قبل حوالي عام، وأثناء مكوثي في الولايات المتحدة بصفتي محاضرة زائرة، في معهد أبحاث اليهودية في جامعة فلوريدا، طلب مني توجيه يوم دراسي في الذكرى المئوية لوعد بلفور، نظمته جمعية طلابية يهودية بالتعاون مع معهد يهودي في واشنطن الذي أرسل محاضرا من طرفه. كان الحضور بالأساس طلابًا يهودا.
في جامعة فلوريدا، في جينسفيل، ما من اهتمام تقريبًا بالـ «بي.دي.اس»، وفيها حضور كبير للطلاب اليهود الذين هم في أغلبهم ناشطون في الجامعة في منظمات يهودية. ومع ذلك وقبيل الحدث الذي تناول جوهر» النزاع»، تساءلت فيما إذا كانت منظمة فلسطينية ما، أو جسم آخر في الحرم الجامعي سيدعو لإلغائه، أو يتظاهر في الخارج، أو يحتج بطرق أخرى، ولكن الحدث جرى كما خطط له.
عندما أنهى المحاضرون أقوالهم كان هنالك بعض الطلاب الذين وجهوا أسئلة استعلامية، وآخرون سألوا عن أهمية تصريح بلفور في دولة إسرائيل اليوم. سؤال طرحته طالبة جلب انتباهي، أدركت أنها تريد فحص الصورة المركبة ليس فقط صورة الحاضر بل صورة الماضي أيضًا. المحاضر الضيف سرّه السؤال وشرح العلاقة من وجهة نظره. الطالبة شكرته، وانتهت الأمسية.
ولكن شيئًا ما في سؤالها جعلني أواصل التفكير بها، لقد كانت لديها محاولة لفهم احتمالات أخرى أو على الأقل المنطق الذي يقف خلفها. لقد افترضت أنها عضوة في إحدى المنظمات اليهودية، وعندما قيل لي فيما بعد إنها رئيسة اتحاد الطلبة الفلسطينيين في الجامعة، بدا لي الحوار أكثر أهمية واثقالاً. اعتقدت أن رئيسة منظمة للطلبة الفلسطينيين ـ كبيرة كانت أم صغيرة، والتي جاءت لسماع النقاش، لا للمقاطعة أو إدانته من الخارج، وتطرح سؤالاً جديًا وتصغي باهتمام للإجابة عليه ـ هي قائدة ما كنت أريد رؤيتها في تنظيمات طلابية فحسب، واسم تلك الطالبة هو لارا القاسم.
في هذا الوقت نشر أنها موجودة في منشأة للأشخاص المرفوض دخولهم في مطار بن غوريون. إن اختيارها دراسة موضوع حقوق الإنسان في الجامعة العبرية بدا لي كاستمرار طبيعي للقيادة الحكيمة والمتواضعة التي أثرت فيّ جدًا.
لقد فكرت بتجربتي في اللقاء معها عندما قرأت في التعليقات والردود المختلفة، والتي ربما يعتمدون عليها في المحاكم الإسرائيلية، بأنها منعت حضور محاضرين إسرائيليين في الجامعة، وأنها عملت على مقاطعة «حمص تسبار». وكان هنالك من ذهبوا بعيدًا وقالوا إن وجودها خطر لأنها تنوي استخدام وسائل النقل العامة أثناء تواجدها في البلاد.
البروفيسور تمير شوريق، زميلي في المعهد نفسه، كتب أمس لموظفين في الجامعات وكليات في البلاد، أن القاسم «اختارت إعطاء فرصة للنضال ليس عن طريق المقاطعة (حتى لا نقول النضال غير العنيف)، بل بواسطة القانون الذي استهدف محاربة المقاطعة ضد إسرائيل، تحاول دولة إسرائيل منعها من خرق المقاطعة»، لقد اقتبس اريك كليجرمان الذي كان مدرسًا للارا في المعهد، وكتب لمحاميها: «في الوقت الذي هي عالقة في المطار في تل أبيب، أنا متأكد أن هذه المرأة الفلسطينية الأمريكية تفكر بأحد الأصوات اليهودية الهامة جدًا في القرن العشرين، ألا وهو فرانس كافكا، وبالرغم من أنها جاءت إسرائيل لتدرس عن العدل فإنها وجدت نفسها في غياهب النسيان متهمة من قبل أناس لا يخجلون».
عندما سمعت، أمس، أن طلب أعضاء طاقم تعليمي في الجامعة العبرية لزيارتها في مكان احتجازها قد رفض، اعتقدت أن حراس العتبة الواقفين «أمام بوابة قانوننا»، قد فعلوا أمرا عظيما بمفاهيم كافكاوية. إن حقيقة عدم وجود أقارب من العائلة لديها هنا ربما يكون جزءًا من القصة التي أحضرتها إلى هنا، ودولة إسرائيل تريد منع دخول هذه القصة نفسها.
أنا اتساءل من هم الطلاب الذين يجب أن يدرسوا في برنامج عن حقوق الإنسان، وكيف سيفتتحون دراستهم في الوقت الذي فيه إحدى الطالبات (التي أمر دراستها في هذا البرنامج مرهون بالمحكمة)، مسجونة منذ ستة أيام في «جناح المرفوضين».
ما الذي يمكن تعلمه من هذه القضية، وكيف بالإمكان مناقشتها، حيث الطالبة نفسها ربما تكون أو لا تكون في الصف الدراسي؟ كيف بالإمكان عمومًا عقد برنامج كهذا في دولة تريد أن توقف خارج البوابات دخول قصة عن أقارب عاشوا هنا في الماضي؟
بالإمكان الذهاب بعيدًا والحديث عن تلاعبات وأعمال تحايل، وبالإمكان الافتراض بأنها جاءت إلى حدث يهودي يحتفل بتصريح بلفور من أجل «التعرف على العدو».
هذا ممكن. أعتقد أن الإمكانية لحوار، ولوجود حقوق إنسان، وتحديدًا إلى قيادة لديها استقامة ومنهج إنما تأتي من أناس يريدون أن يسمعوا ويتعلموا ويقترحوا نهجًا. كنت سأكون سعيدة أن أرى قيادة كهذه هنا، في الفضاء الذي نعيش فيه.
ياعل شنكر
هآرتس 9/10/2018