”في قلب منطقة الفصل العنصري الاسرائيلي قُتل صاحب مزرعة أول من أمس. كان القتل وحشيا جدا، بقضبان حديدية وفؤوس، ويجب أن نأمل أن يفضي اعتقال المشتبه فيهم من الفلسطينيين الى حل لغز ذلك ومحاكمة القاتلين كما يستحقون. كان ضحيتهم من يسمى ‘ملح الارض’: فهو ضابط رفيع الرتبة متقاعد كان قائدا لدوريات وتولى قيادة قطاع غزة وهو ابن عائلة محترمة وأخ ثاكل وخليل محبوب. اختار شريه (يايا) عوفر أن يبدأ فصلا جديدا في حياته في غور الاردن، حيث قاتل في فترة شبابه. وقال إن الدولة طلبت إليه أن يُدخل في الغور ‘نورا اسرائيليا’، وسواء كان نورا أم ظلاما فقد انشأ قرية استجمام (بروش هبكعا)، كُتب في موقعه في الانترنت: ‘إن الرؤية والقيم التي وجهت مؤسس هذا المكان ما زالت تصاحبه الى اليوم، وهي انشاء مكان مختلف ومميز وهادئ وبسيط… مكان يأتي فيه ضيوفنا للقاء أزواجهم ولقضاء وقت مع العائلة والاصدقاء بعيدا عن التلفاز والحاسوب وضجيج المدينة’. وعرضت قرية الاستجمام الساحرة هذه بركة سباحة، ومطعما اردنيا فاخرا، ومقصف طرق وميدانا اخضر للاولاد؛ ويمكن طلب طعام وشراب وطعام سريع من المقصف الى البركة، بل إن الحديث عن ‘مكان يرفع علم قيمة السلام مع جيراننا، وهو مكان يعيش فيه جميع العاملين من اليهود والعرب في تساوق كأنهم عائلة’. ماذا نقول وماذا نقص؟ ‘بروش هبكعا، الاطمئنان ببساطة’. إجتُث كل ذلك أول أمس بضربات الفؤوس، وتحول وهم السكينة الى كابوس القتل، بل تبين أن ‘قيمة السلام مع الجيران’ وهم مضلل. ولا يقل عن ذلك إيهاما اعتقاد أن مستوطني الغور مثل يايا وهم أبرياء من الحماسة المسيحانية، وبلا قبعات دينية ضخمة وشعر أصداغ، وليسوا من فتيان التلال ولا من غوش ايمونيم ليسوا مستوطنين. سميناهم منذ أول استيطانهم ‘ساكنين’، وأنهم كيبوتسيون وأفراد قرى زراعية رواد، وأنهم مبعوثو حركة العمل التي هي حركة ‘السلام’ الاسرائيلية ومع ذلك كله فانهم مستوطنون. فحكم بروش هبكعا كحكم إيش هتوراة، وحكم معاليه افرايم كحكم معاليه ادوميم، وحكم محولا كحكم عوفرا، فكلها مستوطنات وكلها بؤر استيطانية للاحتلال الاسرائيلي وكلها مستعمرات. ‘توجد حول قرية الاستجمام والسكينة الأدلة الأكثر سطوعا على وجود نظام الفصل العنصري في اراضي الاحتلال. فهنا خاصة في الغور الاسرائيلي كله في ظاهر الامر، غور الاجماع، يوجد الظلم والاضطهاد في أشد صورهما قسوة وصراحة. ويكفي أن ننظر حولنا. يكفي أن نرى الأكوام الترابية التي لا تحصى التي أقامتها اسرائيل لخنق وسجن مجموعات الرُعاة؛ ومئات مكعبات اراضي النيران التي ترمي الى إخافة سكانها وطردهم؛ وحاجز بكعوت وهو من أشدها قسوة، الذي كان يمنع الى وقت قريب وصول الفلسطينيين الى الغور، الى الغور خاصة؛ وأوامر الهدم والقرى الخربة، ورُعاة الضأن الذين بقوا بلا منازل؛ وآلاف البشر الذين يعيشون هنا في بؤس وبلا أدنى قدر من ظروف العيش، فلا يوجد ماء جار ولا كهرباء ولا شارع. ويكفي في مقابل ذلك أن نرى المستوطنات الخضراء وكروم المستوطنين وغراسهم. إنها قصة أصفر أخضر، أصفر الفلسطينيين وأخضر المستوطنين، وهي قصة سوداء بيضاء للفصل العنصري والتمييز في تقسيم الموارد والترحيل والاضطهاد والسلب. على مبعدة رحلة قصيرة عن ‘بروش هبكعا’ يعيش عشرات من سكان حلة مكحول تحت قبة السماء بعد أن هُدمت قريتهم. لا يمكن الاستجمام في ‘سكينة’ وهذا يحدث حولنا؛ ولا يمكن الحديث عن ‘منظر طبيعي ريفي’، كما فعل مراسل تلفاز منافق في ليل السبت. وتأتي الآن العملية القاتلة لتُذكرنا بالسياق الحقيقي. ومهما يكن غير انساني فانه لا يُسوغ أي عمل قتل، لكن من يعتقد أن أصحاب المزارع يستطيعون أن يروجوا الى الأبد لغرف الاستجمام والأعناب والتمور في ارض الفصل العنصري هذه؛ وأن نومهم سيكون مطمئنا هادئا في الوقت الذي يحدث فيه كل هذا حولهم، يعيش في وهم خطير. ومن الفظيع جدا أن هذا الوهم قد فُجر أول أمس بأكثر السبل قسوة. ونُذكركم ايضا بأن أصحاب المزارع البيض في جنوب افريقيا كانوا يعتقدون أن ذلك سيستمر الى الأبد.