قبل ان يغادرنا التاريخ للفريق الركن رعد الحمداني (6)

حجم الخط
0

قبل ان يغادرنا التاريخ للفريق الركن رعد الحمداني (6)

عندما قلت لقصي صدام: سيدي ان مصير بغداد الكارثي سيتحقق خلال 48 ساعة القادمة… أطرق حزيناتساءلت والامريكيون يتقدمون من العاصمة ما هذا الهذيان؟ من اعطي المشورة لصدام.. ماذا حدث للقيادة؟ قبل ان يغادرنا التاريخ للفريق الركن رعد الحمداني (6)اعداد وتلخيص: هارون محمدكثيرة هي الافتراءات التي الصقت بالجيش العراقي لتشويه صورته وسمعته وتاريخه، من قوي دولية واقليمية، وأطراف حزبية وسياسية محلية، هدفها طعن هذه المؤسسة الوطنية والقومية، والاساءة الي رجالاتها وقادتها وضباطها ومراتبها وجنودها الذين قدموا التضحيات عبر مسيرة استمرت أكثر من ثمانين سنة، حفلت بالامجاد والانتصارات، وتخللتها ايضا اخفاقات وانتكاسات، حالها حال جيوش الدول والامم قديما وحديثا. ورغم ان دعاوي الاحتلال في حل الجيش العراقي قد تهاوت الواحدة تلو الاخري، وسقطت الذرائع المتهافتة التي ساقها برايمر في تبرير قرار الحل المستند الي مخطط جمع بين مشتركات امريكية وصهيونية وايرانية، لتفريغ العراق من قوته التي كانت تشكل ركنا أساسيا في التوازن الاستراتيجي في المنطقة، الا ان الغزاة والمتعاونين معهم من محليين وغرباء، ما زالوا يرفضون بعناد اعادة الجيش الذي حلوه مع ان الظروف السائدة في العراق تستدعي اعادته لينهض بمهمته الوطنية والقومية في حفظ الامن والدفاع عن البلاد التي تواجه تدخلات خارجية وتحديات داخلية ترمي الي تفتيت العراق وتقسيمه الي أقاليم وفيدراليات ومشيخات هزيلة.وقد سعي المحتلون وعملاؤهم ضمن أكاذيبهم عن الجيش العراقي، الي ترويج ادعاءات باطلة تمس صموده وتضحياته في الحرب الامريكية الاخيرة علي العراق في آذار (مارس) 2003 ، الامر الذي دعانا الي نشر فصول من كتاب صدر مؤخرا لقائد عسكري عراقي يتناول فيه جانبا من أحداث تلك الحرب العدوانية، ويقدم أحداثا ووقائع كان طرفا فيها او معايشا لها باعتباره قائدا لفيلق الفتح المبين/ حرس جمهوري، ويعرض ايضا الظروف والملابسات التي تحكمت بالجيش العراقي وهو يواجه أعظم قوة عسكرية في العالم، علي صعيد الاستعدادات واختلال القوي والمواجهات والتضحيات.وكتاب (قبل ان يغادرنا التاريخ) هو أول شهادة لقائد عسكري عراقي تنشر عن الحرب الاخيرة التي هيأت للاحتلال، حرص مؤلفه الفريق رعد الحمداني علي ان يكون موضوعيا قدر الامكان، فهو ينتقد الكثير من القرارات التي اتخذتها القيادة العراقية قبل الحرب وخلالها، ويؤشر نقاط الخطأ فيها من وجهة نظره، ويبين التداخل الذي حصل بين السياسي والعسكري في سياقات التحضير للمعركة واصدار الاوامر ورسم الخطط وتعيين القيادات، وسواء كانت آراء الفريق الحمداني صحيحة او خلافها، الا انها تبقي في المحصلة النهائية اجتهاد قائد ميداني وضابط محترف، قد لا يوافقه عليها رفاقه وزملاؤه وقد سمعت شخصيا من عدد منهم وانا اجهز هذه الفصول للنشر، انتقادات له من بعضهم، رغم ان اغلب هذه الانتقادات انحصرت في ان المرحلة الراهنة والعراق تحت الاحتلال غير مناسبة لفتح ملفات حساسة، ومن الافضل ارجاء ذلك الي وقت لاحق عندما يتحرر العراق ويزول الاحتلال عندها تطرح جميع الملفات للبحث والتقييم بلا استثناء.وعموما فان ما دفعنا لنشر فصول من الكتاب في المقام الاول هو ابراز مسألة في غاية الاهمية، تتمثل في ان القوات المسلحة العراقية قاتلت الغزاة في الحرب الاخيرة ببسالة وقدمت تضحيات كبيرة وكثيرة، علي عكس ما أشاعه المحتلون وعملاؤهم، رغم ضعف التسليح وقلة الامكانات الفنية والتقنية، نتيجة الحصار الجائر الذي عاش تحت وطأته العراق ومؤسساته الوطنية وفي مقدمتها الجيش والقوات المسلحة ثلاثة عشر عاما، عاني العراق خلالها اوضاعا خطيرة علي جميع الصعد والميادين، هذه الحقيقة يجب ان تكون ماثلة لمن يريد ان يناقش حرب 2003 ونتائجها الوخيمة وآثارها الكارثية. صدام أمر بسحب قواتنامن جنوب بغداد الي شمالهافي الساعة 12.35 من يوم الثاني من نيسان (ابريل) وأنا أتابع المعركة من بناية حكومية في شمال المسيب جاءني عقيد المخابرة الشجاع جميل ليخبرني ان القيادة تطلبني بالحضورالي بغداد فورا. فودعت قائد فرقة المدينة المنورة موصيا اياه بالصمود قدر الامكان وواعدا اياه بتعزيز قاطع كربلاء باقصي قدرة ممكنة، ووفقا للسياق كان المرافق الاقدم لقصي صدام حسين ينتظرني في استعلامات قيادة الحرس الجمهوري الكائنة في احدي الدور السكنية خلف منزلي تماما، فاقلني معه الي المقر السري الكائن في حي المنصور قرب سفارة الامارات العربية، والذي ادخله لأول مرة وهو دار سكن اعتيادي، فوجدت هناك المشرف مع كل من وزير الدفاع الفريق اول سلطان هاشم، ورئيس اركان الجيش الفريق اول ابراهيم عبد الستار التكريتي، ورئيس اركان جيش القدس الفريق اول اياد افتيح الراوي، ورئيس اركان ح ج الفريق اول سيف الدوري، وقائد فيلق الله اكبر ح ج الفريق مجيد حسين الدليمي، وبعد تبادل التحية قال لي السيد قصي: فريق رعد استمع الي رسالة سيدنا ـ يقصد الرئيس صدام حسين ـ التي ينقلها الرفيق وزير الدفاع وكان فحوي الرسالة: (ان الرئيس يتصور ان مجريات الحرب خلال الاسبوعين الماضيين ما هي الا مخادعة عسكرية استراتيجية امريكية وان الجهد الرئيسي للامريكان سيكون في الايام اللاحقة من اتجاه الاردن ثم شمال مدينة الرمادي ونزولا الي شمال مدينة بغداد العاصمة) وعليه ينص توجيه الرئيس (سحب ما يمكن من القوات من جنوب بغداد الي شمالها وان ينظم الدفاع في بغداد ويستند علي حقول الغام عميقة يشترك فيها مجهود الدولة). فرفعت يدي مستأذنا الكلام، فردّ علي وزير الدفاع الفريق الاول سلطان هاشم: انه ينقل رسالة شفوية من الرئيس وهذه الرسالة تحمل أوامر لا تحتمل المناقشة، فتوجهت الي نجل الرئيس وقلت له هل تسمح لي بالكلام؟ فسمح لي فقلت: دعونا نقف بجانب الخريطة وبدأت أشرح الموقف العام كالآتي وبشكل مختصر: للعدو جهد رئيسي علي محور الفرات والان في اعلي درجات ضغطه لاحتلال مدينة كربلاء للاندفاع من الممر المحصور بين شمالها وجنوب بحيرة الرزازة وهو عنق الزجاجة الذي ينبغي علينا ان لا نسمح له بالخروج منه. ان العدو قد ادام زخم هجومه في هذا المحور انتظارا لوصول الفرقة المدرعة الرابعة الأمريكية من تركيا. ان نصائح رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون للرئيس الامريكي بوش والتي قرأتها قبل اكثر من شهر علي موقع بالانترنت، بان أضعف نقطة في بغداد وهي اخطرها الزاوية الجنوبية الغربية منها، وهي المنطقة المحصورة ما بين الرضوانية واليوسفية، والتي تؤدي الي المطار الدولي ثم القصور الرئاسية