قبل ان يغادرنا التاريخ للفريق الركن رعد الحمداني (2)
اعتراض علي خطة الدفاع عن بغداد وقصي امر بتعديلها رغم معارضة قائد الحرس الجمهوريصدام طلب منا التعاون مع المفتشين.. أراد تأكيد نظافة العراق من اسلحة الدمار وتعهد بالقتال قبل ان يغادرنا التاريخ للفريق الركن رعد الحمداني (2)اعداد وتلخيص: هارون محمد كثيرة هي الافتراءات التي الصقت بالجيش العراقي لتشويه صورته وسمعته وتاريخه، من قوي دولية واقليمية، وأطراف حزبية وسياسية محلية، هدفها طعن هذه المؤسسة الوطنية والقومية، والاساءة الي رجالاتها وقادتها وضباطها ومراتبها وجنودها الذين قدموا التضحيات عبر مسيرة استمرت أكثر من ثمانين سنة، حفلت بالامجاد والانتصارات، وتخللتها ايضا اخفاقات وانتكاسات، حالها حال جيوش الدول والامم قديما وحديثا. ورغم ان دعاوي الاحتلال في حل الجيش العراقي قد تهاوت الواحدة تلو الاخري، وسقطت الذرائع المتهافتة التي ساقها برايمر في تبرير قرار الحل المستند الي مخطط جمع بين مشتركات امريكية وصهيونية وايرانية، لتفريغ العراق من قوته التي كانت تشكل ركنا أساسيا في التوازن الاستراتيجي في المنطقة، الا ان الغزاة والمتعاونين معهم من محليين وغرباء، ما زالوا يرفضون بعناد اعادة الجيش الذي حلوه مع ان الظروف السائدة في العراق تستدعي اعادته لينهض بمهمته الوطنية والقومية في حفظ الامن والدفاع عن البلاد التي تواجه تدخلات خارجية وتحديات داخلية ترمي الي تفتيت العراق وتقسيمه الي أقاليم وفيدراليات ومشيخات هزيلة.وقد سعي المحتلون وعملاؤهم ضمن أكاذيبهم عن الجيش العراقي، الي ترويج ادعاءات باطلة تمس صموده وتضحياته في الحرب الامريكية الاخيرة علي العراق في آذار (مارس) 2003 ، الامر الذي دعانا الي نشر فصول من كتاب صدر مؤخرا لقائد عسكري عراقي يتناول فيه جانبا من أحداث تلك الحرب العدوانية، ويقدم أحداثا ووقائع كان طرفا فيها او معايشا لها باعتباره قائدا لفيلق الفتح المبين/ حرس جمهوري، ويعرض ايضا الظروف والملابسات التي تحكمت بالجيش العراقي وهو يواجه أعظم قوة عسكرية في العالم، علي صعيد الاستعدادات واختلال القوي والمواجهات والتضحيات.وكتاب (قبل ان يغادرنا التاريخ) هو أول شهادة لقائد عسكري عراقي تنشر عن الحرب الاخيرة التي هيأت للاحتلال، حرص مؤلفه الفريق رعد الحمداني علي ان يكون موضوعيا قدر الامكان، فهو ينتقد الكثير من القرارات التي اتخذتها القيادة العراقية قبل الحرب وخلالها، ويؤشر نقاط الخطأ فيها من وجهة نظره، ويبين التداخل الذي حصل بين السياسي والعسكري في سياقات التحضير للمعركة واصدار الاوامر ورسم الخطط وتعيين القيادات، وسواء كانت آراء الفريق الحمداني صحيحة او خلافها، الا انها تبقي في المحصلة النهائية اجتهاد قائد ميداني وضابط محترف، قد لا يوافقه عليها رفاقه وزملاؤه وقد سمعت شخصيا من عدد منهم وانا اجهز هذه الفصول للنشر، انتقادات له من بعضهم، رغم ان اغلب هذه الانتقادات انحصرت في ان المرحلة الراهنة والعراق تحت الاحتلال غير مناسبة لفتح ملفات حساسة، ومن الافضل ارجاء ذلك الي وقت لاحق عندما يتحرر العراق ويزول الاحتلال عندها تطرح جميع الملفات للبحث والتقييم بلا استثناء.