شكل تعايش الثقافات والآداب المغايرة وتفاعلها، على امتداد تاريخ المجتمع البشري، عنصرَ خصب وثراء في كيان وهوية الحضارات الإنسانية وعمرانها وروائعها المدونة، وتداول معتقدات الأقوام وقيمها، وتعاقب الراسخ من تقاليدها وأعرافها. وما كان للتقارب أو التباعد الجغرافي والعرقي والديني للمجتمعات الحضرية أثر عائق في تبادل المؤثرات والمنافع الحياتية بشتى أصنافها في تلك العملية التراكمية التفاعلية ووشائجها التاريخية المعقدة.
التزمت والانعزال الحضاري
ولعل مُنشط ديمومة التواصل والتجانس بين ثقافات وآداب الشعوب المعاصرة مغروس في لباب ذاك الإرث الحيوي الهجين للتاريخ البشري المديد، ذي الرصيد المعرفي الهائل غير المستثمر في ميادين العلوم الحياتية، العقلية والروحانية، وترسيخ تقارب وتشارك العقائد والمذاهب، التي تعاني اليوم من فرط جمود الفكر الاجتهادي، والتشرنق في جوف التعصب العرقي، والتزمت الديني، والانعزال الحضاري المميت، والتعالي عن محيط المجتمع ومناحي الحياة. ولا شك بأنَّ المقاطعة غير العقلانية لمجمل المنجز الحضاري الغربي المعاصر، وعدم الاكتراث بمنافعه السخية، التي من غير الممكن اليوم لأي مجتمع تقليدي راهن الاستمرار أكثر على ما هو عليه، والإسهام في وضع حلول واقعية لتلك المعضلات المصيرية المحتدمة، ما دام الإقصاء الطائفي القهري والجمود المعرفي والتقهقر إلى هاوية (الإكراه في الدين) سمات طاغية على كيانه وعلى سُنن عُرفية تتبعها جمعيات وجماعات مطعونة في انتمائها الحق إلى أمة المسلمين وولائها لقيمها، إذ هي لا ترى حتى في تمشيط شعر أتباعها وتهذيب ذقونهم ولا أقول شطف أبداهم وثيابهم، وإن على حكم التيمم بالتراب، وترتيب هندامهم من ملزمات نظافة الإيمان ومحاسن الإنسان، تجثم على تأملات المجتمع وتطلعاته المشرعة ومصيره التاريخي.
ومهما تنقبت تلك الجماعات، القادمة من قحط الصحاري العجاف وشعاب لا يعرف أهلها سوى الخرافات السخيفة عن الكفار التافهين والسطو والعداوة ويحصلون إلى اليوم (بقوة القوس والنهب على ما يحتاجون إليه في الحياة)، بحجاب العرفان الواهي، وتقوى الإيمان الزائف، ودعوة الدفاع عن صفاء العقيدة وزهد مجاهديها وطهارتهم وعزوفهم عن حطام الدنيا وبهرجها، تظل أفعالهم المشينة ضد أبناء (دينهم) ودين غيرهم بُدعاً باطلة شنيعة وترهات ضالة آسنة ما أنزل الله بها آية ولا سلطاناً. وفي ظل هذه الأجواء المذهبية المشوهة والمهينة لقيم الدين الحنيف، فلا خيار اليوم أمام الثقافة التنموية العصرية، إسلامية كانت أم علمانية أم توفيقية، إلا أن تكون (ثقافة إيجابية عقلانية تقدمية)، ترتكز على العقل والمُثل الإنسانية، وتنشد الارتقاء الاجتماعي والمعرفي، وتنبذ الانغلاق والتزمت العقائدي والعرقي، وتسعى إلى الانفتاح على ثقافات الشعوب ولغاتها وعلومها وأعرافها، وهي بأمس الحاجة إلى (عقل منفتح غير متعصب، ونقدي يقبل الاختلاف، ويسعى إلى الاتفاق على أُسس مقبولة عقلية وعقلانية)، حسب تعبير المفكر محمد الجابري. أجل يجب أن يكون عقلا تأمليا موفقا بين العقلانية الفلسفية وفكرها الاجتماعي العادل وبين العقيدة التقليدية وموقفها المنشرح على الديانات السماوية وأقداسها وشعائرها الإيمانية.
النوايا الحسنة والإرث الباذخ
وأنه لذو أهمية بالغة التعويل على النوايا الحسنة والرؤى السمحة في تدبير أعمال ومشاريع القائمين على شؤون محفوظات الموروث الإنساني وكنوزه الفذة، القابعة في أقبية وخزائن موصدة غَبّرها الإهمال، لم تصل إليها منذ عقود طويلة أنظار الباحثين، رغم صلتها المباشرة بماضي أقوام وأديان وثقافات عريقة حية، يحق لوارثيها وأتباعها أن يستقصوا تلك الصفحات المنُيرة من آداب أسلافهم وعقائدهم وأعرافهم الغابرة، والاعتزاز بطرائق وتقاليد حياة الآباء والأجداد، وأن يتعلموا من مناقبهم وإسهاماتهم وما دوّنوه من علوم ومعارف، وما شيدوه من عمران وفنون، هم اليوم أشد حاجة إليها لشحذ وعيهم القومي وكسر طوق الجمود والانعزال، واللحاق بركب الحضارة المعاصرة، حاضنة أثار الأعراق البائدة والعائشة. التي تعتز حواضر الغرب والشرق بحيازتها هذا الإرث المدون، وما تتبادله من كنوزه أرقى معاهد العلوم والثقافة.
أجل، إنّه الإرث الباذخ ذاته، تُراث العروبة والإسلام، الذي ألهم قصص وأشعار ملوك الطوائف وأقوال الأسبان المأثورة، وروائع الشعر الغنائي الديني الأيبيري، وأدخل إلى إيطاليا وفرنسا مفاهيم عربية تتعلق بالإيمان وبالأخرويات لعلها لم تكن مجهولة لدى دانتي، وربما أسهمت في بناء ‘الكوميديا الإلهية’، وفتن فكر ومخيلة أديب الألمان العبقري يوهان غوته، وشاعر روسيا الأكبر الكسندر بوشكين، وكتابات الفيلسوف توماس كارليل، وإبداعات مجدد الشعر الأوكراني تاراس شيفتشينكو، وأعمال جمع غفير من أدباء وفلاسفة وفناني أوروبا والعالم، الذين أمضوا جلَّ حياتهم في دراسة ثقافات وآداب العرب والمسلمين وماضيهم الزاخر بالمؤلفات العلمية والفلسفية والروحانية، التي لا تخلو منها أهم مكتبات العالم وأعرقها، بل هي الأكثر احتفاءً وقيمةً بين مقتنياتها. والعرب في فكر غوته، (هم أمة تبني مجدها على تراث موروث وتتمسك بعادات تعارفت عليها منذ القدم). وللإنصاف يمكن تعميم هذه المنهجية في إقامة الكيانات الاجتماعية المديدة على جميع الأمم العظيمة الحية، التي من غير الممكن لها أن تستمر في رسالتها الحضارية، وتنجح في تجديد ثقافتها وقابليتها الفكرية والاجتماعية، وعلاقتها المعاصرة بالحضارات المغايرة، من دون أن تستدعي إرثها المجيد وتعيد اكتشافه ومحاكاته روحياً وعقلياً. فمن غير الممكن أن يبلغَ قمة المجد إلا من جمع بين (شرف العلم وشرف الملك).
والواقع، أنّه لم يعد بمقدور رعاة العصر ومفكريه، في ظل تلك الميول العنصرية المقيتة، والنزوع الاستبدادي الفتاك نحو إخضاع واحتكار وإخفاء محفوظات التُراث القومي المديد للشعوب الحية غير المتطورة تكنولوجياً والمفككة عرقياً ودينياً، وهي في عرف عقيدة المُستعمر (شعوب أقل قدراً، ذات حقوق، وقيم أخلاقية ومطالب أقل وأدنى من شعوب الدول العظمى)، أن يقنعوا أمم المعمورة أنّهم يرومون حقاً الحفاظ على النتاج العظيم لحضارات الجنس البشري، والارتقاء به إلى مستويات أرفع، ونشره وإيصاله بنزاهة إلى الأجيال القادمة. آخذين بالاعتبار أن سياسة السطو العنيف، ظاهرة البشاعة والقبح، على إرث الآخرين ومصادرته لا زالت ماثلة أمامنا توخز أنظارنا وتروّع نفوسنا. ولعل أكثرها قسوة وبشاعة على الضمير الإنساني، ولا أقول المدافعين عن حرمة قيم الثقافة الإنسانية وأثارها، وأزيدها خسةً وعاراً وجحوداً على حكومات الاحتلال الأمريكي – البريطاني – الصهيوني وأسلافها، ناشري المحن والأهوال، وتابعيها الدونييّن المتورطين في قتل الأبرياء، عمليات نهب وتخريب وإتلاف دور الثقافة والمعارف والعلوم ومعابد الله وعمران النفع العام، وتلك الآثار الفريدة العريقة الباقية من حضارات مصر والعراق وفلسطين وسوريا وأفغانستان وليبيا واليمن والقائمة تطول!، التي نهل الغرب الحديث من منجزاتها الكثير، وصادر عنوة جلَّ آثارها النادرة، ما يملأ اليوم رواق متاحفه ورفوف مكتباته وخزائن المحفوظات، وصالات أصحاب المجاميع الخاصة، ويزين أبواب الكاتدرائيات والصوامع وجدران قصور الأمراء وباحاتها ورياضها، التي شيدت بأموال وثروات شعوب مغلوب على أمرها، إبان حروب النهب المهوّلة.
الإنكار العنيف واحتكار الموروث
ومن المناسب أن ننقل ما كتبه الأختصاصي في الفن الإسلامي ريتشارد إتنجهاوزن عن علاقة التفاعل النشط بين عالم الإسلام والعالم الأوروبي، الذي ارتدى طابع مواجهة شبه دائمة، وفي كثير من الأحيان التوتر (ولكن بالرغم من موقف الإنكار العنيف الذي كان الغرب يقفه من الدين الإسلامي ومن نبيّه، وهو موقف لا يزال يحتفظ به في الواقع إلى اليوم، وبالرغم من الحرب الفعلية التي كانت مستمرة بينهما والتي بلغت أوجها في الحروب الصليبية وفي فتوح الأتراك العثمانيين في أوروبا، فإنَّ الغرب لم يحمل قط غير شعور الإعجاب بفنون البلاد الإسلامية. ولم يقتصر الأمر على مجرد قبول تلك الفنون بطريقة سلبية، بل إنَّ إعجاب الغرب بالفنون الإسلامية تجلى في إدخال ما تيسر له في أكثر منشآته احتراماً وجلالاً، سواء أكانت تلك المنشآت دينية أو دنيوية).
كل هذا جعل الغرب اليوم أعظم محتكر لإرث الأقوام والأديان العريقة، وراصداً عنيفاً لمسارها الفكري والأدبي وتداول قيمها، بل ووالجاً في لحمتها، ومتسلطاً على نهضتها وأفاق تطورها. وكأن الغرب يعود إلى تلك الأفكار، التي سادت في عصر التوسع الاستعماري، الناكرة لإسهام الإسلام في إثراء الحضارة الإنسانية، التي (تعزوا إخفاق العالم الإسلامي إلى الإسلام). وقُرن هذا الدين السماوي بالركود الثقافي والتخلف، وتصوّير الجماعات الدينية الإسلامية بنحو خاص على أنّها شبكة من التنظيمات الخطرة التي يغذيها حقد بربري على الحضارة. هذه النعوت وحدها كافية لتجريد (جُماع التاريخ) الغربيين من تلك الصفة المكرمة التي سعوا إلى امتلاكها، وإيهام ذوي المعارف المحدودة، والتجارب غير الراسخة، والإرادة الطيبة، بأحقيتهم فيها.
ومع هذا فإن المؤثرات الثقافية والروحانية، وإيحاءاتها الحميمة، وتمايز شعرها الغنائي، ودلالاتها الفنية في آداب الشعوب ومعتقداتها، غائرة عميقاً في نصوصها الرومانسية المعاصرة وفنونها وعمرانها الشاخص، و(أكثر التحويرات إبداعية وتطوراً تتجلى في تلك الحالات التي كانت فيها الموضوعات الشرقية تدخل بالفعل في صميم العملية الإبداعية الغربية، وتصبح بعد ذلك قوة فاعلة حافزة إلى المزيد من الإبداع). والواقع ليس بمقدور ذوي الاختصاص والمهتمين بتاريخ الأديان وعلم اللغة التاريخي المقارن، وتبادل الأفكار والمؤثرات الثقافية في آداب الشعوب أن يجدوا اليوم مؤلفات أدبية أو فكرية، أو حتى علوم أصولية، غير هجينة، من جراء الصراع بين التعددية النسبية العلمانية وبين الاحتكار المسيحي للأفكار في عصر التلاحم الاستعماري- التبشيري في الشرق الإسلامي، فعالمنا المعاصر رغم تطلعاته وتوجهاته المتغايرة وتباينه وتفاوته الثقافي والتقني هو، في رؤية المفكر إدوارد سعيد، عالم من المشاركة، والثقافات المتقاطعة التي تمتلك علاقاتُها ونزعاتُها من الثراء الفتّان ما يمتلكه التاريخُ الإنسانيُّ عينه.
* باحث وأُستاذ جامعي/ روسيا