وانه (أي شارون) مستعد لتهيئة القوات الكافية لتحقيق هذا الغرض وهو يعرف مدي صعوبة اشتراك الجيش الاسرائيلي في الحرب علي العراق. وقلت ايضا ان الجهد الثانوي للعدو علي محور (دجلة) وهو يتعرض فيه الان لاحتلال الزاوية الجنوبية الشرقية (منطقة جسر ديالي) لتطويق العاصمة من الجنوب الشرقي الي الشمال الشرقي، ويعتبر الطريق الجنوبي السريع (طريق صدام الكبير) التسهيل الهام للتعاون ما بين الجهدين وفيه يتمكن العدو من العبور نحو القصر الجمهوري واحتلاله عبر الجسر المعلق بالتعاون مع قوة احتلال المطار والرضوانية في الغرب، واذا تحقق هذا انتهت الحرب بسقوط بغداد وعليه طالبت بلقاء السيد الرئيس فورا للمداولة معه حول هذا الموضوع والغاء نقل القطعات الي شمال العاصمة خصوصا وان مسألة حقول الالغام شبه مستحيلة من نواحي الوقت والامكانيات والموقف العام. وكنت أري من الحكمة السماح لي بتقوية موضع كربلاء بفرقة المدينة المنورة كاملة، وانفتاح فرقة النداء ح ج علي نهر ديالي جنوب شرقي بغداد، واعادة فرقة بغداد ح ج للدفاع في منطقتي (الحفرية ـ العزيزية) وتكليف فرقة المشاة 16 القادمة من الموصل بالدفاع عن (نهر ديالي ـ الرستمية) وبالعمق لمسك مدخل الطريق السريع من جهة الرصافة. تحرك نجل الرئيس من مكانه من اقصي اليسار، واقترب مني وسمعته يهمس في اذني وبصوت متهدج: يا فريق ركن رعد هل انت متأكد مما طرحته الان حول الموقف العام؟ قلت: متأكد منه كما أنا متأكد من حديثي مع حضرتك، فالتفت الي الحضور ونحن ما زلنا في وضع الوقوف وقال: ما رأيكم بكلام فريق رعد؟ قال وزير الدفاع: أنا لا أقول أن كلام فريق رعد خطأ، ولكني أوصي بالعمل وفق رأي السيد الرئيس، لا وقت لنا لان الساعة 500 من يوم غد سيكون موعد تنفيذ قرار سيادته حيث طلبني للقائه بعد يومين! قلت له متعجبا يومين؟. وجاء دور رئيس اركان الجيش الفريق ابراهيم فقال: ان رأيه من رأي السيد وزير الدفاع، ثم جاء دور رئيس اركان جيش القدس الفريق اياد فقال: لا رأي لي في هذا الموضوع ولكني اؤكد علي ضرورة ايذاء الامريكان وتوجيه ضربات موجعة لهم، وجاء دور الفريق سيف رئيس اركان ح ج فقال: انا مع الرأي الذي سمعناه نقلا عن السيد الرئيس القائد ومتفق معه تماما، وهذا الرأي قد طرحته سابقا وهو الرأي السديد، أما قائد فيلق الله اكبر ح ج الفريق مجيد الدليمي فلم يتكلم. اللقاء الاخير مع قصي صدام حسينكانت الحيرة بادية علي وجه نجل الرئيس، فبادر الفريق سيف رئيس اركان ح ج موجها كلامه لنجل الرئيس قائلا: ســـــيدي ان فريق ركن رعد ذهب بعيدا وانه خالف أوامر الســــيد الرئيس حين دفع من قواته لواء يقاتل في كربلاء فهو يتحمل نتيجة هذه الخسائر وعليه يجب ان نسرع لتنــــفيذ أمر السيد الرئيس! فالتفت الي نجل الرئيــــس وهو في وضع حائر وقال لي: قم يا فــــريق رعد وبلغ ما يأتي:تكون فرقة النداء ح ج وفرقة المشاة 16 بأمرة فيلق الله اكبر ح ج ، أي الفيلق الاول ح ج، علاوة علي فرقة بغداد التي خرجت من امرتك قبل يومين، كما تخرج فرقة المشاة 34 من امرة فيلقك وتكون بأمرة عضو القيادة غازي العبيدي، ثم تدخل رئيس اركان ح ج قائلا: يجب سحب لواء 14 من كربلاء الي الضفة الشرقية لنهر الفرات، فوافق نجل الرئيس. أعدت رجائي له اكثر من مرة في ضرورة غلق ممر شمال كربلاء ولكن دون جدوي ثم طالبت بقاء لواء 14 في كربلاء ولكن طلبي لم يوافق عليه، باستثناء ابقاء جحفل معركة في قصبة المسيب غرب نهر الفرات لحماية جسري المسيب القديم والجديد، ورجوت السماح لي بنسف جسر (القائد) الاستراتيجي علي نهر الفرات فوافق نجل الرئيس، ولكن بعد برهة من محادثتي مع رئيس اركاني دق جرس الهاتف فرفعته فكان علي الطرف الآخر لواء يدعي (مظهر) لا اعرفه ولا اعرف من اين يخابرنا؟ لقد أفاد ان القوات الامريكية اندفعت شمال كربلاء وان ارتالها المدرعة تتحرك من جرف الصخر باتجاه الجسر المؤدي الي منطقة (اليوسفية) فابلغت الرسالة للحضور ولكن ليس هناك من يصدق!!! عندها طلبت من رئيس أركان الفيلق التأكد من سرية الاستطلاع العميق حول هذا الموقف والتأكيد علي أمر نسف الجسر واعلامي فوراً. ثم انصرف الحضور في جدل أشبه بالجدل (البيزنطي) حول طبيعة حقول الالغام التي يجب ان تنشأ حول بغداد وكان وزير الدفاع ورئيس اركان الجيش في طرف ورئيس اركان ح ج في طرف آخر يريد تسفيه آراء (خصومه) فلم اتمكن من البقاء لحظة واحدة اخري فقلت لنجل الرئيس: سيدي ان مصير بغداد الكارثي سيتحقق خلال 48 ساعة القادمة وارجو ان اكون خاطئا في رأيي هذا، واعتقد اننا ذهبنا مع القرار الخطأ، ارجو السماح لي بالعودة الي مقري.. فاطرق رأسه لحظة الي الاسفل ثم رفعه وهو يحدق في وجهي بنظرة حزينة لم اعهدها منه سابقا، ثم قال: (علي راحتك.. تفضل) فأديت له التحية وخرجت حزينا وانا انظر الي ساعتي فكانت تشير الي الساعة 1540 ولم يدر في خاطري بانني أري قصي للمرة الاخيرة، بعد ان قتلته القوات الامريكية مع ابنه وشقيقه يوم الثاني والعشرين من تمـــوز(يوليو) 2003 في مدينة الموصل.150 دبابة امريكية تتجه نحو(جرف الصخر) وانا اسير في شوارع بغداد وهي تتعرض الي موجة من صواريخ (كروز) وكلي حزن عليها، لأن القرارالخطأ سيسرع في النهاية المحزنة للعراق، كانت الجيوش الامريكية علي مبعدة يسيرة من بغداد، وفي الطريق الي مقري في ناحية الرشيد جنوب بغداد 25 كم وانا ساهم بافكار حزينة وفي رؤية كارثية تتراءي لي تساءلت مع نفسي من أعطي هذه المشورة للرئيس صدام حسين؟.. ما هذا الهذيان.. ما هذا الجدل السخيف وبهذا الاسلوب الذي دار في قمة القيادة العسكرية العراقية في قمة التحديات؟ هل الاقدار تعمي البصائر الي هذه الدرجة كأنه السحر الاسود الذي عاث بألباب هؤلاء وهم من اكثر قادة جيوش العالم خبرة وتجربة؟ لقد بدا لي ان ظهور عدد من دوريات العدو قرب ناظم المجرة غرب الفلوجة وشمال الرمادي وانزال قوة في منطقة سد حديثة (140 كم شمال الرمادي) قد يكون سببا في هذا القرار الخاطئ! في هذه اللحظات تم ابلاغي بتقرير الاستطلاع العميق الذي أكد رصده لاكثر من 150 دبابة وعجلة قتال مدرعة امريكية اندفعت باتجاه جرف الصخر. بعدها بقليل جاءني الخبر الذي وقع علي كالصاعقة (العدو هاجم الجسر) وقد تمكن من عبوره.معركة فيلقي الأخيرةتدارست الموقف مع رئيس اركان الفيلق وعدد من ضباط الركن وكيف سيتم الدفاع عن هذه الجبهة الواسعة بفرقتين بالاضافة الي القوة المرتبة للمعهد؟ لان العدد الادني من الفرق اللازمة للدفاع عن هذه الجبهة لا يقل عن ست فرق، هذا من ناحية، ومن ناحية اخري كنت ابحث حقيقة موقف منطقة الجسر، وهل تم نسفه؟ في هذه اللحظات وصلتنا معلومات تفيد ان عناصر استطلاع للعدو شوهدت قرب منشأة (القعقاع) الصناعية في منطقة اليوسفية أي ان العدو قد خرق بعمق 15 كم، وبدا ان هناك من يصدق وآخر لا يصدق! أحدهم قال انه يظن ان الامريكان قاموا بانزال هناك بواسطة مروحيات النقل. خرجت مسرعا لاستطلع الموقف بنفسي حيث المكان لا يبعد اكثر من 20كم عنا باتجاه الغرب، بعدما اصدرت امرا بدفع كتيبتــــين من اللواء المدرع العاشر ح ج من اتجاهين: الاول من اتجاه اللطيفية ـ المنشآت الصناعية ـ الجسر، والثاني من مفرق اليوسفية ـ المنشآت ـ الجسر، ودفع ما يتيسر من القوات الخاصة من اللواء الثالث واللواء 26 بأسرع ما يمكن، واعتبار قناة اليوسفية منطقة التحشد وانذار اللواء 22 من فرقة نبوخذ نصر ح ج في قاطع الحلة للتهيؤ للحركة مع مسك مفرق اليوسفية بكتيبة دبابات المنصور من اللواء العاشر، في وقت كان فيه الفوج الآلي مع كتيبة استطلاع الفيلق يدافعان في منطقة الجسر كما طلبت ان ألتقي بقائد فرقة المدينة المنورة هناك.قصي أرسل رئيس أركان الحرسالجمهوري لتدقيق الموقف العسكريلقد تأكدت من وجود العدو فعلا في المكان المحدد وكان عبارة عن سرية عجلات مدرعة نوع (برادلي) تمسك عطفة الطريق المؤدي الي المنشآت الصناعية، وبعد ساعتين تقريبا فوجئت برئيس اركان ح ج الفريق سيف ومدير الاركان العامة اللواء الركن حميد اسماعيل يصلان الي من طريق فرعي من اتجاه العدو وأكدا انهما شاهداه، فاكبرت بهما هذا الموقف الشجاع، وعند استفساري منهما عن سبب مجيئهما، علمت أن السيد قصي المشرف علي ح ج طلب منهما تدقيق الموقف، ولكن شجاعة رئيس اركان ح ج دفعته الي مخاطرة كبيرة وكاد أن يقتل هو ورفيقه. كانت الساعة تشير الي ما قبل منتصف الليل بساعة ونصف الساعة ولم يصلني من القطعات سوي سرية قوات خاصة بأمرة آمر الفوج الثالث وجزء من مقر اللواء قوات خاصة وسرية استطلاع فرقة المدينة المنورة ح ج وسرية مقاومة دبابات من الفيلق (صواريخ تاو محمولة علي ناقلات مسرفة) فطلبت من تلك القوة تأمين التماس بالعدو لحين وصول القوة الاكبر، كان الظلام دامسا وومضات مدفعية العدو وراجمات صواريخه واضحة خلف النهر ولكن مقذوفاتها تتفجر بالقرب منا علي شكل انفلاقات جوية تشبه انفلاقات (النابالم) وكنت أؤكد علي ضابط المخابرة العقيد جميل الاتصال بمقرنا لتوجيه ما يتيسر من نار المدفعية واكدت علي حضور قائد الفرقة وآمر مدفعية الفيلق، وفي منتصف الليل كان قد وصلني مقر لواء 26 مع قوة فوج ناقص وهنا طلبت من رئيس اركان ح ج العودة من حيث أتي ليدع الأمور لي وكنت مصمما علي حسم الموقف سريعا وكان رئيس الاركان محرجا من قصي صدام حسين وانا أعرف سبب ذلك الاحراج للآراء التي عرضها اجتماع هذا اليوم. في حدود الساعة 0200 يوم الثالث من نيسان (ابريل) خضنا معركة الجسر وكان قائد فرقة المدينة المنورة ح ج معي يقود جزءا من المعركة علي هذا المحور وآمر اللواء العاشر العميد الركن سعد الحياني يقود قوة من الاتجاه الآخر والقوات الخاصة تندفع مع امتداد قناة اروائية جافة تتصل بمنطقة او عطفة الجسر، وبعد ساعتين من القتال خسرت مجموعة القيادة والمخابرة التابعة لي من ضمنهم عقيد جميل وجزء من مقر قائد فرقة المدينة المنورة ح ج نتيجة الغارات الجوية المعادية، وقد نجونا أنا وقائد الفرقة من موت محقق اكثر من ثلاث مرات غطت وجوهنا وملابسنا طبقة من البارود والتراب بفعل عصف المقذوفات المتفجرة بيننا او بالقرب منا او فوق رؤوسنا، وقد ادهشني مراسلي الجندي محمود الذي تركته في مقري حينما رمي بجسمه فوق ظهري لحمايتي عند انفجارعدة مقذوفات جوية بالقرب منا ولم اميزه في الليل للظلام الدامس وغمامات البارود التي كانت تغطينا، ولكني عرفته من صوته. لقد توقف اندفاع دروعنا وهي بدون منظومات قتال ليلي (عاطلة او تالفة لتقادم الزمن عليها علاوة علي تخلفها التقني) نتيجة اصابة وتدمير اعداد كبيرة منها بالقوة الجوية الامريكية، وضاع املي في دفع جماعة تدمير الجسر بقيادة آمر الهندسة العسكرية للفيلق العميد ركن جاسم محمد وباسناد آمر الهندسة العسكرية ح ج اللواء الركن بكر عبد الكريم، الا اني أصررت علي مواصلة التقدم والقتال بأي ثمن كان، فان مصير بغداد سيتحدد في اليوم التالي وكان موقف آمر كتيبة دبابات الوحدة المقدم الركن قيس العداي مذهلا حين أوجزت له مهمته ومدي خطورتها أدي التحية قائلا: أنا المقدم الركن الشهيد قيس أقسم أن لا اعود الا بتحقيق هدفي، وفعلا بعد نصف ساعة سقط شهيدا وحاولت جاهدا سحب جثته الا ان من ارسلتهم لم يتمكنوا الا من جلب رتبته لشدة نيران العدو. ومن المشاهد التي أثرت في أن ضابطا برتبة نقيب صنف قوات خاصة يدعي طارق وقف امامي وقائد الفرقة عندما اقتربنا من القوات الخاصة كثيرا وهي في اشتباك شديد مع العدو وقال: سيدي ان آمر لواء القوات الخاصة الثالث طلب مني ان أمنعك من التقدم اكثر ولشدة احترامي لك لا اتمكن من ايقافك الا أني سأضع البندقية علي بطني فان تقدمت خطوة اخري قتلت نفسي، فقلت له اسمع يا ولدي ان شرف العراق أوشك علي ان يدنس اذا ما سقطت بغداد فلم يعد هناك حدود في المستويات ولم يتبق لنا سوي ساعة واحدة لشروق الشمس ان لم ننجح فما قيمة حياتنا؟ لم يتبق لي دبابة او ناقلةقبل انبلاج ضوء يوم الثالث من نيسان (ابريل) وصلت طلائع لواء القوات الخاصة الي عطفة الجسر وفي هذه اللحظات شنت اعداد كبيرة من الطائرات المقاتلة والمروحيات المسلحة المعادية سلسلة من الهجمات الشديدة علينا، فلم يتبق لي أية دبابة او ناقلة، أما عجلات القيادة العائدة لي ولقائد الفرقة فقد دمرت باحدي الغارات الجوية المبكرة بعد منتصف الليل بقليل، لقد أشرقت الشمس وطائرات العدو تمعن بقواتنا تدميرا. عندها فقدت الأمل وأمرت بالقتال التراجعي الي خطوط صد الي الخلف، لقد خسرنا المعركة بعدما اتضح لي بأن قوة العدو عند نهاية الجسر أكبر وأكثر من جحفلي معركة، فيهما من الدبابات ما يزيد عن 60 دبابة وعجلة قتال وعشرات الطائرت المروحية المقاتلة ناهيك عن القوة الجوية التي لم تمهلنا الا دقائق بين غارة واخري وبدقة لا تصدق في اصابتها للاهداف. وفي حدود الساعة 0630 قطعنا التماس بدروع العدو وقد خفت الغارات الجوية كثيرا حيث ملأت أعمدة الدخان المتصاعدة من دروعنا المحترقة سماء المنطقة ولكن الذي آلمني كثيرا أن تلك الطائرات قد أمعنت تدميرا أيضا بقري الفلاحين ضمن منطقة القتال وقتلت منهم الكثير من نساء واطفال وشيوخ، وقد رفعت آخر موقف الي مقرنا الاعلي حول طبيعة المعركة ونتائجها وختمت ذلك الموقف بالقول: لم تنقصنا الشجاعة ولن ننكر شجاعة عدونا ولكن تقنيات أسلحتهم وتفوقها الذي لا يجاري حسم المعركة لصالحهم. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية