الرد الذي قدمته حماس الأسبوع الماضي للوسطاء بخصوص اقتراح بايدن – نتنياهو لصفقة التبادل، عكس مرونة في موقف حماس، بخصوص الانتقال بين مراحل الصفقة وإمكانية مناقشة قضايا تتجاوز عدد السجناء الفلسطينيين الذين سيتم إطلاق سراحهم. ربما هو أمر يتعلق بالجهود الأمريكية التي بذلت على دولة وساطة أخرى: قطر. اعتماد حماس المالي على قطر كبير، ومؤخراً واجه القطريون حرباً نفسية تجري ضدهم في واشنطن وتكشف منظومة التأثير المتشعبة التي أدارتها العاصمة الأمريكية والجامعات باستثمار مليارات الدولارات.
بعد رد حماس، ثمة روح إيجابية سيطرت على كبار جهاز الأمن الذين يأملون بالتوصل إلى تنفيذ المرحلة الأولى للصفقة. المرحلة التي سيتم فيها إطلاق سراح 33 مخطوفاً لأسباب إنسانية، نساء وكبار سن وجرحى، رغم أن حوالي 18 ما زالوا أحياء منهم. وزير الدفاع غالانت، ورئيس الأركان هليفي، صرحا في هذا الأسبوع علناً بتصريحات لصالح عقد الصفقة رغم أنها ستلزم إسرائيل بتقديم تنازلات مؤلمة. تلقى غالنت انتقادات من المقاعد الخلفية في حزبه (الليكود).
لكن رغم الرحلات المكوكية في هذا الأسبوع بين القاهرة والدوحة، يبدو أنه لا توجد أسباب للتفاؤل حتى الآن. مبعوثو الإدارة الأمريكية يعتقدون أنهم ربما سينجحون في التوصل إلى صفقة، وأن نتنياهو سيضطر لقبولها، لكن يوجد شك بذلك. التقدير الأقرب للمنطق أن رئيس الحكومة سيؤخر رده إلى ما بعد إلقاء خطابه في الكونغرس في 24 الشهر الحالي. ولكن يمكن العثور دائماً على ذريعة من أجل الانسحاب من المفاوضات.
الصعوبة الرئيسية تكمن في الواقع الأساسي، وقد تم إثباتها مساء الأحد فيما عرف بـ “تأكيد القتل”، أي التصريح الذي أصدره مكتب نتنياهو قبل بضع دقائق على عقد رئيس الحكومة جلسة حول المفاوضات مع رؤساء جهاز الأمن. وأضاف رئيس الحكومة هناك عدة بنود تعجيزية، وكأنها استهدفت ضمان أن لا شيء سيتقدم في المحادثات. للوهلة الأولى، هي طلبات أمنية مثل: منع عودة المخربين إلى شمال القطاع، والإبقاء على وجود الجيش الإسرائيلي في ممر نتساريم؛ والحفاظ على السيطرة على محور فيلادلفيا ومعبر رفح لمنع تهريب السلاح من مصر؛ وتمكين إسرائيل من استئناف القتال حتى تحقيق أهداف الحرب. عملياً، نتنياهو يقول “أنا مستعد لوقف الحرب إذا وافقتم على ضمان سيطرتنا الأمنية على النقاط الرئيسية في القطاع”.
حماس لا تميل للموافقة على هذه الطلبات. في حين أن نتنياهو يستند إلى الاستطلاعات الدالة على أنه حتى لو أراد الإسرائيليون إعادة المخطوفين، فإن الأغلبية تخشى من التنازل عن إنجازات الجيش الإسرائيلي في الحرب. ولكن ليس هذا هو الموضوع، ولا الأخطار التي تنطوي على إطلاق سراح 1000 سجين أمني، من بينهم قتلة. بل إن جوهر الموضوع، على الأقل منذ كانون الثاني الماضي، هو اعتماد نتنياهو على شريكيه، وزيري اليمين المتطرف بن غفير وسموتريتش، اللذين أعلنا في السابق بأنهما سيفككان الائتلاف إذا ذهب إلى صفقة. شبكة الأمان التي سيقدمها له عدد من أحزاب المعارضة لتنفيذ الصفقة، لن تعزيه. بل ستعمل لفترة محدودة، ثم ستطالب بإجراء انتخابات مبكرة. هذا يبدو وكأنه السبب الرئيسي لإدخال عقبات جديدة كمطالب لإسرائيل.
