قبل ان يغادرنا التاريخ للفريق الركن رعد الحمداني (5)
قائد الفرقة 101 المحمولة جوا الجنرال بترايوس قال بعد احتلال بلدة الكفل: وصلنا حدود اسرائيل الشرقيةلعنت من كان صاحب القرار بوضع سياسيين بمناصب قيادة عسكرية لقد ضيعوا علينا وقتا ثمينا قبل ان يغادرنا التاريخ للفريق الركن رعد الحمداني (5)اعداد وتلخيص: هارون محمد كثيرة هي الافتراءات التي الصقت بالجيش العراقي لتشويه صورته وسمعته وتاريخه، من قوي دولية واقليمية، وأطراف حزبية وسياسية محلية، هدفها طعن هذه المؤسسة الوطنية والقومية، والاساءة الي رجالاتها وقادتها وضباطها ومراتبها وجنودها الذين قدموا التضحيات عبر مسيرة استمرت أكثر من ثمانين سنة، حفلت بالامجاد والانتصارات، وتخللتها ايضا اخفاقات وانتكاسات، حالها حال جيوش الدول والامم قديما وحديثا. ورغم ان دعاوي الاحتلال في حل الجيش العراقي قد تهاوت الواحدة تلو الاخري، وسقطت الذرائع المتهافتة التي ساقها برايمر في تبرير قرار الحل المستند الي مخطط جمع بين مشتركات امريكية وصهيونية وايرانية، لتفريغ العراق من قوته التي كانت تشكل ركنا أساسيا في التوازن الاستراتيجي في المنطقة، الا ان الغزاة والمتعاونين معهم من محليين وغرباء، ما زالوا يرفضون بعناد اعادة الجيش الذي حلوه مع ان الظروف السائدة في العراق تستدعي اعادته لينهض بمهمته الوطنية والقومية في حفظ الامن والدفاع عن البلاد التي تواجه تدخلات خارجية وتحديات داخلية ترمي الي تفتيت العراق وتقسيمه الي أقاليم وفيدراليات ومشيخات هزيلة.وقد سعي المحتلون وعملاؤهم ضمن أكاذيبهم عن الجيش العراقي، الي ترويج ادعاءات باطلة تمس صموده وتضحياته في الحرب الامريكية الاخيرة علي العراق في آذار (مارس) 2003 ، الامر الذي دعانا الي نشر فصول من كتاب صدر مؤخرا لقائد عسكري عراقي يتناول فيه جانبا من أحداث تلك الحرب العدوانية، ويقدم أحداثا ووقائع كان طرفا فيها او معايشا لها باعتباره قائدا لفيلق الفتح المبين/ حرس جمهوري، ويعرض ايضا الظروف والملابسات التي تحكمت بالجيش العراقي وهو يواجه أعظم قوة عسكرية في العالم، علي صعيد الاستعدادات واختلال القوي والمواجهات والتضحيات.وكتاب (قبل ان يغادرنا التاريخ) هو أول شهادة لقائد عسكري عراقي تنشر عن الحرب الاخيرة التي هيأت للاحتلال، حرص مؤلفه الفريق رعد الحمداني علي ان يكون موضوعيا قدر الامكان، فهو ينتقد الكثير من القرارات التي اتخذتها القيادة العراقية قبل الحرب وخلالها، ويؤشر نقاط الخطأ فيها من وجهة نظره، ويبين التداخل الذي حصل بين السياسي والعسكري في سياقات التحضير للمعركة واصدار الاوامر ورسم الخطط وتعيين القيادات، وسواء كانت آراء الفريق الحمداني صحيحة او خلافها، الا انها تبقي في المحصلة النهائية اجتهاد قائد ميداني وضابط محترف، قد لا يوافقه عليها رفاقه وزملاؤه وقد سمعت شخصيا من عدد منهم وانا اجهز هذه الفصول للنشر، انتقادات له من بعضهم، رغم ان اغلب هذه الانتقادات انحصرت في ان المرحلة الراهنة والعراق تحت الاحتلال غير مناسبة لفتح ملفات حساسة، ومن الافضل ارجاء ذلك الي وقت لاحق عندما يتحرر العراق ويزول الاحتلال عندها تطرح جميع الملفات للبحث والتقييم بلا استثناء.وعموما فان ما دفعنا لنشر فصول من الكتاب في المقام الاول هو ابراز مسألة في غاية الاهمية، تتمثل في ان القوات المسلحة العراقية قاتلت الغزاة في الحرب الاخيرة ببسالة وقدمت تضحيات كبيرة وكثيرة، علي عكس ما أشاعه المحتلون وعملاؤهم، رغم ضعف التسليح وقلة الامكانات الفنية والتقنية، نتيجة الحصار الجائر الذي عاش تحت وطأته العراق ومؤسساته الوطنية وفي مقدمتها الجيش والقوات المسلحة ثلاثة عشر عاما، عاني العراق خلالها اوضاعا خطيرة علي جميع الصعد والميادين، هذه الحقيقة يجب ان تكون ماثلة لمن يريد ان يناقش حرب 2003 ونتائجها الوخيمة وآثارها الكارثية. قائد امريكي: وصلنا الي حدود اسرائيل الشرقيةوقبل نهاية الاسبوع الاول للحرب استطاع الامريكان الاستيلاء علي جسر الكفل الاستراتيجي واحتلوا مدينة الكفل التي يعتقد ان قبر النبي ذي الكفل فيها، وهو من انبياء بني اسرائيل خلال الأسر البابلي، وقد نسبت احدي الصحف الغربية حينها الي قائد الفرقة المحمولة جوا 101الامريكية قوله: لقد وصلنا الي حدود اسرائيل الشرقية. وكان هذا الجسر مهيئا للنسف ولكن نتيجة لاخطاء آمر حرس التخريب والآمر المخول لم يتم نسف ذلك الجسر، وقد ترافق ذلك مع انزال لواء 173من الفرقة الامريكية 101 المحمولة جوا ليلة السادس والعشرين من آذار (مارس) في المنطقة الكردية شمالي العراق للتعرض مع الاكراد علي الفيلقين الاول والخامس، حيث كان مقررا اندفاع الفرقة المدرعة الامريكية الرابعة وفرقة المشاة الامريكية العاشرة من الاراضي التركية نحو شمالي العراق، الا أن القيادة السياسية والبرلمان التركي رفضا ذلك كما أسلفنا، من ناحية أخري ومن الاتجاه الغربي للعراق قامت قوة من الفرقة المحمولة جوا 82 الامريكية قوامها خمسة آلاف رجل انطلاقا من منطقة قريبة من الحدود الاردنية بالانزال علي منطقة سد حديثة الكائنة شمال مدينة الرمادي 140 كم واحتلالها، وهي أيضا مفرق طرق استراتيجي، وقد سبقتها مجاميع من القوات الخاصة قد توغلت عميقا بالهليكوبترات نحو مواقع مفترضة لانطلاق صواريخ أرض/ارض في الاسبوع الاول من شهر شباط (فبراير) كما اسلفنا، فيما اندفعت مجموعات منها بواسطة عجلات عسكرية نوع همر الي منطقة جنوب بحيرة الحبانية تدعي قناة المجرة التي تنقل المياه الي بحيرة الرزازة جنوبا في كربلاء. كنت اتابع الموقف الحربي العام منذ اللحظة الاولي علي خريطتي الخاصة بقياس كبير (1/مليون) وكنت احاول تحليل كل خطوة جيدا وحتي اليوم السادس للحرب كان تماسنا مع القوات الامريكية من خلال التراشق بالنيران علي جبهة النجف ومع القوة الجوية والصاروخية باسلحة دفاعاتنا الجوية، وفي بداية العاصفة الرملية القياسية التي هبت علي العراق يوم الخامس والعشرين من آذار (مارس) والتي كانت الاولي في عنفها وكثافتها منذ خمسين عاما مضي واستمرت ثلاثة ايام. كانت اول اشتباكاتنا مع الامريكان في معركة الكفل وقبل التطرق الي هذا الموضوع أود ان اعطي صورة لانفتاح قوات فيلقي قبل نهاية الاسبوع الاول من الحرب وكالآتي: فرقة المدينة ح ج تدافع عن خط الصويرة ـ مفرق الطريق السريع مع طريق المسيب ـ المحاويل والمسيب ـ كربلاء. فرقة بغداد ح ج ـ تدافع في قاطع الكوت ودفعت اللواء الرابع منها بالإضافة الي سرية مقاومة دروع من الفيلق الي قاطع النعمانية ـ الشوملي حيث توقعت ومنذ اشهر قبل الحرب اندفاع العدو من الديوانية الي النعمانية وسحبت بطارية مدفعية دفعها قائد الفرقة علي ضوء تدخل من رئيس اركان ح ج من شمال الحي الي داخل مدينة الكوت، وعززت قاطع الفرقة ببطاريتي اسناد عام من الفيلق للتأثيرعلي العدو في قاطع الشوملي ـ النعمانية اذا حقق التماس بها. فرقة النداء ح ج قاطع جنوب وشرق بغداد وبعقوبة فرقة معهد التدريب ح ج قاطع شرق الصويرة. فرقة نبوخذ نصر ح ج التي التحقت بي من الفيلق الاول حرس جمهوري في بداية الحرب تدافع في قاطع الحلة 90 كم جنوب بغداد من ناحية الامام القاسم مفرق الطريق السريع ديوانية/ بغداد، والهاشمية ـ الحلة ـ الهندية لستر المقترب الوسطي لمدينة بغداد. كتيبة استطلاع الفيلق ناقص سرية الاستطلاع العميق لحراسة الجسر الاستراتيجي غرب اليوسفية ـ جرف الصخر، وكان مهيأ للنسف وقد سلمت آمر الكتيبة امرا تحريريا بنسفه حال الاحساس بتقرب العدو منه. سرية الاستطلاع العميق علي خط النفط الاستراتيجي ما بين كربلاء والنجف وباسنادها بطارية بعيدة المدي للتأثير علي القطعات الامريكية المتقدمة من الحيدرية جنوب كربلاء 40 كم باتجاه كربلاء. فوج مقاتلة الدروع.. سرية منه مع قوة حماية جسر جرف الصخر الاستراتيجي وسرية اخري في قاطع النعمانية وسرية مع اللواء المدرع الثاني في مفرق الطريق السريع مع طريق المسيب ـ الصويرة. لواء القوات الخاصة ـ ناقص فوج في جنوب بغداد، فوج منه يقوم باعمال دوريات القتال في قاطع الديوانية ـ عفك وباسناد مدفعية بعيدة المدي من الفيلق. جري هذا الانفتاح لقواتنا منذ منتصف شهر شباط (فبراير) قبل الحرب بالحاح شديد من قبلي بعدما اتضح جليا اتجاه التعرض المعادي المحتمل أي من اتجاه الجنوب وانطلاقا من الكويت وقد نفذت قواتنا جدولا طويلا من الاجراءات الدفاعية منها سبعة آلاف موضع قتال للدروع وللمدفعية وللعجلات الكبيرة وأكثر من ألفي موضع عجلات مختلفة و1864 كدس مواد تموين قتال من الاعتدة المختلفة، حيث جري تفريغ المستودعات الرئيسية خشية تدميرها بالقصف الجوي وتوزيعها علي التشكيلات القتالية، وأكثر من أربعين ألف موضع قتال مزدوج للاشخاص مع كافة اجراءات التمويه الميداني وغيرها من الاعمال الميدانية من اعداد مقرات ومواقع سيطرة واخلاء وتصليح وغير ذلك. معركة الكفل في الساعة 1200 من يوم السادس والعشرين من آذار (فبراير) حيث صادف هبوب اعنف عاصفة ترابية يشهدها العراق منذ خمسين عاما مضت كما ذكرنا، ارسل في طلبي المشرف علي الحرس الجمهوري قصي صدام حسين للقائه في بغداد بأمر هام، وحسب السياق وعن طريق استعلامات ح ج كان ينتظرني المرافق الاقدم له المقدم علي حسين رشيد بملابس وعجلة مدنية حيث ذهبنا الي دار في طرف حي المنصور بداية شارع 14 رمضان وبعد تبادل التحية واستفساره عن الموقف وقفنا بجانب خريطة معلقة علي الحائط وكان كل شيء يهتز في هذه القاعة لشدة القصف الجوي والصاروخي علي اهداف قريبة من مكاننا في تلك الساعة. وطلب مني حسب رأي الرئيس صدام حسين معالجة الموقف في قضاء الكفل بعد نجاح العدو في عبور جسر الكفل الاستراتيجي دون التمكن من تفجيره مع عدم الدخول في معركة حاسمة للاحتفاظ بقدرات ح ج لمعركة بغداد فطمأنته بان المهمة تنجز ان شاء الله بافضل اداء واقل الخسائر، لان طيران العدو ومروحياته قد حيدتها هذه العاصفة، وهنا صارحته بعدد من الاجراءات التي اتخذتها مثل دفع عدد من الوحدات والدوريات القتالية ومشاغلة العدو بالمدفعية وتحريك عدد من الوحدات خارج قيود المقر الاعلي للضرورات الميدانية، فبارك تلك الاجراءات واشاد بقيادتي وبقواتي ونظر الي الفريق الاول سيف الدوري رئيس اركان الحرس الجمهوري الواقف الي جانبي قائلا: ان ثقتي بفريق رعد كبيرة رغم من يريد ان يزعزعها، فعرفت مقصده. (علمت فيما بعد ان الفريق سيف اشتكي مني حول عدة اجراءات اتخذتها في ادارة معركة الفيلق خارج تحديدات المقر الاعلي منها عبور نهر الفرات ومهاجمة الامريكان في بعض الاماكن علاوة علي اشرافي الشخصي علي تلك العمليات) وهنا طلبت منه كاجراء استباقي وكي لا يتكررموضوع جسر الكفل مع جسر جرف الصخر لاهميته وضرورة نسفه مبكرا، فوعدني بان يأخذ موافقة الرئيس حول الموضوع، ومع الأسف لم تحصل الموافقة، بالرغم من عدم وجود قطعات عراقية آنذاك في جرف الصخر، وهي منطقة فيها العديد من منشآت التصنيع العسكري. ومن مكتب قصي اتصلت برئيس اركان فيلقي اللواء الركن فايق عبد الله وطلبت منه انذار قوة واجب من لواء القوات الخاصة تتحشد في شمال قضاء المحاويل بـ28 كم، علي ان يكون آمر اللواء وآمر الفوج المظلي المقدم الركن جيجان في انتظاري في نفس المكان قبل الساعة 1600 من ذلك اليوم، كما طلبت آمر مدفعية الفيلق واستغلالا لظروف العاصفة الترابية الشديدة لدفع عدد من بطاريات المدفعية من فرقة المدينة المنورة ومدفعية الفيلق لاسناد العملية. كان لقائي بالمعنيين بالتوقيت والمكان المتفق عليهما وكنا نستخدم المصباح اليدوي لرؤية ساعاتنا اليدوية لشدة الظلام الناتج عن هذه العاصفة التي احالت النهار الي ليل برتقالي داكن، وبعد جهد جهيد عثرت علي المكان السري لقيادة المنطقة في مدرسة للبنات تجنبا للغارات الجوية التي لا تخطيء هدفاً وكان علي رأس هذه القيادة عضو القيادة القطرية محمود غريب مع محافظ بابل وعدد من المسؤولين الحزبيين والمستشار العسكري اللواء الركن المتقاعد جواد كاظم، وهالني حالة هؤلاء الناس الذين لا يعرفون الموقف ولو بشكل معقول بالرغم من تطوع عضو القيادة بالذهاب معي وهذا ما رفضته، فانا بحاجة ماسة الي المعلومات الدقيقة عن الموقف لبناء خطة هجوم صحيحة وبعد معاناة كبيرة عثرنا علي قائد فرقة جيش القدس التي خسرت معركة الكفل، ولعنت من كان صاحب القرار بوضع سياسيين بمناصب قيادة عسكرية بعد ان ضيّع علينا ثلاث ساعات من الوقت الثمين، وعند توقفنا في احدي الثكنات العسكرية شمال الكفل التقيت باحد الاصدقاء وهو اللواء الركن المتقاعد مؤيد الحلي ويعمل مستشارا عسكريا هناك باعتباره من سكان المنطقة، فشرح لي ولمن معي تفاصيل جيدة عن الموقف وطبيعة الارض وقدم لنا نصائح مفيدة فشكرته واعتبرته هبة من السماء لنا في هذا الوقت الحرج جدا، ثم أجرينا الاستطلاعات الضرورية بصعوبة بالغة لانعدام درجة الرؤيا، وكاد آمر اللواء وآمر الفوج المرافقان لي ان يصطدما باحدي دروع العدو الواقفة في مدخل المدينة المحتلة.