وعموما فان ما دفعنا لنشر فصول من الكتاب في المقام الاول هو ابراز مسألة في غاية الاهمية، تتمثل في ان القوات المسلحة العراقية قاتلت الغزاة في الحرب الاخيرة ببسالة وقدمت تضحيات كبيرة وكثيرة، علي عكس ما أشاعه المحتلون وعملاؤهم، رغم ضعف التسليح وقلة الامكانات الفنية والتقنية، نتيجة الحصار الجائر الذي عاش تحت وطأته العراق ومؤسساته الوطنية وفي مقدمتها الجيش والقوات المسلحة ثلاثة عشر عاما، عاني العراق خلالها اوضاعا خطيرة علي جميع الصعد والميادين، هذه الحقيقة يجب ان تكون ماثلة لمن يريد ان يناقش حرب 2003 ونتائجها الوخيمة وآثارها الكارثية. نقاط الضعف في التخطيط الاستراتيجي والقدرة العسكرية العراقية يمكن اجمال اهم نقاط الضعف في التخطيط الاستراتيجي والقدرة العسكرية العراقية بما يلي: عدم احكام النهايات السائبة في جوهر التخطيط العام للحرب الدفاعية، وإبقاء العديد من النقاط الجدلية التي تثير التكهن والتقدير غير السليم سائبة، لشدة التدخل المباشر للقيادة السياسية في الموضوعات الاستراتيجية العسكرية ولكثرة انشغال القائد العام (الرئيس) في موضوع إدارة الأزمة السياسية الي وقت قريب جدا من اندلاع الحرب. عزل القيادة العسكرية العليا الممثلة في وزارة الدفاع ورئاسة أركان الجيش عن دورها في إدارة الحرب مع المقرات الميدانية (الفيالق والفرق) لتنسيب قيادات سياسية للمناطق الأربع الرئيسية التي قسمت العراق بموجبها لأغراض القيادة والسيطرة. فرض آلية العمل السياسي علي العمل العسكري في مرحلتي التخطيط وإدارة الحرب مع بقاء هامش كبير في المسؤوليات غير المحددة مما أدي الي تداخل وضياع المسؤولية المباشرة في المواقف الحرجة فيما بعد. الخليط غير المتجانس من القوات المتوفرة للدفاع في القواطع الدفاعية المختلفة وضعف التفاهم والتنسيق فيما بينها مع ضياع القدرة علي تحديد المسؤوليات الميدانية حيث حرص القائد العام (الرئيس) علي الفصل ما بين قيادات هذه القوات المختلفة من ناحية التخطيط وإدارة المعارك الي حين نشوب الحرب لأسباب مبهمة. تحكم المؤسسة الأمنية الرئيسية وتسويغ أية رغبات من وجهة نظر خاصة بها كتأثير حق النقض (الفيتو) علي أي قرار مما خلق ثغرات خطيرة في التخطيط والممارسات علي الخطط الدفاعية كخطة الدفاع عن المطار الدولي في بغداد وبعض المواقع الاستراتيجية الخاصة. يضاف الي ذلك تقادم الزمن علي جميع الاسلحة الرئيسية والمعدات الحربية وانتهاء معظم اعمارها واستهلاكها في الحروب السابقة كالحرب مع ايران التي دامت ثماني سنين متواصلة، اضافة الي تفاقم البيروقراطية العسكرية العراقية الي درجه (التورم) مع تقليص مستمر وحاد في الصلاحيات لاغراض أمنية لتحجيم الشخصيات القيادية واضعاف أثرها المعنوي علي المرؤوسين، وتفشي الفساد الاداري كالرشوة وخاصة في السنوات الاخيرة قبل الحرب لتدني مستويات المعيشة للضباط والمتطوعين وظهور اشباه (المافيا) واخطرها ذات العلاقة بالقوي البشرية وهيئات ودوائر التصنيع العسكري وبعض الشخصيات المقربة من الرئيس، والتدني الخطير في مستويات التدريب كبرامج وقواعد مادية وتحديدات صرف الاموال والاعتدة وتقنين المشاريع التدريبية كثيرا حتي اعتمد اخيرا علي المشاريع التدريبية بدون استخدام القطعات (المقرات فقط) والتنافس غير الشريف لبعض المستويات القيادية للتقرب من رأس القيادة علي حساب حقائق الامور وتعميق اوهام القوة في فكر الرئيـــس والقائد العام للقوات المسلحة.الجهود الشخصية في تطويرمفاهيم وأساليب القتالبعد ان تأكد لي في حرب عام 1991 صحة ما طرحته علي القيادة العليا بضرورة اعادة النظر في مفاهيم القتال واخذ حقائق التفوق النوعي والتقني للقوات المسلحة الامريكية في الاعتبار والتخلي عن ظواهر المكابرة الفارغة والبعيدة عن الواقع، فقد حاولت ان تكون رسالتي لنيل أعلي شهادة عسكرية معادلة للدكتوراه حول هذا الموضوع بعدما اجريت دراسة تحليلية وواقعية عن فارق القدرات الفكرية والمادية المعنوية واسلوب وطبيعة تلك الحروب وما ينبغي تطويره وتعديله، لان الصراع السياسي مستمر ولا بد ان ينتهي الي حلول عسكرية لان الازمة السياسية المستحكمة ليس لها غير حل واحد الا وهو استخدام القوة علي ضوء الاصرار الامريكي المدفوع بقدرة الصهيونية علي صناع القرار الامريكي بالنسبة للموضوع العراقي والقضية الفلسطينية.بعد ان رفضت رئاسة اركان الجيش ذلك الموضوع بحجة ان الوقت مبكر جدا في بحث نتائج تلك الحرب واجباري علي تغيير الموضوع لنيل تلك الشهادة، وحال نقلي من منصب قائد الفرقة المدرعة السادسة الي منصب قائد فرقة المدينة المنورة ح ج في عام 1993 قدمت ملخصا بتلك الدراسة الي نجل الرئيس العراقي قصي صدام حسين المشرف علي قوات ح ج فاعطاني الضوء الاخضر في التثقيف علي نتائج تلك الدراسة )الدروس المستنبطة من تلك الحرب( وما ينبغي الخروج به لتقليل فارق التفوق الجوي والتقني للعدو الامريكي وبالرغم من معارضة قيادة ح ج لطروحاتي الا اني مضيت قدما في هذا الموضوع.ان ملخص المفاهيم والاساليب التي دعوت الي اعتمادها هي:أولا: نبذ المفاهيم القديمة في اعتماد نظام الكتلة في ادارة المعارك واعتماد مفهوم الاستخدام الجزئي للقوة بشكل متتابع لتجنب تدمير قواتنا بعد كشفها بالقوة الجوية المعادية، هذا المفهوم هو مشابه لعقيدة واساليب عمل حرب العصابات ولكن ينفذ بقوات نظامية.ثانيا: ينبغي التعويل في المعارك المستقبلية مع القوات الامريكية والمتحالفة معها، علي القوات الخاصة والمشاة اكثر من التعويل علي القطعات المدرعة.ثالثا: الحاجة الي تخويل الصلاحيات الي اقصي ما يمكن، لان القيادة والسيطرة ستكون صعبة للغاية لضرورات الانفتاح الواسع لتجنب الضربات الجوية والصاروخية.رابعا: نبذ مفهوم ادارة المعارك علي قوات العمق والاحتياطات لاستحالة أو تعذر حركتها لمسافات كبيرة وللعدو سيادة جوية علي ساحة الحرب.خامسا: ادارة المعارك علي مستوي الوحدات الصغيرة )سرايا وافواج( وباشراف عام للمستويات الاعلي من خلال الوصايا والاستخدام الجزئي والمتدرج للقطعات (حضيرة ـ فصيل ـ سرية) كاكبر حجم قتالي، وكذلك وحدات الاسناد بحيث يكون فصيل المدفعية اكبر وحدة مدفعية تستخدم في القتال، أما في اسلحة الدفاع الجوي فيعتمد علي الكمائن فقط.سادسا: لتفادي حرماننا من الوسائط الاستراتيجية والتقنية ومنها الاستطلاع الجوي بأنواعه لجمع المعلومات، يركز علي الجهد الميداني لاغراض الاستطلاع والاستخبارات.سابعا: يؤسس كل لواء في قاطع مسؤوليته منطقة لجمع المعلومات، ومنطقة للتعويق المبكر وقبول العزل، ومنطقة الدفاع الرئيسية علي شكل قواعد امنية في حافات المدن والبساتين والمناطق المستورة لتنطلق منها دوريات القتال ومناوشة العدو بالنيران واستمرار ازعاجه والتأثير علي خطوط امداده.ثامنا: اعطاء اكبر حرية عمل متاحة للآمرين الصغار وآمري التشكيلات في ادارة معاركهم وتحمل مسؤولية اخفاقاتهم إن حدثت.تاسعا: اعتماد الكر والفر والاختفاء وسرعة الظهور وتصويب النار علي العدو دون الحاجة للتعديلات الكثيرة وجمع المعلومات وتمريرها للخلف، والاكتفاء الذاتي للمتطلبات الادارية ومواد تموين القتال هي اساسيات هذا المفهوم واسلوبه.