قتل الوطن
د. مصطفي عبد العالقتل الوطنمن اخطر ما يمكن ان تتعرض له المجتمعات انعدام الرؤية لدي نخب او اعيان او مثقفي هذه المجتمعات ولعل التعبير القرآني يوضح هذا بقوله وإذا أردنا أن نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها ولعل استخدامنا لتعبيرات نخب واعيان ومثقفين، وكل ما يمكن اضافته من توصيفات اخري يمكن اختزاله في تعبير المترفين ليس فقط بمعني امتلاك الثروة في مواجهة الفقراء بل قد يكون ايضا بامتلاك (المعرفه) في مواجهة الممنوعين من المعرفه، والنخب في مصر باختلاف مواقعها ومشاربها وقدراتها منهمكة في حوارات تعمق حالة الترف والتفسخ تلك، فالمراقب لاهم الحوارات السياسية والثقافية في مصر يجد انها تنغمس في قضايا مثل هل يشارك القطاع الخاص في المشروع النووي المصري رغم انه لا مشروع هناك ولا من هم يحزنون، او هل يجب الغاء المادة الثانية من الدستور والتي تنص علي ان الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ام نبقي عليها بينما وجود هذه المادة في الدستور من عدمه لا يؤثر من قريب او بعيد في حجم الاعتقالات والانهيارات الحادثة في مصر، او هل نستسلم لمشروع التوريث ام نترك البلد نهبا للاخوان المسلمين بينما وصول الاخوان للسلطة ابعد من تحول مصر الي دولة عظمي غدا، واخيرا هل تنازل منسق حركة كفاية عن (منصبه) تعميق للديمقراطية ام دليل علي عمق رؤية المنسق في حين ان كفاية ومنسقيها لم تكن الا حلم يكاد ان يتحول الي كابوس بعدما اصبحت جزءا من الوجاهة الاجتماعية. كل هذا الترف الذي يتم طرحه والتعامل معه علي اساس انه قضايانا المصيرية يتم بينما تعيش مصر واقعا يمكن لمسه عبر وقائع، كالتاليه: رجال الشرطة في مصر يمتهنون آدمية المواطنين ويقومون بتسجيل الامتهان بكاميرات الفيديو من باب التسلية والترويح عن النفس، كلاب احد الامراء السعوديين تنهش طفلة في فندق فخم ذهبت اليه اسرة من ابناء الطبقة الوسطي العليا لقضاء يوم عطلة، اعضاء النيابة الادارية المعينين لهذا العام 99% منهم من ابناء وبنات المستشارين والعاملين في النيابة.لو حاول اي محلل نصف عاقل تحليل هذه الوقائع لما تمكن من تفادي الوصول الي يقين مفاده ان الناس في مصر تدفع دفعا للانكسار او الانفجار، فالوقائع الثلاث والتي تمثل مجرد عينة مما يعيشه الناس يوميا توضح فجور وتوحش القادرين والواصلين والمسؤولين علي كل ضعيف يضعه حظه العاثر في طريقهم.كما اننا نستطيع ان نري وبوضوح عبر هذه الوقائع ان حالة المد تنتشر كبقعة الزيت علي سطح الماء لتطول ليس فقط المعدمين بل المنتمين الي شرائح طبقية ليست معدمة فأحد المواطنين الذين هددهم احد ضباط الشرطة بالاغتصاب ان لم يقم بتقبيل احذية جنوده كان ذاهبا للاستجمام علي احد شواطئ النخب في مصر، والطفلة التي نهشها الكلب ابنة لطبيب، ومئات المتقدمين لوظائف النيابة هم طلبة متفوقون من خريجي الجامعة، كل هذا يوضح ان مناخ هدر وسحل الكرامة ليس فقط مجرد حالات تجبر وتسيد علي اناس لا حول لهم ولا قوة بل هو انتاج واعادة انتاج لسياسة تدمير منهجية يجب ان تؤدي الي قتل الوطن والمواطن.هل هناك من يتصور ان هذه مجرد كلمات جوفاء مرتكزا علي مقولة ان مصر وبنيها اقوي واصلب من اي تخرصات؟ دعونا نذهب خطوة اضافية في تحليل هذا الواقع عبر التساؤل كيف تعاملت النخب مع هذه الوقائع، فيما يخص الامتهان البوليسي حاول بعض الشرفاء السعي لتقديم من قاموا بالتعذيب للقضاء، النتيجة المحتملة لهذا الجهد النبيل هي استمرار القضاء في تداول القضايا لزمن لا يعلم احد مداه حتي ينسي الناس فداحة ما حدث وقد يعزل ضابط او ينقل الي مكان اخر، اما النتيجة شبه الاكيدة فهي ان الضباط سوف يتوقفون عن تصوير امتهانهم للمواطنين حتي لا تكون هناك ادلة مادية علي ما يفعلونه وان لم يستطيعوا كبح شهواتهم للتصوير فسوف يراعون الا تظهر صورهم او اصواتهم علي الشرائط المسجلة.اما كلب الامير ونهشه للطفلة فسوف يؤدي الي تصايح بعض اعضاء النخب المسيحيين بخطورة الغزوة الوهابية الاسلامية التي اتت من الف وأربعمائة عام بالبدو المتخلفين لتنهش كلابهم المصريين الحقيقيين احفاد الفراعنة علما بان الطفـــــلة وبالـــطبع اسرتها مسلمون، كما لو ان القضية هي ان هذا الامـــير ليس اميرا يابانيا او اسبانيا وعليه فسوف ينبري المدافعون عن الاسلام لمواجهة الهجمة الشرسة علي الرموز الاسلامية التي اصبح الامير احدها، اما الـ99% من اعضاء النيابة الجدد فسوف يسعون للدخول في مصاهرات وتربيطات تجعلهم قادرين علي الاستمرار في هذا الاستحواذ ليس فقط من اجل ان يظلوا جزءا من علية القوم بل لكي يستطيعوا ايضا حماية انفسهم واسرهم من ضباط الشرطة وكلاب الامراء والمستقبل المبهم. لكن ماذا عن اولئك الذين سوف يستمر تعذيبهم وامتهان كرامتهم سواء تم تصوير الامتهان ام لا؟ وماذا عن المرتجفين من الذهاب الي اماكن الصفوة خوفا من ان يتعثروا في كلاب الكبراء والامراء؟ وماذا عن المئات الذين اجتهدوا ولم يعينوا في وظائف يستحقونها لان اباءهم ليسوا مستشارين او اطباء او ضباط؟ كل هؤلاء ليس امامهم الا حل من اثنين، الاول ان ينكفئوا علي انفسهم ويتحينوا الفرصة لنهش من هم اضعف منهم، الحل الثاني ان يهبوا لحرق الاخضر واليابس لانهم لم يستطيعوا التعايش مع كل هذا الامتهان.وفي الحالتين فمصر ذاهبة الي جحيم، كل هذا يحدث بينما النخب والاعيان والمثقفون يتحاورون حول القضايا الكبري وينتهون الي جمل رنانة مليئة بالرومانسية عل اشهرها المقولة التي تملأ مصر والتي نحتها بابا الكنيسة المصرية حين قال (ان مصر ليست وطنا نعيش فيه بل وطن يعيش فينا) مما يمنعنا من النظر في كيفية العيش في وطن ينهار، فالمهم انه يعيش فينا، ونصبح عاجزين حتي عن طرح السؤال وهل قتلنا وامتهاننا يؤدي ايضا لقتل هذا الوطن الذي يعيش فينا؟ لا اجابة هناك فالبحث عن اجابات لما نعيشه وما يحدث لنا لا يشغل بال احد من نخبنا او مترفينا فالجميع منشغل بل منغمس في القضايا الكبري ولاحول ولا قوة الا بالله.ہ كاتب من مصر يقيم في لندن8