ان الوقت المهدور بسبب انعدام الرؤيا أخرنا كثيرا، مما اضطرني الي تأجيل تنفيذ هذه الغارة من الساعة 2400 الي الساعة الخامسة من فجر اليوم التالي، فيما العاصفة الرملية تزداد عنفا، ورغم كل التحديدات التي فرضت علينا في مشاغلة الاهداف من مسافات لا تقل عن 300 متر، الا ان سوء الرؤيا جعل المسافات تصل الي بضعة امتار احيانا وباسناد ناري كثيف علي منطقة تقع خلف الجسر لتفادي الوقوع تحت تأثير النيران الصديقة، وتم شن الغارة العنيفة باسلحة القوات الخاصة الخفيفة والمتوسطة وبنجاح كبير حيث بدأت انفجارات الدروع المصابة واضحة جدا ثم انسحبت قوتنا الهاجمة حاملة تسعة جرحي، وثلاثة شهداء تركوا في ارض المعركة، بذلنا كل المحاولات لسحب جثثهم فلم نقدر لشدة رد الفعل المعادية بالنيران المختلفة. استمرار المعارككان توجيهي لقادة الفرق بان لا يقتصدوا بصرفيات عتاد المدفعية في اية فرصة تسنح لهم لتكبيد العدو اقصي ما يمكن من الخسائر من بعد وان لم تضمن ايقاع تلك الخسائر فازعاج العدو الامريكي يعادل بنتائجه ما يتم تدميره في معاركنا مع الايرانيين سابقا. وكان السبب الاخر لهذا التوجيه تفويت الفرصة علي العدو في ايقاع الخسائر او في ابطاء تقدمه، لان الوقت والامكانيات متاحة للقوات الجوية المعادية لتدمير ما كدسناه من اعتدة لضعف دفاعاتنا الجوية. قابلت وحدات المدفعية وحسب السياق الذي دربتهم عليه بلاء حسناً بقلب القواعد القياسية باستخدام المدفعية واعتماد اساليب الطوارئ كاساس في استخدامنا لهذا السلاح المهم، فمعظم البطاريات في وضع الاختفاء العام والتعويل علي المواضع الجوالة والوقتية في تلبية النيران وجعل مدفعية الاسناد العام تنفذ هذه الواجبات بدلا من مدفعية الاسناد المباشر للاستفادة من مدياتها البعيدة من27 ـ 43 كم، وكنا نرسل دوريات استطلاع بالملابس المدنية لتحديد الأهداف المعادية ومنها ما كان يستخدم أجهزه ملاحة صغيرة محمولة نوع (جي بي أس) فيبعث للمقرات الميدانية بالاحداثيات لتلك الاهداف فتنفذها أقرب المدافع من مواقع وقتية وجوالة والمعدة مسبقا والقياس الثابت بالرمي هو عشر اطلاقات دون الحاجة للتصحيح ثم ترك موضع الرمي علي الفور والدخول في أقرب موضع اختفاء لتجنب صيدها بالطائرات نتيجة قدرة العدو علي الاستمكان والرد السريع . كان لاستخدام اسلحة الدفاع الجوي المحدودة لنا باسلوب الكمائن المختلطة في اقصي الامام (الكمين المختلط عبارة عن عجلة مدرعة تحمل سلاحاً مضاداً عيار 23 ملم مزدوج السبطانة تسحب خلفها مدفعاً عيار 57 ملم وتحمل علي ظهرها مفرزة صواريخ ضد الجو نوع خفيف رسترلا أو اوكلا) فهذه الكمائن قد اثرت كثيرا علي مروحيات العدو المسلحة الاباتشي وغير المسلحة البلاك هوك وشينوك، وحيدت الكثير منها في تلك الاوقات والاماكن المستورة (البساتين) فكانت صدمة للعدو، ثم شعرت بان العدو قد غير اسلوبه في استخدامها لاحقاً وكانت الضفة الشرقية لنهر الفرات ومنطقة كربلاء ساحة عمل جيدة لهذه الكمائن وكان لها تأثير واضح حيث خولت آمري الكمائن صلاحيات كاملة للتصرف الذاتي بالكشف والتمييز والمشاغلة للاهداف الجوية دون الرجوع الي عمل منظومة الدفاع الجوي القياسية، وكان أفضل تأثير لهذا الاسلوب القتالي هو اجبارتشكيل كبير من طائرات العدو بلغ العشرات من طائرات الاباتشي علي تغيير اتجاهه وترك ساحة المعركة قرب مدينة كربلاء ليلة 1 ـ 2 نيسان (ابريل) علي ما أذكر، وأكد لي آمر مجموعة الكمائن فيما بعد أيقاع خسائر مؤكدة بذلك التشكيل القتالي، لقد عولت كثيراً علي استخدام القوات الخاصة وكتائب وسرايا الاستطلاع في جمع المعلومات ومهاجمة ارتال العدو المتقدمة علي جبهة عرضها يزيد عن مئة كم ما بين نهري دجلة والفرات، وكان رجال القوات الخاصة عند حسن الظن وبرزت منهم مشاهد لم ارها في الحروب الخمسة التي شاركت بها قبل هذه الحرب، وكذلك رجال المدفعية الذين تحملوا ثقلاً كبيراً، وكان في استخدام اسلحة مقاومة الدروع المسيرة باساليب جديدة دورهم ايضا في القتال، ويرجع الفضل في هذا للفريق الاول سيف الراوي ودوره في تطوير هذا السلاح وأساليب قتاله، ان اندفاع العدو علي شكل عدة ارتال مسندة بالقوة الجوية والمروحيات المسلحة قد اربك الكثير من قواتنا حين يشعر قسم منها بانه قد عزل، ورغم كل التثقيف علي مستوي المقر العام والقادة الا ان معظم مقاتلينا والذين لا حظ لهم من التعليم الجيد كانوا اوهن اولئك الجنود في تحمل اوضاعاً كهذه.العدو يتحرك لتطويق مدينة الكوت من شمالها بعدما عجزت فرقة جيش القدس بقيادة اللواء الركن عزيز الحيالي في الديوانية عن ايقاف العدو ومنعه من دخول الديوانية مفرق الطريق السريع رغم بسالتها في تأخير العدو عدة ايام، اصبحت للعدو حرية العمل شرقا للوصول الي نهر دجلة من اتجاه (الشوملي ـ النعمانية) لتطويق مدينة الكوت من شمالها، وهذا ما كنت اتحسب له كثيرا وقبل اكثر من اربعة اشهر من الحرب حين اجريت مشروعا تدريبياً مع جميع القوات المدافعة عن مدينة الكوت وبحضور عضو القيادة المسؤول عن هذه المحافظة غازي العبيدي ومحافظها الفريق الركن المتقاعد احمد حسن عبيد وقد اقنعتهم بتغيير الاتجاه من الشرق الي الغرب. وعندما كانت طلائع العدو المدرعة في ذلك المفرق (الديوانية ـ عفك ـ الطريق السريع) شنت قوة واجب من لواء القوات الخاصة التابعة للفيلق بقيادة مقدم اللواء (العقيد الركن باسم) سلسلة من الغارات ونصب الكمائن وزرع الألغام وباسناد مدفعي من مدافع مفردة وحسب السياق ومن موارد الفيلق وبقيادة امر مدفعية الفيلق اللواء الركن أركان ياسين تكبد العدو فيها بعض الخسائر في الارواح والآليات المدرعة حيث اشرفت شخصيا علي هذه العملية من مرصد قرية الصالحية المشرفة علي مفرق الطريق السريع. قرار خطأ سحب فرقة (بغداد ح ج) من الكوت كانت فرقة بغداد ح ج بقيادة اللواء الركن صالح ابراهيم مهيأة جيدا للدفاع عن مدينة الكوت وعندما احتل العدو مدينة (الحي) جنوب الكوت 50 كم وناحية الشوملي علي اتجاه النعمانية ـ الكوت، صدر أمر انسحاب هذه الفرقة ليلة التاسع والعشرين من آذار(مارس) وفي هذا الوقت الحرج من قبل المقر الاعلي وتبديلها بفرقة المشاة 34 بقيادة اللواء الركن عبد الكريم حميدي الذي اغتيل فيما بعد من قبل زمر القتل التي صفت المئات من كبار ضباط الجيش العراقي، وهذه الفرقة تابعة للفيلق الثاني وكانت تدافع عن قاطع خانقين شمال شرق بغداد 180 كم، وعندما علمت بهذا الامر وانا في منطقة الهاشمية اتفقد اللواء 23من فرقة نبوخذ نصر ح ج بقيادة العميد الركن محمود الجحيشي بعدما انجزنا واجب الغارات علي مفرق طريق (عفك) واجبار العدو علي الانسحاب الي منطقة حقول الدواجن، فاسرعت بالعودة الي المقر لاعرف تفاصيل هذا الامر وكان يشيرالي سحب فرقة بغداد ح ج للدفاع في منطقة ابو غريب غربي بغداد، وهو لو حصل قبيل الحرب لكان صحيحا لا غبار عليه ولكن انسحاب فرقة تحت تفوق جوي معاد ساحق لمسافة لاكثر من 200 كم وحركة فرقة اخري من الجيش مسافة اكثر من 300 وتحت