لقد استثمرت جميع الفرص المتاحة لي لتدريب القوات المسؤول عنها علي هذه الاساليب منذ عام 1993 وبكل مستويات واشكال التدريب، وفي نهاية عام 1994 تمكنت من التخطيط وتنفيذ مشروع تدريبي بمستوي فرقة مدرعة زائد القوات الخاصة )فرقتي المدينة المنورة ولوائي قوات خاصة( وفي السنوات الثلاث قبل الحرب أوصلت وحدات الفيلق الي قناعة بالاساليب القتالية التي عممتها عليهم وأجادوا معظمها في الصنوف المقاتلة من قوات خاصة ومشاة ودروع والساندة كالمدفعية والدفاع الجوي، وكنت أحاول تطوير المستويات القيادية الدنيا الي مستوي من الامكانية علي ادارة معارك تعبوية صغيرة لمدد طويلة دون الحاجة بالرجوع الي المستوي الاعلي في القيادة، وصقل شخصياتهم القيادية بالحصول علي الثقة الكافية لادارة تلك المعارك، وهذا المشروع ينطوي علي العكس تماما لما فرضتة المدرسة العسكرية الامنية الجديدة منذ الحرب الماضية، ومنها سحب الصلاحيات لتحجيم الشخصيات القيادية لاغراض أمنية وسلب شخصياتهم وترهيبها وهذا الاسلوب الذي اعتمدته القيادة سبب لي بعض المشاكل مع المقر العام للحرس الجمهوري وكانت لي مبررات قوية في الدفاع عنه مع السعي الدؤوب الي تخفيض الحمايات الخاصة للمناصب القيادية العليا، وبدأت بنفسي عندما منعت أية مرافقة لي من الحماية في كل تنقلاتي الي الفرق والوحدات في السلم والحرب، وتقليص الحلقات الواسعة للتقرب من المرؤوسين، وإشعارهم بإسناد آمريهم الاعلي منهم وتحمل مسؤولية أخطائهم واستبدال خوفهم منهم بالثقة العالية بهم وزيادة احترامهم، فاذا تحقق ذلك نضمن ادارة المعارك بأفضــــل أداء وبأطول مدة ممكنة. خطة الدفاع عن بغداد لقد كثر الحديث الشعبي والاعلامي عن اسباب سقوط بغداد وعن ماهية تلك الخطة المعدة للدفاع عن العاصمة، ورافقت ذلك اشاعات عن خيانات لعدد من كبار قادة الجيش والحرس الجمهوري ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في ذلك السقوط المدوي للعاصمة العراقية الذي ظن العراقيون والامريكان علي حد سواء ان اشرس واطول المعارك للحرب علي العراق ستجري فيها، خصوصا وان الرئيس صدام حسين كان قد صرح في خطاب رسمي بان الامريكان (مغول العصر) سينتحرون علي أسوارها دلالة علي حصانة وكفاءة الدفاع العراقي عن بغداد.. فما حقيقة ذلك ؟ اذن فلنبدأ بخطة الدفاع عن بغداد وانا احد المعنيين فيها كقائد فيلق حرس جمهوري..كانت هناك خطط علي امتداد السنين بعد عام 1991 الخاصة في الدفاع عن بغداد اساسها الخطط الامنية التي يشترك في تنفيذها الحرس الجمهوري الخاص وفرقة او اكثر من قوات (ح ج) وجهاز الامن الخاص وبعض الاجهزة الامنية الاخري، وهناك خطط أخري للدفاع عنها تجاه عمليات المحمولين جوا، التي من المحتمل ان تشنها القوات الامريكية والبريطانية والاسرائيلية، وكان اخطر التهديدات المحتملة هي العمليات التآمرية من الداخل والاعمال المهددة للامن الداخلي من بعض الاوساط الشعبية المحيطة بالعاصمة، وكانت تلك الخطط سرية للغاية، وكانت هناك غرفة عمليات خاصة )غرفة عمليات بغداد( تدير تلك العمليات في حالة حدوثها وعندما كنت قائدا لفرقة المدينة المنورة ح ج كنت مسؤولا عن تنفيذ جزء من تلك الخطط بما يخص الجانب الشرقي من بغداد. ولما تعاظمت التطورات السياسية المنذرة بالحرب علي العراق بعد احداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001 كانت هناك مناقشات غير محسومة حول اساسيات الدفاع عن بغداد وكانت احدي فرق فيلقي زائد لواء القوات الخاصة (فرقة النداء حرس جمهوري واللواء الثالث قوات خاصة حرس جمهوري( مشاركة في الاساس في خطة الدفاع عن العاصمة وبحكم الضرورات الامنية فانا غير معني بتلك الخطة ولم اسأل يوما قائد الفرقة او آمر لواء ق خ أي شيء عن ذلك. وهكذا هي طبيعة الامور في قوات الحرس الجمهوري، حيث يمنع علينا الزيارات المتبادلة خارج الواجبات الرسمية او الاتصال بمقرات الجيش والقادة الاخرين فتلك من المحرمات، كذلك الاستفسار عن خطط خارج مسؤولياتنا… مناقشة ساخنة لخطة الدفاع عن بغدادفي الثامن عشر من كانون الاول (ديسمبر) 2002 حضرت مع قادة فرق )النداء ـ حمورابي ـ المدينة المنورة) وآمري مدفعية ودفاع جوي وآمر الحرس الجمهوري الخاص ومدير الاركان العامة وضابط الركن الشخصي لرئيس الاركان مؤتمرا لا نعرف جدول اعماله في رئاسة اركان الحرس الجمهوري في المقر العام غربي بغداد، وبعد تكاملنا حضر رئيس اركان قوات ح ج )الفريق اول سيف الدوري( يحمل خريطة مؤشر عليها خطة دعيت )خطة الدفاع عن بغداد( وبعدما علقها ضابط الركن المختص وقف رئيس الاركان قرب الخريطة ليشرح لنا تلك الخطة وهي عبارة عن اربع دوائر ذات الوان مختلفة تحيط ببغداد وتشير كل دائرة الي خط دفاعي دائري تشترك فيه الفرق الثلاث المدرعة بالتساوي وحسب مواقع انفتاحها، فرقة النداء من الشرق، فرقة المدينة المنورة من الجنوب والجنوب الغربي، فرقة حمورابي من الشمال والشمال الغربي، وكانت فحوي تلك الخطة انه كلما حقق العدو تماسه بقواتنا في أي من تلك الدوائر وبعد قتال معين يصدر الايعاز لتلك الفرق بالانسحاب في قتال تراجعي الي الدائرة الاخري نحو العمق لحين قبول القتال النهائي داخل محيط العاصمة، وكان نصف القطر في تلك الدفاعات الخطية الدائرية ولجميع الاتجاهات يبلغ 50كم – 60كم عدا خط المراصد ودوريات الاستطلاع وهي تخرج امام تلك الخطوط الدفاعية، وهكذا وبكل بساطة وخلال سبع دقائق عرضت علينا خطة الدفاع عن بغداد وحين استأذنت لغرض النقاش امتعض رئيس الاركان، وقال ان هذه الخطة مصادق عليها من قبل المقر الاعلي وعليكم التهيؤ لتنفيذها. وفي هذه اللحظة اتصل به سكرتير المشرف علي قوات الحرس الجمهوري قصي صدام، واسمه (العميد الركن عبد السلام ياسين( طالبا حضورنا جميعا مع الخطة الي الطابق الارضي لعرضها امام السيد المشرف نجل الرئيس.وعقب تكاملنا هناك في غرفة الاجتماعات وبعد ان اكمل رئيس الاركان الفريق الاول الدوري عرضه للمرة الثانية التفت الينا قصي صدام حسين قائلا: ابذلوا اقصي الجهود في تهيئة مستلزمات تنفيذ هذه الخطة. وهنا طلبت منه السماح لي بالاعتراض علي هذه الخطة جملة وتفصيلا، ورغم استغراب المشرف وامتعاض رئيس الاركان وقفت بجانب الخريطة مركزا علي أمرين الاول: ان الخطة ساذجة جدا وسطحية وغير عملية اطلاقا، والامر الثاني: ان سياق التخطيط لعمليات كبيرة يجب ان يأخذ سياقه الصحيح وفق مراحل عديدة تتلاشي فيه الاخطاء بسلسلة طويلة من النقاشات والدراسات ورجوت المشرف ان يعطي المجال الكافي لاعداد خطة بديلة وفق السياقات الصحيحة وان يساهم فيها كل المعنيين دون التمسك بوجهات نظر تطرح مبكرا، وكنت آمل ان يوافقني قصي صدام حسين ويترك المجال للمختصين باعادة بناء هذه الخطة بشكل اكثر واقعية، الا انه قام ووقف الي جانبي ووقف الجميع من حولنا واستعجل الرأي برأي توفيقي اكثر مما هو واقعي، ولاحترامي الشديد له لم ارغب في احراجه لاي سبب كان، لان الموضوع اكبر من ذلك، عندها احسست بان واضع الخطة هو رئيس الاركان ناسبا أفكارها للرئيس صدام حسين والي نجله قصي، اذن هذا الاعتراض يمس أدبيا هذا القائد السياسي الشاب الذي له اكثر من دالة عليّ حين انقذني من حكم بالسجن لمدة طويلة عندما اعترضت علي خطة الدفاع عن الكويت نهاية عام 1990 واسند كثيرا من آرائي التي كان يعتبرها اقراني كرئيس الاركان السابق والحالي منافسة مباشرة لهما وغير مباشرة، وانا اشهد الله ما قصدت في ذلك الا المصلحة العامة وكاستحقاقات لشرف المهنة وضروراتها الاخلاقية، مع احترامي الكبير لهما لفارق الرتبة والمنصب بالرغم من اننا من دورة واحدة في الكلية العسكرية وفي كلية الاركان، وعموما فقد انفض هذا الاجتماع سريعا وكل في حلقه غصة.