قتلت امريكا 4 ملايين فيتنامي وفشلت فكم عراقيا ستقتل لتنتصر؟
هيفاء زنكنةقتلت امريكا 4 ملايين فيتنامي وفشلت فكم عراقيا ستقتل لتنتصر؟لقد تجاوز عدد جثث الشهداء العراقيين ( المجهولة الهوية) ما يزيد علي المئة يوميا. وقد بدأ اسلوب القتل منذ عام وتزايد، فمن هو المسؤول والعراق محتل؟ هل هم حقا الشيعة يقتلون السنة ؟ أم انهم السنة يقتلون الشيعة؟لكي نتمكن من تبسيط الصورة وتوضيحها علينا ان نبدأ من يوم الخميس الماضي ونعود بعدها الي الوراء. ففي يوم الخميس 11 كانون الثاني/ يناير، خطب بوش من جديد، متوهما بانه سيضع حدا لصراعات ادارته الداخلية وحزبه واغلبية الحزب الديمقراطي في الكونغرس وغضب الرأي العام الامريكي علي مغامرة حمقاء كلفتهم المال والابناء. نطق بوش ليؤكد بانه سيرسل اكثر من عشرين الف جندي إضافي الي العراق ليحافظ علي أمن الشعب الامريكي من تنظيم القاعدة الذي يتخذ من محافظة الأنبار مقرا له ساعيا الي تأسيس امبراطورية إسلامية راديكالية في المنطقة! نطق بوش موضحا استراتيجيته ليقضي علي ( العنف الطائفي) في العراق دفاعا عن (اصدقائه وحلفائه) في المنطقة، مجددا لمستخدمه الطالباني التزامه بدعم (العملية الديمقراطية). من جانبه شكر الطالباني رب عمله علي (دعمه المستمر للعراق الجديد). علي الرغم من اعتقادي بان مناقشة كلام بوش مضيعة للوقت والجهد، الا ان وجود بوش يتميز بالاضافة الي قصوره العقلي بانه من المتطرفين المسيحيين، يعمل يدا بيد مع الصهيونية العالمية، وعلي رأس اقوي دولة عسكرية تملك اربعين بالمئة من مجموع الاسلحة في العالم، ومع وجود المستخدمين المحليين المتطوعين لخدمته في عقر دارنا، هذه الاسباب تجبرنا علي التوقف وتفحص ما يقوله ولو من اجل معرفة تأثيره الآني علي حياة الناس. يخبرنا تاريخ الاعتداء الامريكي الغاشم علي الشعب الفيتنامي بان لكل حقبة امريكية امبراطورها الذي يسير عاريا متصورا بانه يرتدي معطفا عسكريا يغطي عريه. وان لكل حقبة مستخدميها من العملاء المحليين الواقفين علي جانبي الموكب، يصفقون ويهللون لمعطف الامبراطور العاري غير الموجود، واقدامهم منغمرة بدماء ابناء جلدتهم. الشعب العراقي، اذن، ووفق هذا المنظور التاريخي منقسم حقا ولكن ليس طائفيا او عرقيا كما يحاول الاحتلال ومستخدموه ان يوهمونا والعالم. الانقسام العراقي واضح. ان العراق منقسم الي جزأين : مع الاحتلال او ضده. ولم يستطع الاصبع البنفسجي تمويه الحقيقة. في فيتنام كان التقسيم واضحا أيضا وعلي الرغم من الانتخابات في ظل الاحتلال. كانت فيتنام، ومصيبتها اكبر بكثير من العراق، مقسمة عمليا الي جزأين هما فيتنام الشمالية والجنوبية حيث قاتل الجنوبي بأمرة قوات الغزو الامريكي ضد المواطن الشمالي المطالب بالتحرير والاستقلال والكرامة، وصفق الرئيس الجنوبي أنجوين دييم وقائد القوات المسلحة الجنوبية نجوين ثيو عندما قرر الرئيس الامريكي جونسون ارسال المزيد من القوات للقضاء علي المقاومة الفيتنامية. وها هو التاريخ يعيد نفسه اليوم، بشكل مهزلة، حيث يزغرد الطالباني والمالكي والهاشمي وبقية المستخدمين الصغار الذين يوحدهم هاجس الخوف من مغادرة المحتل، مرحبين بجلب المزيد من القوات الغازية لقتل ابناء بلدهم. فهل ستحقق زيادة عدد القوات، ضمن الاستراتيجية الجديدة، النجاح لبوش ومستخدميه، وما علاقة الاستراتيجية بجثث الشهداء مجهولة الهوية؟ ما سيتحقق، بالتأكيد، هو المزيد من القتل والمجازر والمزيد من الجثث (المجهولة الهوية) واتساع مساحة الخراب بشكل متسارع وبأقسي الاساليب من قبل قوات الاحتلال لانها لاهثة وراء أي نصر كان. ما سيتحقق، أيضا، هو خلق معركة ثانوية تنثر فيها بذور الطائفية المقيتة والعرقية في اراض اكبر من مساحة العراق نفسه، كما ستهدد الهجمة الشرسة الجديدة وباستخدام تكتيك التركيز علي القصف الجوي وحصار المدن حياة المواطنين وموارد رزقهم. ان قراءة صفحة من صفحات المقاومة الفيتنامية ضد امريكا يبين التشابه بين مايحدث في العراق وفيتنام الي حد الاستنساخ تأكيدا بأن عته الادارة الامريكية وتحالف العملاء معها ليس طرازا فريدا من نوعه، وان القتل الجماعي ورمي الجثث في الطرقات وتشويهها يمثل جانبا من شخصية الجندي الامريكي. ففي عام 1965، عندما تم توجيه النصيحة الي جونسون بان من الافضل له التفاوض مباشرة مع المقاومة الفيتنامية وسحب جيشه من هناك باسلوب يحفظ للادارة الامريكية ماء الوجه، كان عدد القوات الامريكية في فيتنام 23 ألفا، الا انه رفض نصيحة فريق الحكماء المماثل للجنة بيكر ـ هاملتون، وقرر زيادة القوات خلال العام نفسه (كما يفعل بوش الان) الي 184 ألفا، وصاحب كل فشل جديد للاستراتيجية الامريكية في العامين التاليين ارسال قوات اضافية حتي اصبح عددها في بداية عام 1968 يزيد علي نصف مليون جندي فضلا عن القوات المحلية العميلة. لقد صعدت قوات الاحتلال الامريكية، في الايام الاخيرة، قصفها لمناطق معينة من بغداد وديالي والانبار وبمساعدة مستخدميها. فاسقطت قنابلها علي أحياء سكنية بكاملها وقتلت الاهالي، مدعية بانها نجحت في التخلص من 50 (ارهابيا) في شارع حيفا ببغداد ومئات آخرين في مناطق مختلفة من بغداد والعراق. كما صعدت استراتيجية نحرها للشعب العراقي باسم عمليات داهم ـ فتش ـ اجتث ـ اقتل. وهي استمرار لذات السياسة التي طبقت بدون الاعلان عن اسمها في ارجاء مختلفة من العراق منذ اواخر العام 2005 وتصاعدت حدتها في عام 2006 مترافقة مع تزايد عدد جثث الشهداء في الشوارع. ان عمليات داهم ـ فتش ـ اجتث ـ اقتل، الجارية بعد تنفيد القصف الجوي المكثف هي سمات تطوير العمليات التي قامت بها قوات الغزو الامريكي ضد الشعب الفيتنامي أيضا.. حيث أصبح مقياس النجاح الاستراتيجي الامريكي في اعوام الحسم ما بين 1965 و1967 هو احصاء عدد جثث الفيتناميين، أيا كانوا، وليس الاستيلاء علي موقع معين او منطقة او مدينة او حتي التخلص من قيادة المقاومة. كما أصبح المهم في استراتيجية الغزاة هو قتل اكبر عدد ممكن من المقاومين للاحتلال وبسرعة أملا في الا تتمكن المقاومة من تجنيد من يحل محلهم عددا، مما سيؤدي في النهاية، حسب المنطق الامريكي، الي اضمحلال المقاومة ونهايتها. ادي رسم هذه الاستراتيجية الي لهفة القيادة العسكرية الامريكية وجنودها