محمد بوعبد اللهبين ثورة مباركة يتغنى بها الكثيرون في الجزائر، كل وفقا لمآربه ومقاصده، وبين استقلال يراه كثيرون أيضا منقوصا، حتى بعد خمسين سنة من إنجازه، لا تزال فرنسا الرسمية تمسك بخيوط الممارسة السياسية في مستعمرتها القديمة، أو هكذا يبدو على الأقل، بل حتى هناك من يراهن على أن باريس هي من ترسم الخطوط الحمراء والخضراء للعلاقة الدبلوماسية بين البلدين، وإلا ما معنى أن يقر البرلمان الفرنسي قانونا لتمجيد الاستعمار، بكل ما يعنيه ذلك من ازدراء للجزائريين وتبجح بالجرائم الشنيعة في حقهم، فما يكون من الجزائر الرسمية سوى أن تضع حجر عثرة أمام الدعوة إلى تجريم الاستعمار قانونيا. ورب عذر أقبح من ذنب، كما يقول المثل، فإن ما ساقه المسؤولون الجزائريون لمنع طرح فكرة تجريم الاستعمار الفرنسي، لم يكن مقنعا قبل عامين، بل حتى أنه ضرب عرض الحائط بمبدأ المعاملة بالمثل في العلاقات الدبلوماسية، فقد مجدت فرنسا استعمارها بعزة وافتخار من خلال قانون صوت عليه النواب في البرلمان، ولم تعر باريس حينها أي اهتمام لضرر يلحق العلاقة مع الجزائر، أما نوابنا الذين سعى عدد منهم ليس بالقليل إلى طرح مشروع التجريم، فقد عادوا خائبين بخفي حنين بعد أن سقطت كل أقنعة الذود عن سمعة الشهداء وثورة نوفمبر المجيدة. لقد كان العذر حينها أن مشروع القانون إياه سيضر بالعلاقات الجزائرية الفرنسية التي لم تأبه لها باريس مطلقا، وليس غريبا بعدها أن يتطاول الفرنسيون على الجزائريين بحركات لا أخلاقية مهينة ومخزية، مفادها أن اليمين الفرنسي لن يقبل بالاعتذار عن جرائم الاستعمار حتى يلج الجمل سم الخياط، وليتنا سمعنا منهم هذا الكلام أو شيئا مشابها، ولكن فعل دنيء أساء لشرف الجزائر على وسائل الإعلام الفرنسية ومواقع التواصل الاجتماعي، ولست ممن يعتقدون أن الإساءة تمس المسؤولين أو من طالبوا بالاعتذار فقط، بل كل من يسيل في عروقه دم جزائري، حتى لو كان ينطق بلسان فرنسي في باريس نفسها. وإذا كان هذا الجنون الفرنسي يجد في مبادئ الجمهورية ما يجيزه باسم الحرية، فضلا عن القول إن فرنسا الرسمية لم تكن من يقف وراء الإساءة، فإن اللوم يقع حتما على المسؤولين الجزائريين الذين أضاعوا شرف الجزائر وعزتها وكرامتها، كل حسب موقعه ومكانه في السلطة والحكومة، وإلا فالصمت جريمة أيضا، تعزز النظرية القائلة إن حزب فرنسا يتحكم في مفاصل الدولة الجزائرية، والتي لم تقم لها قائمة إلا بدماء الجزائريين وسقوط ملايين الشهداء منهم قبل الثورة وأثناءها، من أجل أن يتحقق الاستقلال التام وليس المنقوص. فهل بعد اليوم عذر ما دامت فرنسا التي أدارت ظهرها للاعتذار، قد مرغت أنوفنا في التراب بالإساءة مجددا؟. قد يقول قائل أو نفر من القائلين إن إثارة النعرات نفخ في فتنة بين الجزائر وفرنسا، ولكن حق القول عليهم ألا في الفتنة سقطوا بأن جعلوا مصلحة باريس فوق كل اعتبار، أم هل تكون مصلحة الجزائر مع فرنسا وحدها دون بلاد الله الشاسعة شرقا وغربا؟ وما هذه المصلحة التي تجعل ما يسمى بحركة ‘ذراع الشرف’ الفرنسية تمرغ أنوف الجزائريين التي يتباهون بها في أمثالهم عن العزة والكرامة؟ أليس حريا بمسؤولينا أن يصروا على اعتذارين، وليس اعتذار واحد، قبل أن تطأ قدم الرئيس الفرنسي أرض الشهداء المُساء إليهم أيضا؟ وليت شعري كيف استقبل أولئك الذين يناصرون المنتخب الفرنسي قلبا وقالبا تلك الإهانة الشنيعة؟ . إن العلاقات الدولية مبنية على المعاملة بالمثل، والبادئ أظلم، ولا سبيل لاحترام الآخر لك إلا باحترامك لنفسك أولا، وأما المرجفون والذين في قلوبهم مرض، فتراهم ينافحون من أجل أن تكون مصالح فرنسا في المقام الأول، وتراهم يميلون كل الميل إليها كلما نافسها الآخرون من عرب وعجم في فتح مجال الاستثمار بالجزائر، وأين هم أولئك الذين دعوا إلى قطع العلاقات مع أشقائنا المصريين لما تطاول علينا السفهاء فيهم؟ أم أن فرنسا التي تركت حزبها بوعد من ديغول أن تكون الجزائر راكعة صاغرة، هي وحدها الخط الأحمر الذي لا ينبغي الاقتراب منه؟. ورب قائل أيضا إن البرلمان الفرنسي أقر نهائيا يوم الخميس اقتراحا بجعل 19 آذار/مارس يوما وطنيا لإحياء ذكرى ضحايا حرب الجزائر من الطرفين. ولكن دعونا نذكّر أن البرلمان نفسه أقر تمجيد الجرائم في حق الجزائريين، فأي القانونين هو الأحق بالنظر فيه ما دام ثمة تناقض عجيب، يؤكد أن التوقيت غير بريء في لحظة قرع طبول الحرب في شمال مالي، وقبل فترة وجيزة من زيارة فرانسوا هولاند إلى الجزائر.. لعل الذكرى تنفع الجزائريين الذين يؤمنون بالجزائر أولا.. ولا مكان لفرنسا في قلوبهم ثانيا، إذ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.. ‘ صحفي جزائري مقيم بإيران