أصررت علي لقاء قصي الذي قطع عطلته مع اسرته وجاء للقائي في صباح اليوم التالي وكان يوم خميس استدعاني رئيس اركان قوات الحرس الجمهوري الفريق سيف لمناقشة موضوع معين وقد خمنت ذلك الموضوع مسبقا لمعرفتي بطباع صاحبي، وكان خلاصة ما قاله: ان السيد قصي المشرف علي الحرس قد اخبره بانه لم يفهم أي شيء مما طرحته امس وهو يشك في قواي الذهنية، او انني أعاني من علة ما، أو من مشاكل عائلية او غير ذلك، فرفضت هذه الاهانة مهما كان مصدرها، ونزلت غاضبا الي مكتب سكرتير المشرف واصررت علي مواجهة قصي صدام حسين وان كان هذا اليوم عطلة له. وبعد اكثر من ساعة ونصف حضر الرجل وكان يرتدي معطفا اسود سميكا لشدة البرد في ذلك اليوم، وبعد استقباله لي باحترام علي عادته وبالرغم من محاولته الكلام في موضوع قديم ومكرر حول نمطي في القيادة والذي يختلف عن النمط السائد عندنا في القوات المسلحة العراقية الا اني رجوته ان يتكلم عن موضوعنا الذي تكلف هو شخصيا (مشكورا) بترك عائلته في هذا اليوم ليلتقي بي بعدما وضعت رتبتي بعد نزعها من كتفي علي المنضدة التي امامي، فاثارته هذه الحركة كثيرا وسحب نفسا عميقا من سيجاره الطويل ثم قال: مقامك محفوظ..ارتد رتبتك، فارتديتها بصعوبة لشدة حالتي العصبية، فما كنت احسب يوما ان رجالا مثل رئيس اركان الحرس الجمهوري بهذه المسؤولية الكبيرة وفي هذه المواقف العصيبة تحركهم دوافع شخصية بحتة.وكانت خلاصة ما طرحته علي السيد المشرف قصي صدام حسين، خطورة الموضوع الذي جري عليه الاختلاف بالرأي، وضرورة مناقشة مثل هكذا مواضيع كبيرة بطريقة لا تحددها العواطف، وقلت انا هنا مستعد لقبول اعفائي من منصبي وسحب رتبتي، الا اني لا أتنازل عن حقي كجندي اري المخاطر تحيق ببلدي فاوافق أي رأي يطرح لاغراض المجاملة. كذلك ركزت علي أهمية بناء هذه الخطة وفق السياقات الاكاديمية الصحيحة لبناء الخطط في المستويات العليا، ثم شرحت له باسهاب مراحل هذا السياق واوضحت بكل صراحة واخلاص الحدود الفاصلة ما بين المستوي السياسي والمستويات المهنية العسكرية بشكل خاص وادارة الحرب بشكل عام، وكي لا يتحمل القادة السياسيون اخطاء القادة العسكريين ينبغي تمسكهم بتلك الحدود الفاصلة بينهما.وشرحت له وجهة نظري بان من الخطأ الجسيم ان نقبل القتال في بغداد ونحددها كهدف رئيسي ونهائي ضمن سلسلة اهداف لعدو قادر ان يحيلها الي ركام محروق، انما الصحيح ان يكون الدفاع عن العاصمة بعيدا عنها وليس فيها، وانه ليس من الحكمة ان تكون بغداد مقرا للقيادة السياسية والمركزية بل نجعل العراق كله اهدافاً متساوية وليس هناك مكان محدد للقيادة، وان نعتمد حربا مشابهة لحرب العصابات كما هو حال تدريبنا في فيلقي خلال السنوات الاخيرة، فما دام التفوق الجوي الساحق لصالح العدو فليس لنا القدرة علي المناورة بالاحتياط او القتال بكتل الدروع وغيرها، كذلك ان ثقافة ضباطنا وجنودنا المحدودة لا تؤهلهم لفهم المواقف القتالية الصعبة تحت رحمة القصف الجوي الرهيب، فاي حركة من هذا القبيل تشعرهم بالاخطار المحدقة فتنهار معنوياتهم علاوة علي ان مواطنينا سوف لا يقبلون القتال في مدنهم وبين بيوتهم لاسباب عديدة، وسوف يساهمون في اقناع الجنود بترك مواقعهم خوفا علي عوائلهم ومنازلهم من التدمير، وأخيرا اقترحت أن نعتمد مبدأ المدينة المفتوحة للمدن الرئيسية.لقد أصغي المشرف اليّ جيدا، وفهم مقاصدي فيما طرحت وخاصة في جوهر بناء الخطط بالتحليل الدقيق للتهديدات المعادية، وتحليل المسالك والمحاور التقربية للعدو، واسلوب مواجهة كل احتمال حسب نسبة تحقيقه في الميدان. ووعدني باعادة المؤتمر مساء يوم السبت القادم وترك الموضوع كاملا له. قصي يدعو الي اعادة النظربخطة الدفاع عن بغدادلقد صدق السيد المشرف قصي صدام حسين في وعده، واجتمعنا مساء السبت الموافق الحادي والعشرين من كانون الاول (ديسمبر) 2002 وكنت الوحيد بين الحضور أعرف ما سيجري في هذا اللقاء. وبعد عرض دقيق للمشرف أوضح للحضور ضرورة اعادة النظر بالخطة السابقة واعتماد السياق الصحيح وركز علي جوهر الدفاع عن بغداد وان يكون بمسافات كبيرة عنها ووفق محاور الاقتراب الرئيسية والثانوية للعدو اقتصادا بالجهد والامكانيات، وكان رئيس الاركان الفريق الاول الدوري والعزة بالنفس تأخذه يحاول افراغ ما طرحه المشرف بعبارتين متكررتين كل حين (لكن توجيه السيد الرئيس القائد لا يتفق مع هذا) و(هذا ما قصدناه في خطتنا) وبعد حوار قصير مع الحضور التفت المشرف نحوي قائلا: هل لديك شيء توضحه؟ فاجبته بان لقاءنا هذا سيكون مباركا عندما نعود عن الخطأ الي الصواب، وان مسؤوليتنا تجاه الوطن والشعب اكبر مما تأخذنا العزة بالخطأ او بالنفس راجيا من السيد رئيس الاركان ان لا يأخذ هذا الامر كموضوع شخصي ونحن نكن له كل احترام وتقدير والعودة عن الخطأ فضيلة، ورجوت ايضا تشكيل فريق تخطيط من المؤهلين جيدا لخطة الدفاع عن مركز العراق وفق السياقات الصحيحة.وهكذا انفض هذا الاجتماع علي أمل ان يكون هناك جدول عملي نشارك فيه بالتخطيط بعدما طلبت من السيد قصي توجيهاً من القيادة السياسية تطلب فيه الاعداد للدفاع عن مركز العراق مع تحديد الهدف السياسي من ذلك ليكون هذا التوجيه بداية عمل سياق التخطيط والدراسات التفصيلية ثم ينتهي بعد عرض نتائج العمل علي القائد العام للقوات المسلحة الرئيس صدام حسين للخروج بوثيقة قرار تعد الخطة المفصلة علي ضوئه.لكن هذا لم يحصل مع الاسف، انما ازدادت حساسية الفريق الاول سيف تجاهي وكان المأمول منه غير ذلك لما يتمتع به من ذكاء حاد وخبرة كبيرة.سكرتير صدام يبلغنا بأن الرئيسمتعب قبل الاجتماع به في الثلاثين من كانون الاول (ديسمبر) 2002 دعينا الي لقاء الرئيس صدام حسين في قصر الرضوانية غربي بغداد المجاور للمطار الدولي، وفوجئت ان اللقاء تم في قاعة كبيرة ملحقة بالقصر وشاهدت الكثيرمن ضباط الحرس الجمهوري وقد تجاوزعددهم الثلاثين من كبار الضباط منهم بمناصب ادارية وفنية، كنت أعتقد ان سبب هذا الاجتماع مناقشة خطة الدفاع عن بغداد، ولكن بما ان مستوي الحضور بهذا الاتساع فقد أدركت ان اللقاء سيكون عاديا. وقبيل وصول الرئيس القاعة استدعي السيدان المشرف قصي صدام حسين ورئيس اركان (ح ج) الفريق الاول سيف الدوري للاجتماع مع الرئيس في غرفة جانبية لمدة عشر دقائق تقريبا، بعدها دخل علينا الرئيس مبتسما ومرحبا بنا، وما ان استوي علي مقعده حتي قا ل: (كيف حالكم يا شباب.. لقد اطلعت علي خطتكم فعلي بركة الله) ثم طلب من الحاضرين ان يتكلموا فتقاطر علي منصة الخطابة عدد منا تقدمهم رئيس الاركان وألقي خطابا حول الولاء والاخلاص والاستعداد للقتال، وكان ذلك وفق توجيه سكرتير الرئيس عبد حمود الذي وقف امامنا عندما تكامل عددنا في القاعة قائلا: (اخوان السيد الرئيس متعب ومرهق بالموقف العام، لا تذكروا أية مشاكل، ركزوا علي الجانب المعنوي). اثر ذلك قررت ان لا اتكلم وعندما اكمل عدد من الحضور خطاباتهم الحماسية، شكرهم الرئيس علي مشاعرهم، ثم اسهب في الكلام عن الموقف العام للازمة مع امريكا واكد ان العراق خال تماما من أي سلاح محظور وطلب منا فتح معسكراتنا وثكناتنا للمفتشين، وكان يأمل في السابع والعشرين من الشهرالمقبل (كانون الثاني/يناير) ان يقدم المفتشون الدوليون تقريرا ايجابيا يحول دون اندلاع الحرب واذكر انه قال: اننا لا نريد هذه الحرب ولكن اذا فرضت علينا، فاننا سنركع امريكا وندمر جيوشها علي حافة الصحراء باذن الله، مضيفا بان القوي الشريرة العظمي تخذل امام قوة الحق وان كانت صغيرة، فلو ان امريكا انهارت امام الاتحاد السوفييتي السابق لقال الناس قوة عظمي غلبت قوة عظمي ولا غرابة في ذلك. وانا متأكد من انتصارنا ومن تركيع امريكا اذا جاءت بجيوشها لانه لم يبق لله جيش يقاتل في سبيله سوي جيش العراق، وبعد انتهاء اللقاء اخذنا صورا تذكارية بشكل جماعي مع الرئيس وغادر الجميع وهم في ارتياح كبير، فالرئيس راض عن قوات (ح ج) ولكن الذي ظل يؤرقني موضوع الخطة التي عرضت علي الرئيس وباركها. ما هي، ومتي نطلع عليها، ولماذا لم يؤخذ سياق التخطيط الصحيح ومن هم واضعو تلك الخطة؟ ظلت هذه الاسئلة بلا اجوبة عندما لم يتطرق احد الي تلك الخطة.المفتشون الدوليون زاروا مقراتالحرس الجمهوري ولم يجدوا شيئابعد اسبوعين التقينا باللواء المهندس حسام محمد امين مدير الرقابة الوطنية وشرح لنا اسلوب التعامل مع المفتشين. ثم جاء المفتشون الي مقراتنا ووحداتنا ولم يعثروا علي شيء مع التأكيد بعدم الانفراد بهم. ومما هو جدير بالذكر أن القيادة العامة ووزارة الدفاع نفذت عددا من التمارين الداخلية في نادي الضباط القادة في منطقة الكسرة ببغداد لمجموع القيادات العسكرية التابعة للمقر العام والسياسية والحزبية للمنطقة المركزية وخاصة بغداد وأعضاء القيادة العامة للقوات المسلحة وكان يحضرها المشرف علي الحرس الجمهوري قصي صدام حسين، وكنت أرافقه لتزويده بالملاحظات المهمة ثم أقدم له تقرير تقييم عام لتلك التمارين والمعضلات الواردة فيه وأسلوب حلها وتعرض فيها صورة الموقف العام وشرح للخطط الامنية للمحافظات وكانت علي الدوام باشراف عزة الدوري نائب الرئيس ويحضرها معظم أعضاء القيادة السياسية وبعض الوزراء المعنيين، وكان لكل المناطق الدفاعية تمارين مشابهة وقد حضرت بعضها كما كلفت بزيارة كل فيالق الجيش للاطلاع علي خطط دفاعها قبيل الحرب، وقدمت الكثير من الملاحظات في التقارير التي رفعتها الي قصي صدام حسين، وكانت معظم تلك الملاحظات سلبية لحجم المشكلات التعبوية والعملياتية التي تعاني منها تلك الفيالق. عن المؤلف تخرج من الكلية العسكرية العراقية عام 1970 (بكالوريوس علوم عسكرية). تخرج من كلية الاركان العراقية عام 1980 (ماجستير علوم عسكرية). تخرج من كلية الحرب العراقية عام 1992 (دكتوراه علوم عسكرية). شغل العديد من المواقع العسكرية منذ عام 1970 لغاية 2003 أبرزها: آمر كتيبة استطلاع مدرعة في الجيش العراقي. آمر كتيبة دبابات في الحرس الجمهوري. آمر لواء مدرع في الحرس الجمهوري. قائد الفرقة المدرعة السادسة في الجيش العراقي. قائد فرقة المدينة المنورة المدرعة في الحرس الجمهوري. رئيس أركان فيلق الحرس الجمهوري الاول (الله أكبر). قائد فيلق الحرس الجمهوري الثاني (الفتح المبين).7