازمتني نظرات السائقين الناقمة والمتواطئة لبضع لحظات، ثم أسرعت إلي المحفظة أبحث عن التذكرة، وعندما وجدتها استعدت وعيي وهدوئي. لكن بعد ذلك تملكني هاجس غريب أخذ يسيطر علي تصرفاتي، فقد بدأت أراقب جسدي في المرحاض، في الفراش، وفي الشارع، فلا ينبغي أن يحول حادث الحلم إياه دون وصولي إلي مقر العمل وفي الوقت المحدد، ربما هذا ما جعلني أكره بهوس فكرة المسخ فلعنت مرارا قبعة كافكا التي استولت علي منذ قرأت قصصه المحيرة كنت أشعر أني أرنب في يد ساحر ماهر يظهره ويخفيه ساعة يشاء. هذا الاحساس بالتحوّل اللانهائي دفعني إلي اعتبار الكائنات المحيطة بنا مجرد مسوخ آدمية لهذا فهي تحتاج إلي تفهم وحنو متزايد فقد تنطق ذات يوم وتعود كما كانت. أنا أكره فكرة التناسخ لكني أؤمن بفكرة المسخ.داخل المقهي المقابل للمحطة الداكنة باللون البني وغبار الأرض المتطاير طوال النهار، تذكرت وجوه أفراد الأسرة، فهمت من ملامحهم أني ربما لن أعود أبدا. وتذكرت أخي الذي فرح بمغادرتي للغرفة التي سيستولي عليها بدوره وتمنيت بخشوع أن لا تستولي عليه أرواحها الملعونة.الممشي الوحيد إلي حديقة الأسماك، يحتاج إلي أجنحة برية، وصدفة خارقة، وبكيفية غريزية ستبحر خارج الجسد. بالتأكيد مجرد وهم، عندما أجد نفسي ملتبسة بالغمام، تفركه عنوة، لتشعل النار تحت مؤخرة الآلهة. سأقف عندها هازئا علي قدم واحدة كبهلوان أمام بوابة النخيل وأدراج الصخر الملغوم بالشمس.لم أكن أعرف شيئا عن الصحراء إلا ما علق بالذاكرة من شعر قديم وقصائد الطوارق واستنارات رامبو أو إدمون جابس:الصحراء تخلق أرضاالصحراء رحلتيومتاهتيدائما بين أفقينبين أفق ونداء لأفقهناك تجاوز للحدودالرمال تبرق كالمياهعند العطش العظيم.كنت صفحة بيضاء مكتوبة فقط بذهنية الآخرين. وها هي الرياح اللاهبة تطوح بي وتدفعني في اتجاه أودية النار.ما الذي يجعل صحوة النافذة تنتشر فوق الجير والكتب وجوارب الأمس ورائحة النوم الخميرية.آثار الحشرات المصاصة للدم ترسم فوق البياض علامات هيروغليفية.عارمة اجتياحات النهار ففي كل وقت تنز هذه الانشطارات، حتي الستارة السميكة استسلمت لأثقال الشمس. أترك الآن للغطاء الوردي المرقش بالزهور الخيالية رعاية دوار الصحراء.و أنا تحت الدش أتفحص جسدي المنتشي بدفق الماء البارد، بدأت كتابة قصة أخري.عندما انتهيت أعددت القهوة ورششت أحواض الأغراس. فأخذت تتحرك أغصانها وتشرئب إلي الماء والضوء، أرسلت إليها صوت قعبور الغاضب فاشرأبت لاعنة رياح الجنوب اللاهبة.جيب هواءنركض فيهإلي خريف من الظل.أري فلسفة الأعماق لغير هذا الوقت أري مزبلة الإسمنت لهذا الوقت يا وجهي متي تجد نفسك في متاهة الصمت؟عفوا أيها التراب ليس لي هذيان السيف وجنون الغزاةفقطحب أحمق.أعرف أني أصبحت وحيداقرب الحائط أعرف أني قصبمحنط ينتظر الطوفان.وراء السياج هربت من الرمل كأني رغوة زرقاء قلق أصفركاتب من المغرب0