رحمة القصف الجوي المعادي قرارٌ خطأ مئة بالمئة، علاوة علي ان العدو من قوات المارينز (رتل دجلة) قد حقق التماسا باطراف مدينة الكوت، وكنت قد صممت لهذه الفرقة خطا دفاعيا في حالة انسحابها علي نهر دجلة في منطقة الزبيدية 100 كم جنوب بغداد. في ليلة الثامن والعشرين من اذار(مارس) اندفع العدو لمواجهة مواضع فرقة نبوخذ نصر ح ج في قاطع الحلة وعلي محورين: المحورالاول النجف ـ الحلة بعدما اكمل العدو احتلال النجف واستعاد الكفل، والمحور الثاني: النجف ـ الحيدرية ـ قضاء الهندية، أي من الجنوب ومن الغرب فدارت معارك شديدة تم ايقاف العدو علي مبعدة 7كم جنوب الحلة ودفع العدو خارج مدينة الهندية التي كان يدافع عنها لواء المشاة 22ح ج، وقد عززت هذا اللواء بفوج من القوات الخاصة هو الفوج الثالث بامرة المقدم الركن ثائر، وفوج آخر من لواء القوات الخاصة 26 من فيلق الله اكبر ح ج مع آمر اللواء وبعض العناصر من مقره، وقد تم اعداد سلسلة من الهجمات علي شكل غارات بمستويات صغيرة لضرب العدو علي طريق النجف ـ الحلة، في الوقت الذي كانت فيه مدفعية فرقة المدينة تدك ليل نهار الطريق الاستراتيجي الموصل ما بين النجف وكربلاء غربي نهر الفرات. وفي هذا الوقت ايضا كانت سرية الاستطلاع العميق بقيادة النقيب معد الجحيشي تديم التماس بالعدو الامريكي (الفيلق الخامس) جنوب غرب كربلاء والتي افادتني معلومات قبل ايام استنتجت منها ان الامريكان قد توقفوا في غرب النجف لاعادة تنظيم قواتهم. القوات الامريكية تضغطعلي محور (النجف ـ الحلة) وفي ليلة الاول علي الثاني من نيسان (ابريل) وكانت ليلة محرجة جدا رغم المعنويات العالية لقواتي وقتالها ببسالة، الا ان القوة الجوية المعادية قد انهكت هذه القوات بسلسلة طويلة من القصف الجوي الذي استهدف المقرات والقطعات ومناطق الادامة وطرقها، فنجح العدو في التقدم علي محور دجلة الي منطقة مفرق النعمانية قاطعا طريق ادامة الفرقة 34 التي استبدلت فرقة بغداد ح ج في قاطع الكوت، وقد اصبح هذا القاطع محاصرا من الجنوب والجنوب الغربي ومن الشمال ايضا قاطعا طريق بغداد الذي تدافع عنه قوات المعهد بالإضافة الي قوات مقر الفيلق واللواء السادس من فرقة بغداد واللواء 43 من فرقة النداء في مقر (7 نيسان) جنوب جسر ديالي الجديد، وفي قاطع الفرات نجحت القوات الامريكية في الاحاطة بمدينة كربلاء من شمالها الغربي، بين كربلاء و جنوب بحيرة الرزازة مع ضغط شديد علي المحور الوسطي (النجف ـ الحلة) و (الديوانية ـ ناحية القاسم) علي الطريق السريع، وعند اطلاعي علي الموقف في الجانب الشرقي (محور دجلة) أمرت قائد فرقة المعهد بتقليص دفاعاته الي العزيزية 70 كم جنوب بغداد ـ الحفرية، وسحب فوج الكلية العسكرية من الدبوني الي الحفرية، لأن خسائر هذا الفوج المحتملة يصعب تعويضها، وايضا لتعزيز الدفاعات وتقويتها في مناطق تكثر فيها البساتين علي جانبي الطريق العام الكوت ـ بغداد، وعند لقائي بقائد فرقة المدينة المنورة ح ج اللواء الركن رياض حسين مساء في مقره الجوال في (اللطيفية) وجدته قلقا علي وضع قطعاته في كربلاء، وبعد ان تدارسنا الموقف وكان من رأيي ان كربلاء تمثل عنق الزجاجة ويفترض الدفاع فيها بقوة لا تقل عن فرقة.