وعملائها في فيتنام الي التسابق في قتل آلاف المدنيين الفيتناميين قصفا، وحرق قري بكاملها بمن فيها، فقط للتفاخر بازدياد عدد ( الجثث)، لمنح الادارة الامريكية الانطباع بانها ناجحة في تحقيق استراتيجيتها الارهابية. ووصل الحد بالجندي الامريكي بارسال دوريات (لاصطياد) الفيتناميين وقتلهم ليلا ليبرزوا الدلائل صباحا بانهم قتلوا اعدادا كبيرة من (الارهابيين). وكانت مكافأة الجندي الامريكي القاتل المادية والمعنوية كبيرة شجعته علي استهداف أي فيتنامي يراه امامه. وكانت دلائل اثبات القتل المطلوبة وكما هو الحال في العراق، ابراز الهويات الشخصية او الاسماء او جلب الاذان المقطوعة والاصابع المبتورة. مما يترك القتلي المرمية جثثهم في الشوارع والغابات مجرد (جثث مجهولة الهوية). لقد ادي الاعتماد الرسمي الامريكي علي احصاء الجثث الي ان يقتل الجندي الامريكي أيا كان وبلا مبرر. ففي كتاب (وقت للحرب) للاكاديمي المعروف روبرت شولزنغر، يقول احد جنود المشاة البحرية الامريكية (المارينز) الذين قاتلوا في فيتنام عن تلك الفترة، بان (أي فيتنامي نجده ليلا هو العدو)، بينما أكد اخرون بفخر: (اذا كان قتيلا، لاحاجة للتأكد، لابد انه من الفيتكونغ اي المقاومة).وهذا بالتحديد ما تنفده قوات الغزو في العراق الملخصة سياستها اجمالا بنقطة واحدة اساسية هي قتل المواطن العراقي مهما كانت قوميته او دينه ان لم يكن بشكل مباشر فبشكل غير مباشر ترويعا للمواطنين وانتقاما والقضاء علي روح المقاومة. علي الرغم من كل حملات الابادة الجماعية، لم تحرز امريكا الانتصار بل اجبرت علي التفاوض المباشر مع قوات المقاومة الوطنية الفيتنامية لينسحب آخر جندي امريكي في عام 1973. وبعد عامين فقط من طرد قوات الاحتلال اعادت فيتنام الشمالية توحيد البلاد منهية بذلك سياسة التجزئة والتفتيت الامريكية المبنية علي الطائفية والعرقية والترويع باسم (الحرب ضد الشيوعية) او كما تسميها اليوم (الحرب علي الارهاب).ولم يذبح الفيتناميون بعضهم البعض بعد طرد المحتل، وتلاشت اورام الطائفية والتقسيمات العرقية الهجينة علي المجتمع الفيتنامي ليعيش بسلام بكافة مكوناته المتعددة تعدد الوان قوس القزح، وهي اكثر تنوعا وتعقيدا من مكونات الشعب العراقي. مما يثبت بان طرد المستثمر الاول في تجارة الحرب والاحتلال من البلد سيؤدي الي انحسار الطلب علي بضاعته وانتفاء الحاجة الي وجود وكلاء محليين واغلاق دكاكين بيع وترويج بضائع المحتل. سيختفي الوكيل المحلي او ما يطلق عليه اسم (الحكومة) المستفيدة من تصنيع وتنمية شروط الاقتتال المؤدية بدورها الي ازدهار صناعة المستثمر الاول، حالما يتخلص اهل البلد من المحتل الارهابي الاول. اما الانتصار الامريكي بمعني تحويل أرض العراق الي معسكر أمريكي وشعبه الي منظومة خدمات وعمال وعاملات تنظيف للاوساخ الامريكية، مهما كانت درجة استخذاء العملاء المحليين، فانه أمر مستحيل. ولسنا كعراقيين اقل كرامة وعزة نفس وقدرة علي المحافظة علي ما اوصله الاجداد الينا من أمانة، جوهرها الحضارة والتاريخ والهوية، وايصالها الي ابنائنا، من الجزائريين والفيتناميين. 9