اولمرت كان قادرا علي منح عباس اكثر من القبل لكي يعزز موقعه ضد حماس
هل كانت القبلة عفوية كقبلة حاييم رامون؟ أم كانت متفقا عليها سلفا بين الجانبين في اطار الاعدادات التي تسبق وجبة القمة؟ أم مخططا لها كـ لفتة مفاجأة من ايهود اولمرت؟ مهما يكن الأمر، شحُب وجه أبو مازن تقريبا، وكأنما أوشك أن يُغشي عليه، عندما سقطت علي خديه قُبلتا رئيس حكومتنا. علي حسب الحرج الذي أوحي به تعبير وجهه، مرت إزاء ناظريه كل اقوال السخرية، والغضب والوخز التي ستنتظره في البيت. ها هنا هم جوعي للخبز، وهناك تأكل الأوسوبوكو وتُقبل زعيم اليهود؟. صحيح أنه في الأحداث الاجتماعية للمجتمع الرفيع والطبقة النبيلة الاسرائيلية صاحبة الدارات والشقق الفارهة من المعتاد التقبيل فيما يسمي قبل تحبب علي الخد. علي حسب القاموس الانكليزي ـ العبري للقلعي، هناك أناس قابلون للتقبيل وآخرون مُقبِّلون. لكن الساسة عندنا يصافحون في الأساس ويربت بعضهم علي أكتاف بعض. إن مشهد التقبيل الوحيد المذكور في السياسة الاسرائيلية كان علي خشبة مسرح أوهيل في سنة 1965 في مؤتمر انشقاق مباي. أجري موشيه شريت، وقد كان مريضا مُقعداً علي كرسي متحرك، حسابا لاذعا مع خصمه اللدود دافيد بن غوريون. مع انتهاء الخطبة تقدمت اليه غولدا مئير وقبلته بحماسة في جبهته. وهي قبلة وصفها مقربو بن غوريون أنها قبلة الأرملة السوداء، باسم العنكبوت القاتلة.
عرق رئيس الحكومة اسحق رابين، الذي كان يكره الاتصال الجسماني، عرقا شديدا عندما أمسك ياسر عرفات في مراسيم توقيع اتفاق اوسلو علي أعشاب البيت الابيض يده بكلتا يديه ولم يتركها، الي أن خلصها رابين بالقوة الكبيرة وحولها الي يد شمعون بيرس.
لا ريب في أن اولمرت أحرج أبو مازن وأبو العلاء. كان يمكن أن نري علي الشاشة أن البسمة جمدت علي وجهيهما. لماذا قبّلهما؟ ألم يفهم أنه قد يُحل دمهما في نظر أفراد حماس والرأي العام في المناطق؟ هل كانت هذه صيغة محلية لعادات عائلات المافيا، الذين قبل أن يقضوا علي خائن بينهم يودعونه بقبلة؟ يسمي هذا النوع من القُبل في القاموس قبلة التراب.
استغرق اولمرت ثماني ساعات ليقرر حرب 33 يوما في لبنان. كم من الوقت فكر في عملية تقبيل قادة فتح؟ وفي أي حلقة استقر الرأي علي ذلك؟ أفي اجتماع الحكومة؟ أفي المجلس الوزاري الأمني المصغر؟ أكانت هذه مبادرة دان حلوتس مرة اخري؟ أم أنها قد تكون هذه المرة عملية زيادة دفع؟.
لم تكن القُبل اجراء مقنعا لانشاء انطباع وكأننا قد سرنا في طريق التحادث والتنازلات. ما الذي فكر فيه اولمرت؟ أن تكون القُبل تعويضا عن رفضه لمدة عشرة اشهر أن يلقي أبو مازن؟ يبدو أن نعم. كما اعتاد المستوطنون من اوروبا أن يشتروا في افريقيا الألماس والذهب لقاء مرايا وعقود، أراد اولمرت أن ينشئ وهم صفحة جديدة بلفتة هي اقامة علم فلسطين الي جانب علم اسرائيل وتسميته بلقب رئيس، الذي كان منذ الأزل محظورا عندنا. وكزيادة علي ذلك جاء بعليزا زوجته للمصافحة. كان يستطيع أبو مازن أن يُقبّل يد جلالتها. لكنه الرجل النبيل، اكتفي بمصافحتها.
في وجبات قمة كهذه من المعتاد تبادل الهدايا والاشياء التذكارية. وعد اولمرت بأن يُسرب الي ضيوفه مئة مليون دولار من الـ 500 مليون التي تعود للسلطة، وهي مجمدة هنا، في حين أنهم في غزة جوعي للخبز. وقد وعد ايضا بـ العمل في إزالة عدد من الحواجز في الضفة وأن يطلق عدة عشرات من السجناء (من فتح في الأساس) من الآلاف الذين عندنا قبل أن يُطلق سراح جلعاد شليط. ماذا كان يضر لو كان وفر اولمرت عليه القُبل، لكنه أعاد اليه بمقابلة ذلك جميع الاموال المجمدة للسلطة، وأطلق سجناء نوعيين كثيرين من اجل أن يعزز الرئيس إزاء حماس ويهب له دافعا ليجهد جهدا أكبر لوقف صواريخ القسام؟. كان يمكن أن يكون ذلك بدء صداقة رائعة، كالجملة الختامية التي لا تُنسي في فيلم كازبلانكا، لولا وجود شخصيتين ذائبتين في ظلام الليل في المستقبل غير المعلوم، زوجان من القادة الضعفاء يريدان لكنهما لا يستطيعان.
يوئيل ماركوس(هآرتس) 26/12/2006