مثلما في جولات محادثات سابقة، يحرص رجال بايدن على نثر غبار التفاؤل. ديفيد ايغنوشيوس، المحلل العسكري في “واشنطن بوست”، كتب أمس نقلاً عن جهة رفيعة في الإدارة الأمريكية بأن الخطوط الأساسية في الصفقة متفق عليها، وأنهم الآن يناقشون طريقة تنفيذها. حسب قوله، هنا يكمن تحديث جديد، إسرائيل وحماس اتفقتا على إقامة حكم مؤقت في القطاع. هذا يعني أن هناك حكومة مؤقتة يتم تشكيلها خلال المفاوضات على المرحلة الثانية في الصفقة ولن تكون خاضعة لأي طرف من الطرفين. هذه الحكومة ستعتمد على قوة حماية قوامها 2500 شخص، تم تدريبهم من قبل الأمريكيين، الذين سيكونون مرتبطين بالسلطة الفلسطينية. إذا تحقق هذا السيناريو فستعود حماس لتصبح نوعاً من حزب الله في القطاع، قوة عسكرية تعمل من وراء الكواليس، لكنها تبقي الصلاحيات المدنية لمنظمات أخرى. هذا يبدو فكرة بعيدة المدى يصعب معرفة كيف سيتم تطبيقها، في حين أن العدد المتواضع لرجال الحماية الذي تم ذكره لن يمكن من السيطرة الناجعة في القطاع.
بين الأهرامات
في بداية هذا الأسبوع، بدأت الشهر العاشر للحرب ضد حماس. اليوم يصادف ذكرى أخرى، الذكرى الـ 18 لحرب لبنان الثانية. رغم المنشورات التي تزعم العكس هنا وهناك، إلا أن إخفاقات الحرب الحالية لن تكون سبباً للاشتياق إلى حرب 2006. كانت حرباً فاشلة، ورغم أنها لم تنته بالهزيمة، إلا أنها تذكر بأنها حرب مخيبة للآمال ظهرت فيها محدودية قدرات الجيش الإسرائيلي.
بعد سنة ونصف على تلك الحرب، قمنا أنا وآفي يسسخاروف، بتأليف كتاب سميك بعنوان “خيوط العنكبوت”، حاول وصف مجريات الحرب. في الأشهر الأخيرة حصلت على صور من جنود احتياط: في غرفة عمليات، في الشمال أو في الجنوب، يقرأ هذا الكتاب. المحبط جداً فيه، بتصفح جديد، هو أن عدد الإخفاقات والعيوب التي تميز الجيش الإسرائيلي وحكومة إسرائيل لاحظها الجيش في حينه، وفي أعقاب ذلك تم البدء بعملية التصليح. وقد حكم علينا بتكرار بعضها، هذه المرة مع نتائج أخطر، بدرجة لا تقدر (عدد القتلى في الحرب الحالية عشرة أضعاف عددهم في الـ 34 يوماً في الحرب السابقة).
صعوبة الحرب الحالية في هذه المرحلة تتعلق بالفجوة بين صورة قوة إسرائيل قبل الحرب وقوتها كما يتم عكسها في الواقع. الجيران، سواء الأصدقاء والأعداء، بدأوا يتشككون، لكنهم يجدون صعوبة في تقدير وضعنا الحقيقي. إسرائيل بعد المذبحة، العالقة عميقاً في الشرك الاستراتيجي الذي أوجدته حرب بدون حسم في الجنوب وفي الشمال، هي أفعى جريحة في أصعب ساعاتها. ربما جزء من الأخطار التي تأخذها على عاتقها لا تعكس فهم حالتها الحقيقية.
