الحرب بأدوات وماكنة الثقافة أشد خطورة وفاعلية في نتائجها من الحرب العسكرية، وأولوية أهداف إسرائيل اليوم، قبل عمليات التدمير الممنهج التي تمارسها على أملاك ومباني الفلسطينيين في غزة ، تنحصر في تدمير البنية الثقافية للنسيج الاجتماعي، لأنها هي التي حافظت على روح الثورة متوهجة داخل كل فرد فلسطيني، جيلا بعد جيل أمام همجية الاحتلال الإسرائيلي طيلة أكثر من خمسة وسبعين عاما، ولتحقيق هذا الهدف، تتمثل أداتها بالعمل على بث الرسائل الثقافية بكل الوسائط والسبل، لإيصال الفلسطيني إلى الشعور باليأس والإحساس بالعدمية من فعل المقاومة، وأن لا جدوى من البناء والقتال والصمود وتحمّل العذاب، طالما كل شيء سيصبح أثرا بعد عين في لحظة واحدة، وأنه سيبقى وحيدا في المحرقة، دون سند أو نصرة من أخ أو صديق.
سياسة المستحيل
في ظل ذلك المناخ الملبد بغيوم سوداء بعد تفجير برجي التجارة في مدينة نيويورك في 11 سبتمبر/أيلول 2001 أصبح أمرا حتميا تحقيق ما كان يبدو مستحيلا أمام السياسة الغربية في العالمين العربي والإسلامي، وانتجت ماكنة الثقافة السياسية لمؤسسات السلطة في المنظومة الأمريكية والغرب، مفاهيم ومصطلحات فرضتها على العالم، وعلى وجه خاص كان العرب والمسلمون في مقدمة المستهدفين منها، فكان عليهم بعد الصدمة التي اجتاحتهم، أن يصمتوا ويطأطئوا رؤوسهم، إذعانا واستجابة لكل ما يُفرض عليهم من مفاهيم تتعدى في مآلاتها حدود السياسة والاقتصاد، لتطرق أبواب المنظومة الثقافية لمجتمعاتهم بروافدها الدينية والأخلاقية، وإلاّ فإنهم سيُحشرون في زاوية حرجة تجمعهم مع الجماعات الإسلامية المتطرفة، مثل عناصر تنظيم «القاعدة» الذين فجروا برجي التجارة وتسببوا في مقتل مئات المدنيين، ومن هنا بدأ الدرس الغربي يُفرَضُ على العرب والمسلمين بقوة الترهيب.
قبيل أن تستفيق الشعوب من صدمتها بعد ذلك الحدث، استغلت أمريكا أبشع استغلال ما نتج من صدمة عنيفة هزَّت العالم، وهذا الموقف الأمريكي يتفق مع توصلت إليه نعومي كلاين من استنتاجات في كتابها «عقيدة الصدمة» في قراءتها لذلك الحدث عندما أشارت إلى أن عرَّاب النيوليبرالية ميلتون فريدمان، الذي وجد في حدث التفجير فرصة ذهبية لتمرير ما رسمه من خرائط لتطبيق استراتيجية الاقتصاد العالمي الجديد على أرض الواقع، طمعا بالمزيد من المكاسب والأرباح السياسية والاقتصادية، من خلال إزاحة كل الحواجز أمام حركة السوق الحرة، وفي هذا الصدد يقول فريدمان، «وحدها الأزمة، هي التي تُحدِث التغيير الحقيقي، فعند حدوثها تكون الإجراءات المتخذة منوطة بالأفكار السائدة، وهنا تأتي، على حد اعتقادي، وظيفتنا الأساسية في أن نطور بدائل للسياسات الموجودة، وأن نبقيها حية ومتوفرة، إلى حين يصبح المستحيل في السياسة حتمية سياسية». في هذا السياق تركز كلاين على نقطة مركزية في كتابها تدور حولها فلسفة فريدمان، فتقول «كان مقتنعا بضرورة التصرف بسرعة خاطفة عند وقوع أزمة ما، في سبيل فرض تغيير سريع لا رجوع عنه يستبق استيقاظ المجتمع المرهق من الصدمة، ووقوعه مجددا رهينة استبداد الوضع القائم». وهذا ما عبّرت عنه سياسات الأمريكيين والغرب التدميرية في أفغانستان، ومن ثم العراق والمنطقة العربية في مطلع الألفية الثالثة.
بداية الانهيار
بعد أن باتت مفردة الإرهاب لصيقة بكل فرد عربي ومسلم، كان على كل واحد منهم، أن يكون خانعا وطائعا، ويوافق على كل ما يصدر عن السياسة الغربية من مفاهيم وأفكار، سواء كان ملكا أو زعيما أو مواطنا بسيطا، لأن الكل تم حشرهم في سلَّة الإرهاب، لذا بات لزاما عليهم أن يقدموا فروض الطاعة والولاء حتى ترفع عنهم هذه التهمة، ومَن كان له موقف آخر، كان عليه أن يتوقع مواجهة أعاصير وزلازل لا يقوى على تفاديها، بالتالي سيجد نفسه وحيدا، أعزل، دون أصدقاء وحلفاء، فكان حاكم العراق صدام حسين أول من استوجبت معاقبته بشكل مفرط ومهين، طالما لم يذعن لوصايا الأمريكيين والغرب، بغض النظر عن أي ملاحظات قد تثار حول سياساته الداخلية والخارجية، التي قد نتفق مع بعضها، أو نختلف كليا عليها، لأنه عندما قررت أمريكا وحلفاؤها الغربيون إزاحته عن الحكم، لم تكن مثل هذه الملاحظات حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية العمل السياسي واردة في حساباتهم، وإن كانوا يثرثرون بها على ألسنتهم لخداعنا، وهكذا دارت الدائرة على العراق بذريعة التخلص من صدام ونظام البعث، فتحول بين ليلة وضحاها إلى ساحة حرب ثقافية مفتوحة، يتقاتل فيها أبناؤه مع بعضهم، شيعة وسنة وكردا ومسيحيين وتركمانا وصابئة وإيزيدين ومن الشبك.
