قبور زجاجية

حجم الخط
0

قبور زجاجية

نجاة عليقبور زجاجيةسوف أتمشي أولاً في تلك الممرات العمياء، لتدركوا أنني لا أخاف شيئا فكل الأمور في نهاية المطاف عديمة القيمة. في البداية يجب أن أمتدح بصدق هؤلاء القتلة والأعداء الذين أناروا لي الطريق حتي أفيق من غيبوبة طويلة. وربما فكرت أيضا في مصادقتهم. أن تصاحب داعراً خير لك من أن تصاحب هواجس وأشباحا رمادية تتحرك في الظلام علي بعد خطوتين منك.سوف أتأكد أولاً من أنني مازلت علي قيد الحياة من وجودي بينكم، من أنني لم أصبح شيخاً بعد . لذا سأتجول وحدي في شوارع مدهونة بالأزرق، وبيوت أسمنتية خاوية الا من العناكب وروائح الأجساد المتحللة. سوف تكون هناك لحظات نادرة لن تتكرر ثانية تمارسون فيها رومانسيتكم ـ والتي قتلتكم ذات يوم ـ ثم ترجعون بعدها أناساً عاديين يتحركون وحدهم بخفة في الظلام. ففي هذه الدنيا الحافلة بالمفاسد سوف تظل الأفعال علي حقيقتها دون رتوش. يمكن أن يفتح كلٌ منا قلبه للآخر دون أن يستغله. سأكلمكم فقط عن الألم الذي يقبع هنا في الرأس التي تشبه كرة ثلجية ما أجمل هذه الكلمة البليدة، والأجمل منها هي تلك الأنواع التي يمكن أن تتفرع عنها أو ربما تبدو لنا أقل شأناً منها. سوف نسمي مؤقتاً تلك الآلام التي تسكن هنا في الرأس آلام العقل تسمية جميلة وهادئة ولن تغضب أحداً منا، وهي تختلف بالتأكيد عن آلام القدم التي صارت عاجزة عن كل شيء، وعن آلام الرقبة التي تنشط ليلاً… ثم آلام الفكر والادراك، وآلام القلب، والآلام العاطفية التي تتعذبون بها، وآلام النفس والروح، ثم آلام الجسد، والآلام المختفية تحت السطح، ثم الآلام المكشوفه ابتداء من آلام شعر الرأس ونزولاً بالتدريج حتي آلام القدمين التي تمتلئ بالانتفاخ والاحمرار. سأضيع الوقت مع الساقطين من أمثالي، نتفرج معاً علي جنازات حقيقية سوف تمر، ودفن حقيقي، وأشباح تتمرغ بمتعة في التراب. ما أجملها تلك الكوميديا المثيرة مع التراب ومع الموتي.بالطبع لن أقص عليكم كل شيء. ولا تطمعوا في المزيد من الحكايات التي تشبه المصائب التي تلتف حولي. لنكن قانعين يا اخواني ونتشبه بالزهاد، ولنرض بالقليل، القليل جدا، ونبتهج بالساق المبتورة والجسد المتآكل والعمي الذي أصابنا مؤخراً.يجب أن اذكركم أنه لا حاجة بنا لأن نتكلم عن أمور مثل الحزن أو اليأس أو الموت، فهي جزء من قدر طيب ننعم به في هذه المدينة المظلمة التي تفتح أبوابها لنا وحدنا، مدينة من اللقطاء المشردين، بها ثقوب حالكة السواد. أكتم أنفاسي حين أمر بين شوارعها أو حين أراقب تلك الوجوه المرعبة التي تمرح في دمائهم بقسوة لا تدركها الحواس. والانسان يا اخواني لا يمكن أن يكون مجرد آلام، والا فما معني الاشياء الأخري. أن يصبح الجميع منتحبين، شاكين ليس الا، سيتحول الأمر اذن طوال الوقت الي منافسة غير شريفة بالمرة. ما يشغلني بالفعل هو وضعي هكذا، كائن ممدد وحده في الفراغ يود أن يتذكر أشياء تروح وتجيء، لكنه يخلط الأمور ببعضها، انها النفس المليئة بالملل، والتي لا تكمل أي شيء. أنا صراحة- كملك بلا رعايا ـ كنت ـ أستمتع بهذا الاستلقاء العقلي…. الذي يطول بي أحياناً ويجعلني أقارن بينه وبين الاستلقاء الجسدي الذي يفتح الطريق لنفس الأسئلة التي لا اجابة لها، ومع هذا أكررها بالحاح كانني سأتلقي عليها رداً شافياً ذات يوم.شاعر من مصرnagat ali [[email protected]]0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية