الخرطوم ـ «القدس العربي»: على الرغم من الحصار الأمني الذي تفرضه السلطات السودانية، وحملات الاعتقال التي استهدفت الناشطين في لجان المقاومة، تواصلت، الخميس، التظاهرات الرافضة لانقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، حيث سقط قتلى وأصيب العشرات، بسبب القمع الأمني، فيما وصل وفد من دولة جنوب السودان إلى الخرطوم برئاسة مستشار الشؤون الأمنية لحكومة جوبا توت قلواك، وذلك لبحث إمكانية الوصول لاتفاق طارئ بين الأطراف السودانية.
وأعلنت لجنة أطباء السودان المركزية في بيان عن «سقوط قتيل في مدينة أمدرمان، برصاصة مباشرة في الرأس وإصابة العشرات في التظاهرات المليونية المنددة بالانقلاب التي انطلقت أمس في العاصمة السودانية الخرطوم وعدد من المدن الولائية الأخرى».
ثم أشارت في بيان آخر إلى «سقوط قتيل ثان لم يتم التعرف على بياناته بعد، إثر إصابته برصاص حي في الحوض من قبل قوات السلطة الانقلابية خلال مشاركته في مليونية 6 يناير في مواكب محلية أمدرمان».
لتؤكد بعد ذلك «ارتقت شهيد ثالث لم يتم التعرف على بياناته بعد، إثر إصابته برصاص حي في الصدر من قبل قوات السلطة الانقلابية خلال مشاركته في مليونية 6 يناير في مواكب محلية بحري».
اقتحام مستشفى
وأطلقت الأجهزة الأمنية الغاز المسيل للدموع على المستشفيات وسط الخرطوم، ضمنها مستشفى مخصص لعلاج سرطان الأطفال، فضلاً عن اقتحام مستشفى الخرطوم القريب من القصر الرئاسي.
وذكرت وزارة الصحة ولاية الخرطوم، عبر صفحتها في «فيسبوك» أنه مع «استمرار انتهاكات الانقلابيين (تقصد المجلس العسكري) تم الآن اقتحام مستشفى الأربعين (خاص).
واتهمت الوزارة قوات جهازي الشرطة والمخابرات بـ«الاعتداء» على المصابين والكوادر الطبية، ما أدى إلى وقوع إصابات بينهم.
وأضافت: «نحمل قوات المجلس العسكري الانقلابي سلامة المرضى والكوادر الطبية، وندعو كل المنظمات الدولية بتوثيق كل هذه الانتهاكات التي تتعدى على حقوق الإنسان وتُخالف كل المواثيق والمعاهدات الدولية «.
«قمع مفرط»
في السياق، قالت «لجان مقاومة» أحياء مدينة بحري في بيان: «يتعرض موكب بحري لقمع مفرط وإطلاق للرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين السلميين في المحطة الوسطى وحلة حمد وحي الأملاك من قبل القوات الانقلابية».
وأضافت: «القوات ترتدي أزياء الجيش والشرطة ومكافحة الشغب والشرطة الأمنية والاحتياطي المركزي».
ووصل عدد القتلى في الاحتجاجات التي اندلعت في السودان منذ انقلاب البرهان في الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إلى (58) قتيل، (55) بينهم قتلوا برصاص حي مباشر، حسب لجنة أطباء السودان المركزية، التي بينت أن (27) من القتلى سقطوا بطلق ناري في الرأس، و(5) في العنق، و(18) في الصدر بينما قتل (4) برصاص مباشر في البطن وقتل (2) نتيجة الضرب المبرح في الرأس و(1) إثر إصابة بعبوة غاز مسيل للدموع في الصدر.
وشارك عشرات الآلاف أمس الخميس، في التظاهرات التي انطلقت في العاصمة السودانية الخرطوم وعدد من المدن الأخرى، رفضا لانقلاب قائد الجيش، الذي يمضي نحو شهره الثالث، في ظل تعقيدات أمنية وسياسية عديدة، خاصة بعد استقالة رئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك، الأحد الماضي.
وانطلقت أولى مواكب التظاهرة المليونية الرابعة عشرة منذ الانقلاب، والثالثة منذ استقالة حمدوك في مدينة بورتسودان، ميناء السودان الرئيس، شرقي البلاد، ثم في أحياء ومدن العاصمة الخرطوم، أمبدة غرب أمدرمان، والديوم الشرقية وسط الخرطوم.
وتوالت بعدها التظاهرات في مدن ود مدني والمناقل والدامر وسط السودان وكسلا شرقا، فضلاً عن الابيض غربا والدمازين في الجنوب ومدن أخرى، في وقت حال إغلاق الجسور والاستخدام المفرط للقوة دون وصول المتظاهرين في مدينتي أمدرمان وبحري لوجهة التظاهرات المحددة بالقصر الرئاسي وسط مدينة الخرطوم، حيث أطلقت الأجهزة الأمنية الرصاص الحي على المتظاهرين في مدينة أمدرمان.
ووصل المتظاهرون في مدينة الخرطوم إلى شارع القصر القريب من القصر الرئاسي، وسط الخرطوم رغم إطلاق الأجهزة الأمنية الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية بكثافة، فضلا عن المياه النتنة التي ظلت ترشها سيارات خاصة بالشرطة على المحتجين.
وأيضا حاولت قوات من الجيش والاحتياط المركزي التابع للشرطة محاصرة المتظاهرين، بالالتفاف عبر الطرق الفرعية، إلا أن المتاريس (حواجز) التي وضعها المتظاهرون وأعدادهم الكبيرة، حالت دون اختراق القوات للتظاهرة.
وما بين كر وفر، أمضى المحتجون ظهيرة ومساء أمس محاولين الوصول إلى القصر الرئاسي.
وأصيب العشرات، حسب مشاهدات مراسلة «القدس العربي» عدد كبير بينهم بعبوات الغاز المسيل للدموع في الرأس، بالإضافة إلى مناطق أخرى في الجسد وحالات الاختناق.
وظل المسعفون يقومون بإجلاء المصابين بواسطة الدراجات النارية وفق مسارات محددة وممرات ضيقة تركت مفتوحة بين المتاريس، التي بناها المتظاهرون.
وعلى الرغم من الضغوط الدولية، تأتي التظاهرة في ظل تقييد لحريات الاتصال والحركة والتعبير، واستخدام للقوة المميتة في مواجهة التظاهرات.
«قصر الشعب»
وقطعت السلطات أمس خدمات الاتصال الهاتفي والإنترنت عن العاصمة السودانية الخرطوم، وأغلقت الطرق والجسور التي تربط مدن العاصمة الثلاث، الخرطوم، الخرطوم بحري وأمدرمان، بالحاويات والأسلاك الشائكة ما عدا جسري الحلفايا وسوبا.
وأحاطت بالحواجز والحراسات الأمنية الطرق المؤدية لمقر القيادة العامة للقوات المسلحة والقصر الرئاسي وسط الخرطوم، الذي أصبح الوجهة المعلنة للتظاهرات بعد أن أعلنت لجان المقاومة تسميته «قصر الشعب».
واعتقلت الأجهزة الأمنية العشرات من أعضاء لجان المقاومة في العاصمة الخرطوم وعدد من المدن السودانية، عشية تظاهرات الخميس.
وكان قد قتل خمسة من أعضاء لجان مقاومة أمدرمان، في تظاهرات 30 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بأعيرة نارية في الرأس والصدر والبطن، بينما أصيب العشرات بعضهم ما زالت خطرة.
المكتب التنفيذي لقوى «الحرية والتغيير» علق على أحداث أمس في بيان، إذ قال : «في سفر الخروج العظيم لشعبنا في السادس من يناير/ كانون الثاني 2022، تواصلت مواكب شعبنا وهي تحمل ألوية النصر في الريف والمدن، ويتصاعد نضالها نحو عصيان مدني شامل سيشكل موعدنا مع الفجر وهزيمة الانقلاب».
وزارة الصحة انتقدت اقتحام مستشفى… و«الحرية والتغيير» طالبت بتحقيق أممي
وزاد: «ببسالة منقطعة النظير خرج الشباب والشابات، النساء والشيوخ والأطفال وهم يدفعون فاتورة نضالهم من دمائهم الزكية دون وجل أو خوف حتى تحولت شوارع بلادنا إلى ساحة من ساحات المعارك الوطنية التي هي امتداد لبسالة الأجداد والأمهات، ولا نامت أعين الجبناء».
«تواصل القمع»
وزاد: «اليوم (أمس) تواصل قمع السلطات الانقلابية مستهدفة مواكب شعبنا بإصابات مميتة موجهة إلى الصدر والرأس وأعناق النساء والرجال، والحصيلة التي وصلتنا حتى الآن تشير إلى شهداء في مدينة أمدرمان وإصابة أكثر من عشرين من الثوار حسب تقارير الأطباء الوطنيين من قوى الثورة، كما تواصل الاعتداء على المستشفيات والمؤسسات الصحية وقذف قنابل الغاز المسيل للدموع داخلها مما يهدد حياة العديد من المرضى ذوي الحالات الحرجة».
وتابع: أن «كل ذلك يشكل جريمة مكتملة الأركان في القانون الإنساني الوطني والدولي وبذا فإن المكتب التنفيذي لقوى الحرية والتغيير يطالب مجلس الأمن بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في الجرائم التي تواصل ارتكابها طغمة الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الانقلابية».
ورحب بـ«الاهتمام المتصاعد من المجتمع الإقليمي والدولي ولا سيما بيان سفراء الاتحاد الأوروبي والترويكا والأمم المتحدة وتصريحات وزير الخارجية الأمريكي وغيرهم وتناشد السودانيين بالمهجر لمواصلة حملاتهم في جذب التضامن الإقليمي والدولي مع شعبنا حتى ينتصر».
وختم: «الثورة قد وحدت شعبنا في الريف والمدن، ونحيي الكنداكات والميارم وأسر الشهداء. إن ما يليق بتضحيات شعبنا هو وحدة قوى الثورة وقيام مركز موحد لقيادتها، وترك الخلافات والشقاق لأجهزة الأمن فهو ما يليق بها».
ووقع رئيس الوزراء السابق إعلانا سياسيا مع قائد الجيش، عقب أربعة اسابيع قضاها في الإقامة الجبرية في منزله، في وقت كان فيه عدد من أعضاء المجلس السيادي المدنيين والوزراء والناشطين السياسيين قيد الاعتقال.
وأعاد الإعلان السياسي الموقع في الحادي والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حمدوك إلى منصبه كرئيس للوزراء، ولكن دون حكومته من قوى «الحرية والتغيير، على أن يشكل حكومة كفاءات» إلا أن رئيس الوزراء السابق لم يستطع تكوين حكومة الكفاءات المنتظرة لأكثر من ستة أسابيع لينتهي الأمر بتقديمه استقالته للشعب السوداني في خطاب متلفز الأحد الماضي.
ورغم المبادرات الوطنية والدولية المتعددة، ما زالت الأوضاع في السودان شديدة التعقيد، مع استمرار رفض الشارع للانقلاب وتداعيات سيطرة العسكريين على السلطة السياسية والاقتصادية والفراغ الدستوري والمؤسسي في البلاد.
ويبدو أن المتظاهرين «يرون الأمل في المضي إلى الأمام فقط» حسب مهدا سيف الدين (25 عاما) التي كانت تتظاهر في شارع القصر في الخرطوم.
«سننتصر في النهاية»
وقالت لـ«القدس العربي»: «الأمل الوحيد للسودانيين هو في المضي للأمام، رغم القتل والقمع لا طريق أمامنا. إما أن نسقط الانقلاب العسكري ونبني طريق الحكم المدني الديمقراطي أو سنمضي ما تبقى من حياتنا بلا معنى في ظل الأنظمة الشمولية والقمعية والاستبدادية».
وأضافت: «ستنقم علينا الأجيال القادمة لأننا لم نواصل الطريق حتى النهاية، لذا لا طريق أمامنا إلا ذلك الطريق، مشيرة نحو القصر الرئاسي».
أما سامي نجم الدين (32 عاما) الذي كان يلتقط أنفاسه بصعوبة بسبب الغاز المسيل للدموع، فأكد لـ«القدس العربي» : «لا ندري متى يسقط البرهان، وهل سنكون أحياء أم سنموت ولا يهمنا ذلك، كل ما نعرفه أننا سنواصل التظاهر والتصعيد السلمي حتى يسقط العسكر ويتم تسليم السلطة للمدنيين» مؤكدا أنه «يعلم يقينا أن الثورة ستنتصر في النهاية».
ورأى محمد عبد الغفار، الذي كان يتظاهر في شارع القصر أيضا، أنه فضلا عن الضغط الشعبي، فإن قائد الجيش يتخوف من جيشه نفسه، وإسقاطه من داخل المؤسسة العسكرية.
وأشار لـ«القدس العربي» إلى أن «التظاهرات، تحتشد بكثافة رغم القتل والقمع وإغلاق الطرق وشبكات الاتصال والإنترنت، وكل الأساليب التي تستخدمها السلطات لبث الرعب في المواطنين». وشدد على أن «التظاهرات ستحافظ على سلميتها وستمضي نحو تحقيق أهدافها» مؤكدا أن «الشارع لن يصدق مزاعم قائد الجيش ووعوده بتسليم السلطة للمدنيين بعد الانقلاب الذي قام به».
وأضاف: «لو كان يريد تسليم السلطة للمدنيين كان فعلها في الموعد المحدد لذلك وفق الوثيقة الدستورية، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي».
اتفاق طارئ
وفي الاثناء، وصل مستشار رئيس جمهورية جنوب السودان للشؤون الأمنية، توت قلواك للبلاد صباح أمس على رأس وفد من حكومة الجنوب، في زيارة تستغرق عدة أيام.
وقال في تصريح صحافي، إن الزيارة تأتي بهدف الاطلاع على تطورات الأوضاع السياسية في السودان وسبل الوصول لاتفاق طارئ مع قائد الجيش عقب استقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، التي وصفها بـ«المفاجئة».
وأوضح أن أجندة زيارته للخرطوم تتضمن الوقوف على مسار تنفيذ اتفاق السلام، مؤكدا على أهمية استقرار وأمن السودان.