لكن تحديدات المقر الاعلي بعدم دفع اية قطعات غرب نهر الفرات وكربلاء تبعد عن حافة النهر الغربية 37 كم، وكان دفع جحفل لواء 14 الالي ح ج مع بعض الوحدات الساندة اليها، كان علي مسؤوليتي الشخصية حيث التقيت قبل ليلتين من هذا التاريخ مع رئيس اركان ح ج الذي زار قاطع فرقة بنوخذ نصر ح ج أكد عليّ بسحب تلك القطعات غرب نهر الفرات دون ان أصارحه بحجم القوات في كربلاء، ولم اذكر له سوي فوج واحد لاني كنت اخشي كيده فيقنع قصي صدام حسين بسحب تلك القطعات من كربلاء فينفتح المجال واسعا للعدو للاندفاع الي المسيب او الي اليوسفية عبر جسر(القائد ـ جرف الصخر) الاستراتيجي الذي يربط منطقة جرف الصخر باليوسفية ثم الدورة ـ بغداد علاوة علي الطريق الموازي للضفة الشرقية للفرات الذي يوصل الي ناحية القصر ـ الرضوانية ـ المطار الدولي ـ القصور الرئاسية. العدو يبدأ تطويق كربلاء غربي الفراتويقترب من العزيزية علي دجلة في فجر اليوم الثاني من نيسان (ابريل) نجح العدو في تطويرهجومه علي محور الفرات وبدأ بتطويق مدينة كربلاء من الشمال، حيث احتل مفرق (الحر ـ امام عون) أما علي محور دجلة فتمكن من تحقيق التماس بموضع العزيزية 70 كم جنوب بغداد، مع استمرار الضغط علي محور الطريق السريع في ناحية الامام القاسم 90 كم جنوب بغداد، وفي نفس الوقت علمت بوصول فرقة المشاة 16 بقيادة اللواء الركن مؤيد الضامن لتصبح بامرة فيلقي، وكانت قادمة توا من الموصل، وقد اطلعت رئيس اركان ح ج حين التقيته علي هذا المحور والموقف فيه، وكان من رأيي ان محور الفرات لا زال هو الاخطر، واتفقنا علي بعض الاجراءات، وخلال تدارسي الموقف مع قائد فرقة المعهد طلبت منه بذل أقصي صمود حيث دفعت لواء المشاة الالي 43 ح ج من فرقة النداء لمسك موضع دفاعي علي مفرق بسماية الي الجنوب من بغداد بمسافة 30 كم وقد طلبت موافقة المقر الاعلي بدفاع كامل تلك الفرقة المدرعة علي نهر ديالي جنوبي بغداد الا أنه لم تحصل الموافقة علي مقترحي. وكان جسر الصويرة الاستراتيجي قد دمرته طائرات العدو قبل ليلة لتضييق حرية عمل قواتي بين ضفتي نهر دجلة، مما اضطرني الي دفع فوج قوات خاصة عبر حافة ذلك الجسر ذات المتر الواحد المدمر لتعزيز موضع الحفرية شرق نهر دجلة، وعند عودتي الي بغداد ومنها الي كربلاء حيث اصبح طريقي طويلاً جدا بسبب تدمير ذلك الجسر انزلت مساعد السائق وكتبت رسالة صغيرة علي قصاصة ورق وارسلتها بيده الي زوجتي التي تحولت الي منزل والدها في شرق بغداد بعدما أصبح البقاء في منزل العائلة غربي بغداد متعذرا جدا لشدة القصف الجوي واصابة المنزل باضرارمتعددة، في هذه الرسالة المقتضبة افهمت زوجتي ومن معها ان يغادروا هذه المنطقة وباسرع وقت الي مكان اخر لان رتل العدو المتقدم علي محور دجلة سيحتلها بدون شك خلال الايام القليلة القادمة. وعند وصولي الي مقر الجماعة الجوالة لقائد فرقة المدينة المنورة علي طريق المسيب ـ كربلاء وجدته يدير معركة أمام عون، وخلال وصولي الي ارض المعركة وجدت ان الفوج الالي الاول من اللواء 14قد تكبد خسائر كبيرة جدا بغارة جوية معادية، وعندما تفحصت آثار القصف الجوي علي الفوج لم اجد تقصيرا في أداء رجاله الابطال الذين اتخذوا كل الاجراءات الصحيحة في تفادي الغارات الجوية، وكانت اشلاء تسعة وثلاثين جثة من أولئك الرجال قد ملأت مواضعهم مع حطام عجلاتهم القتالية المدرعة نوع (بي ام بي أ). 7