وسط عتمة الأحداث تتجلى قصة إنسانية تنبع من دواخل نقية تشكل روح الرواية، وهي قصة حب صادقة ونبيلة، تستمر رغم سخونة الأجواء المحيطة بها وسيادة القهر والموت والقسوة والاضطهاد والاستبداد. فتكتوي فاتن الطالبة الجامعية بذكرى خالدة تدوم معها طيلة حياتها لحدث كاد أن ينهي حياتها، لولا شهامة الشاب حيدر، الذي ينقذها في آخر لحظة من بين عجلات القطار، ورفعها من بين براثن عجلات الموت ويسجل موقفاً يظل مستمرا مدى الدهر بينهما، ولكنهما يستذكرانه فقط دون أن يرى أحدهما الآخر حتى الرمق الأخير.
بعد تلك الحادثة التي صارت أيقونة الحب النقي، الذي لم يسفر عن شيء جديد بينهما سوى الذكرى الصادمة المؤلمة، والتعابير الحياتية المصاحبة لتفاصيل أيامهما التي صارت قاتمة وخالية من الحياة. بين بواطن هذه الحكاية تنتقل أحداث رواية «حلّق مع الحمام» للكاتب العراقي أحمد طابور، وتتصاعد وتيرة أحداثها في أجواء ملبدة بالظلم والتعاسة والحروب، والانتصارات الفارغة، التي ظلّت هي الشغل الشاغل لبعض الرموز، ومنهم الشاعر ضرغام الذي يتقرب من فاتن ويستطيع إقناعها الاقتران به، رغم ما حدث لها من انتهاك جسدي من قبل ابن الرئيس، لكن الصدمة أن زوجها الشاعر ضرغام يزداد نفوذه وثروته، ولم يعر أي أهمية لما حصل لزوجته.
تدور أحداث الرواية التي كتبها أحد أبطالها وهو جميل الهاشم، حول البحث عن حيدر الشاب المجهول الذي أنقذ حياة فاتن من حادثة القطار، وصار هو اهتمامها الأول، رغم كل ما مرت به من أحداث قاسية فهي تظل تحتفظ بالذكرى الأبدية التي لا تتزحزح عن تفكيرها لحظة واحدة، وأنها أعجبت بمنقذها لشجاعته، وأحبته بمنتهى الإخلاص. يدخلنا الروائي أحمد طابور في لعبة خطيرة في سرد الرواية، حين ينقلنا من حدث إلى حدث آخر مشابه له، لكنه يختلف بالمضمون مستخدما اللغة حين يناور بها مع تقنية الأسلوب الذي استخدمه مبتعدا عن ترتيب الفصول في الرواية. فهو يلجأ إلى عنونة الفصل باسم لأحد الأصوات الصانعة للرواية وهم بالطبع فاتن وحيدر وجميل وضرغام، يتناوبون على رواية الفصول لإكمال الأحداث وهي طريقة قد تحيلنا إلى متاهة في البدء، لكنها تقودنا إلى مساحات من الفهم المتتالي للأحداث وفهم مآلات الرواية في النهاية. تسيطر فاتن على الأحداث رغم أن الأصوات الأخرى موجودة ومهمة في سردها لحكاياتها، لكنها تتفق جميعها على الأغلب في الاهتمام بشخصية فاتن المحورية، ومدى أهميتها في الحدث الأساس في الحكاية. ومما لا شك فيه أن الروائي أحمد طابور أراد أن يصنع سردا مختلفا يحتوي على طرق ومفازات في تصويره للأحداث، خاصة حين يقودها بعض السماسرة إلى مخدع ابن الرئيس، الذي صوّره الكاتب ليحيلنا إلى مرحلة خطيرة من تاريخ البلاد، ولكنه عبّر عنها بهذه المشاهد التي ترجمت الواقع، وقرّب صورته للمتلقي وكان بحق ذروة الحكاية وانعطافة بالغة الخطورة فيها.
إن الأحداث التي تتابعت في «حلّق مع الحمام» هي سرد خارج المألوف الروائي، ولكنه أدى الغرض وقال إن تعدد الأساليب لا يضيّع متعة المتابعة، ولا يؤثر على فسحة الرواية مهما تعددت الأصوات التي تروي الأحداث بطريقتها التي نجح الكاتب في إبعادها عن التشابه، وبالتالي وضع لكل صوت هويته الخاصة به، ولكنه خلق جوا متشابها في التصريح بالإعجاب بفاتن. فالأصوات الأخرى كانت منجذبة إليها وتريد الحصول على إعجابها وهي طريقة جعلت من الأصوات الساردة عبارة عن أشخاص يتحدثون عن التاريخ الذي مرّ بهم، ولكن كل بطريقته الخاصة، وفي المحصلة نجد أنهم نجحوا في رسم لوحة متكاملة لمصائرهم ومصائر الآخرين. عبر أحاديث منحت مساحة كاملة لمعرفة ما يدور حولهم، وهم بالتالي جزء مهم من تاريخ معجون بالزيف والافتراءات والتزلف للوصول السريع الذي أدى بطبيعة الحال إلى السقوط السريع. وليس غريباً على الأصوات الأربعة الساردة، أن يجعلها الكاتب قريبة من الواقع وتروي بدقة ما يدور لأنهم هم من اشتركوا في تأليف الحكاية، وفق ما صرّح به جميل الهاشم حين قال «فما يقرأ في هذا السرد، أرجو ان لا يؤاخذ عليّ منه، حيث أنا هنا فقط ناقل لمذكرات كتبها أبطال هذه الحكاية وبتصرف بسيط، حسبما يقتضيه الأسلوب ليظهر النص موحدا، على الرغم من مقتي لشخصية الشاعر فيها».
من هنا نجد أن الكاتب عنون روايته «حلّق مع الحمام»، باعتباره أوصلنا لفكرة مفادها أن الحصول على المبتغى صعب المنال، وبالتالي ليس كل ما يتمناه المرء يدركه وهو ما خلق دائرة واسعة من التأويلات وفُسحا من التصورات والتخمينات، عن ماذا سيحدث في الغد، أو ماذا سيكون الحال بعد ساعة أو بعد ساعتين. فالعنوان دالة معبّرة عن مكنون الحكاية التي ظلت تغزو صفحات الرواية، وراحت تقلب الأحداث تارة مع الاستذكارات المتعلقة بحادث القطار، وتارة مع ما حدث لفاتن مع ابن الرئيس. فكلاهما سيؤديان بمسار الأحداث إلى التباعد والانحراف عما يتوقعه القارئ، أي أن عنصر المفاجأة ظل موجودا في كل صفحة ومع كل عنوان لفصل جديد (لكنه لم يحلق مطلقا مع الحمام وهذه كانت أمنيته التي يرددها باستمرار ذات يوم سأحلق مع الحمام).
لأول وهلة ذكر الكاتب في الاستهلال والخاتمة أن كاتب الرواية، كما ذكرنا هو أحد الأصوات الأربعة وهو جميل الهاشم، الذي ذكر مأساة انتحار فاتن بالسم ويعدّ أحد المشاهد المؤثرة التي انتهى فيها الحديث عن كل شيء (وقد وجدت فاتن ذات صباح خريفي مشمس في منزلها الكبير مسجاة على فراشها الأثير في مخدعها، وقد تجرعت كمية من السم)، فيما ذكر كاتب الرواية المفترض جميل الهاشم، أن الحبيب المجهول حيدر هو الآخر مات أيضا (إذن مات حيدر وهو لم يقرأ مذكرات فاتن، ولم يقرأ روايتي فعاش طوال عمره يتأمل هذا الحب، إلَّا أنه رحل وغاب مرة أخرى، دون أن يعرف أن فاتن تبادله ذلك الحب الأبدي الحزين ذاته).
اعتمد الكاتب أحمد طابور على مجموعة افتراضات جسدت المتن الحكائي لروايته أهمها، جعل الرواة يتوزعون على أربعة أصوات، وكل صوت منهم يحكي مذكراته وفق رأيه وقناعته، وبالتالي يكون جزءا مهما من مذكرات متعددة أماطت اللثام عن تاريخ واحد، ولكن بأحداث متغيرة رواها الكاتب أحمد طابور عن طريق إحدى شخصياته التي كانت إحدى المحاور المهمة في الحكاية.
«حلّق مع الحمام « للكاتب العراقي أحمد طابور، صدرت عام 2024 عن دار المفكر بواقع 238 صفحة من القطع المتوسط.
كاتب عراقي