الأمر يظهر في القرارات حول مواصلة سياسة التصفية لكبار قادة حزب الله، رغم الخوف من الانجرار إلى حرب شاملة، في الوقت الذي لم يتم حل أزمة التسليح مع الولايات المتحدة، مع تآكل قدرة الجيش الإسرائيلي في غزة. هذا ينطبق أيضاً على قضايا تجري حولها أزمة داخلية عاصفة، من قانون التجنيد وحتى قانون الحاخامات، بدون أن يستوعب المستوى السياسي خطورة الصعوبات، وأن يبلور خطة للتغلب عليها بسرعة.
إن شرك صورة القوة لا يتعلق فقط بالعلاقات بين المستوى السياسي والمستوى الأمني. بل يظهر أيضاً في تقارير الجيش نفسه. وفي كل زيارة يقوم بها رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس الأركان في الوحدات في الميدان، يقول لنا كبار المسؤولين بأنهم تشجعوا مما شاهدوه هناك واستمدوا منه الروح القتالية. عملياً، كما يعرف كل شخص خدم في الجيش، بأنه يصعب الهرب من النمط الذي يقول فيه قائد الفصيل لقائد الكتيبة الذي يبلغ قائد اللواء، بالضبط ماذا أراد أن يسمعه من البداية. تقريباً لا توجد حالة، حتى في وقت الحرب، يعترف فيها قائد أمام المسؤولين عنه بكل الصعوبات الحقيقية. هذه أيضاً روح تهرب في المقابلات مع وسائل الإعلام عندما يأتي المراسلون لزيارة القوات.
قبل بضعة أشهر، تم هنا وصف استراتيجية إسرائيل في عهد نتنياهو كنوع من العرض العبثي. خداع هرمي استمر سنوات، وتحطم بضجة كبيرة في 7 أكتوبر، وتظهر نتائج فشله الآن بكامل خطورتها. وتم اكتشاف الخطوات التي وعد بها الجمهور وتسويقها المتغطرس بكامل وضاعتها منذ ذلك الحين. تبين أن إسرائيل في ظل نتنياهو لم توقف المشروع النووي الإيراني (قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي بتشجيع من رئيس الحكومة، نتيجته تسريع تقدم إيران). تهديد الصواريخ والقذائف حول إسرائيل ازداد، وبعد ذلك تم تحقيقه بشكل نزع قدرته بالكامل على ظهوره كـ “الحامي الكبير” للإسرائيليين، حسب تعبيره. أما القضية الفلسطينية فلم يتم إدخالها في تجميد عميق، بل عادت بكامل نشاطها. في حين أن الخطوات الالتفافية أمام الدول العربية السنية تلخصت في عهده بإقامة علاقات دبلوماسية غير بسيطة مع الإمارات والبحرين بدون أن تحصل إسرائيل على الجائزة الكبرى التي وعد بها، التطبيع مع السعودية.
لكن القصة لا تقتصر على البعد الاستراتيجي، فثمة مشكلة شخصية سياسية، التي تكمن فيها بداية سقوط نتنياهو. مشكلاته بدأت في 2017 – 2018 حول نضوج ملفات الآلاف التي أدت إلى استقالة عدد من مستشاريه ومقربيه بعد ذلك بقليل. هنا تم تمهيد الطريق لعدم الاستقرار الاستثنائي الذي سيطر على المستوى السياسي وأدى إلى خمس جولات انتخابية في غضون ثلاث سنوات.
في النضال على تأخير الإجراءات القانونية ضده، والتهرب من الزنزانة التي أصبحت تظهر بوضوح كنتيجة متوقعة بعد انتهاء المحاكمة، باتت كل الوسائل مشروعة. ظهرت لحظة الحضيض بعد عودته إلى الحكم بعد فوزه في انتخابات 2022. في حينه، تم عقد التحالف غير المقدس مع اللاعبين الثلاثة الرئيسيين، الذين لم يكن نتنياهو القديم ليتجرأ على تخصيص وظائف رفيعة لهم في حكوماته السابقة – ياريف لفين في منصب وزير العدل، وسموتريتش في منصب وزير المالية (وزير ثاني في وزارة الدفاع، والذي حصل فيما بعد على السيطرة بالكامل على المستوطنات)، وبن غفير كمهرج للأمن الوطني.
هذه الخطوات عادت لتطارده وتطاردنا كما حذر كثيرون رئيس الحكومة مسبقاً. ومشكوك فيه إذا كان لنتنياهو مصلحة مبدئية في تغيير جهاز القضاء من الجذور، لكن منذ اللحظة التي أعطى فيها المفاتيح لمتعصب منغلق مثل لفين، باتت النتائج معروفة مسبقاً وتضمنت مواجهة داخلية غير مسبوقة، وفي أعقابها أزمة عميقة في جيش الاحتياط، التي غمزت بالتأكيد ليحيى السنوار لاتخاذ قرار شن الهجوم المفاجئ في الغلاف. الشركاء الآخرون في الائتلاف كانت لهم أسباب خاصة بهم لدعم هذه الخطوة؛ فالحريديم أرادوا الدفاع عن الطريقة الفاسدة للحصول على الدعم المالي وأرادوا إضعاف رقابة القضاء، ما صعب ضمان إعطاء إعفاء ساحق من الخدمة العسكرية لرجالهم. أما المستوطنون فقد أزعجتهم المحكمة العليا (قليلاً) لمواصلة مهمة السيطرة على الضفة الغربية.
من اللحظة التي تسلم فيها سموتريتش وبن غفير منصبيهما، قاما بتسريع عمليات الهدم. المعلومات الاستخبارية التي جمعها الجيش في القطاع في الأشهر الأخيرة تؤكد تحذير “أمان” لنتنياهو في فترة الانقلاب النظامي: الانقسام الداخلي حث حماس وجعلها تشعر بأن عليها العمل إزاء خطوات أحادية الجانب، التي قادها بن غفير في القدس (تغيير الوضع الراهن في الحرم)، وسموتريتش في المستوطنات. هذا الأمر لا يقلل بحد ذاته من خطورة فشل “أمان” (الاستخبارات العسكرية)، التي استخفت بالإشارات التي تدل على استعداد حماس لتنفيذ المذبحة.
هنا يضاف خداع هرمي آخر، الموجود أيضاً كما يبدو في مرحلة الانهيار. نتنياهو ساحر سياسي، كما يثبت ذلك تاريخه الطويل، لا سيما بقاؤه في الحكم رغم الفشل الذريع في عهده. مشكلته أنه لم يعد قادراً على مواصلة بيع نفس الشيكات بدون رصيد. الدائنون السياسيون تجمعوا حوله بالفعل، واشتموا رائحة الضغوط.
جزء كبير من الجمهور وكبار قادة جهاز الأمن يتوقعون منه عقد صفقة التبادل. بن غفير وسموتريتش يهددان بحل الائتلاف إذا وافق على الصفقة. سموتريتش، في لحظة مدهشة من الجهل وعدم المعرفة، أوضح أول أمس في مقابلة مع “كان” بأن الجيش الإسرائيلي سيبطل قدرات حزب الله بحرب قصيرة في لبنان، وكل المطلوب اتخاذ القرار. الحريديم يضغطون عليه من أجل الاستمرار في تمويل المدارس الدينية. المحكمة العليا تهدد باتخاذ خطوات إذا لم يحل أزمة التجنيد وإذا لم يقم الجيش بتجنيد الحريديم.
في نهاية هذه المسيرة الطويلة والمتشعبة، ستأتي لحظة الحقيقة عندما يتضح أنه لم يعد بالإمكان خداع كل الناس طوال الوقت.
عاموس هرئيل
هآرتس 12/7/2024