وبالتوازي مع فصول الاحتراب المجتمعي الثقافي، بدأت عمليات تفكيك الدولة العراقية بتشريعاتها وقوانينها ومؤسساتها العامة، التي انتظمت فيها صور ومسالك الحياة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 فكان الدرس العراقي قاسيا وبليغا في رسالته لبقية الأنظمة والحكام في ما لو فكر أي واحد منهم أن يخرج عن طوع مفاهيم الثقافة الأمريكية النيوليبرالية، فجاء الدور بعد ذلك على القذافي ونظامه، فانتهت ليبيا بالطريقة العراقية نفسها، وتبعتها سوريا ومصر واليمن، بعد أن شهدت هذه البلدان سلسلة احتجاجات شعبية عارمة. ومن غير الممكن استبعاد فرضية وجودَ أياد غربية وراء اشتعالها، رغم توفر مبررات اقتصادية واجتماعية وأمنية محتقنة في صدور شعوبها كانت تنبئ بالثورة في أي لحظة، لكن توقيتها وتنظيمها العالي واستمرارها بذاك الزخم مطلع عام 2011 يعزز وبقوة من فرضية حضور الاطراف الاجنبية خلف انفجارها.
خطاب عنصري
اليوم تبدو الصورة بغاية الوضوح بعد الحرب الدائرة ضد أهل غزة، كاشفة عن مدى قوة الخطاب الثقافي العنصري الإسرائيلي الذي يستهدف العرب والمسلمين نتيجة ما يتلقاه من دعم لا محدود من قبل ساسة الغرب، إذ لم يعد أي مسؤول حكومي أمريكي أو أوروبي يتردد في الدعوة إلى اجتثاث الفلسطينيين من أرضهم وطردهم منها، حتى أن خيرت فيلدرز زعيم حزب «الحرية» الهولندي الفائز في الانتخابات الأخيرة، حرَّض أثناء حملته الانتخابية على تهجير الشعب الفلسطيني إلى الأردن. وتعهّد ضمن برنامج حزبه بفرض حظر على القرآن والمساجد والحجاب، ونصّ البرنامج على عبارة صريحة «إننا نريد مسلمين أقل في هولندا» ووصف المغاربة بـ»الحثالة» كما قارن القرآن بكتاب «كفاحي» لهتلر. مثل هذا الخطاب الثقافي العنصري يأتي في ظل ارتفاع ملحوظ وواسع لأسهم الأحزاب اليمينية التي تجاهر في دعمها لإسرائيل وكراهيتها للفلسطينيين والعرب والمسلمين.
ما تخبئه الأيام المقبلة
لقد لفظ الموقف الرسمي العربي أنفاسه الأخيرة، ما إن بدأت إسرائيل هجومها الوحشي على غزة، مُعبِّرا عن عجزه التام في أن يتقدم ولو بأبسط خطوة لمواجهة إسرائيل والسياسة الغربية الداعمة لها، متخليا بذلك عن شعب فلسطين، تاركا إياه إلى مصير مجهول سيقرره زعماء دولة إسرائيل. أكثر من عشرين عاما مضت على تاريخ 11 سبتمبر 2001 وسقوط بغداد تحت الاحتلال الأمريكي، وخلال هذه الفترة دفعت المنطقة العربية الثمن فادحا، حيث سقطت أنظمة وزعامات وتحولت مدن إلى أنقاض وتشرد الملايين من بيوتهم وأصبحوا في عداد اللاجئين.. لقد ارتد الزمن إلى الخلف بشكل حاد حتى فقد العرب مكانتهم، وما عاد لهم تأثير وفاعلية حتى في إطار الصراع العربي الإسرائيلي، إلى الحد الذي لم تعد لهم القدرة على تفادي أي ارتجاجات مدمرة تقف خلفها إسرائيل، قد تعيشها المنطقة العربية في مقبل الأيام.
رغم بسالة رجال المقاومة الفلسطينية في الحرب التي يخوضونها على أرض غزة ضد جيش الاحتلال الاسرائيلي منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر ورغم الصمود العظيم والتضحيات الجسيمة التي قدمها الغزاويين، إلاّ أن معطيات المواقف السياسية للأطراف الدولية والعربية، كلها تشير إلى أن القضية الفلسطينية من بعد أن تتوقف الحرب، ستدخل في مرحلة تاريخية لا تدفع إلى الشعور بالاطمئنان، طالما أن الدول العربية المعنية بالصراع أثبتت هشاشة موقفها أمام الإرادة الغربية الداعمة لإسرائيل وتنصلها عن دعم الشعب الفلسطيني، خشية أن تتهم بدعم الإرهاب والإرهابيين حسب مفاهيم الغرب.
كاتب عراقي