«قد أكون أنا الميت في الصورة»

حجم الخط
0

دمشق – نور أبو فراج : «قد أكون أنا ذاك الميّت في الصورة»، ربما تكون تلك الفكرة الأكثر إلحاحاً في ذهن شرائح واسعة من الشباب السوريين. تحفّزها كل صورة جديدة لضحايا قضوا تحت القصف أو التعذيب، أو جراء الجوع والبرد. فالحرب السورية اليوم مفتوحة على احتمالات لا تنضب من الموت. الموت الذي يبدو أحياناً حاضراً في نشرات الأخبار أكثر من حضور الحياة نفسها، في بلدٍ فقدت ما يتجاوز (500 ألف) من أبنائها خلال السنوات الخمس الماضية.
تاريخياً عبّر الإنسان عن قلقه من الموت بأساليب مختلفة، بدءاً من الطقوس الدينية، ومروراً بالفلسفة ووصولاً إلى علم الاجتماع والإنثروبولوجيا. كان الموت حاضراً أيضاً في العديد من المؤلفات الموسيقية مثل القدّاسات الجنائزية. لا يختلف الأمر فيما يتعلق بالأدب، حيث يكاد يصعب احصاء الروايات التي عالجت موضوعة الموت، وأحد الأمثلة التي يمكن سوقها هنا، كتاب خوسيه ساراماغو «انقطاعات الموت»، وفيه يحاول الكاتب أن يقرر أيهما أكثر إخافة؛ حياة تمتزج بالموت أم تخلو منه؟، واليوم أصبح”قلق الموت” (thanatophobia) موضوعاً مستقلاً للدراسة، له مقاييسه وأدواته البحثية الخاصة1.
وهكذا يمكن القول أن تأمل ثنائية )الحياة /الموت(، لازمت للإنسان لحظة بلحظة. إلا أن الحضور الطاغي للموت زمن الحرب يحفّز مخاوف من نوعٍ مختلف. فالحرب كما يقول فرويد تضع المرء أمام الموت وجهاً لوجه، وتجبره على الاعتراف به باعتباره “ضرورة” بدلاً من كونه “عارضاً” أو “طارئاً”. «الموت هو موتنا نحن، ومع ذلك لا نفكّر فيه إلا بوصفه موت الآخرين»2.
مصطفى (28 عاماً) الخارج أخيراً من سوريا، بعد أن أمضى السنوات الثلاث الماضية محاصراً في أحد ضواحي دمشق، يقول في مقابلة مع “القدس العربي” بأنه لطالما كان يخاف الموت، إلا أن مخاوفه اكتسبت مع الحرب أبعاداً أخرى. يحاول مصطفى صوغ مخاوفه بكلماته: «الموت أن أعيش في منزل نوافذه بلا زجاج لأنّ صاروخاً طال المكان. أنّ جيشاً سيدخل، ويعدمني جنوده على جدار أو أن جماعةً ما سيذبحونني بسبب وجهة نظر. أساساً، وقبل كل شيء كنت خوّافاً من الموت. كيف وأنا في سنين قليلة حضرت جنائز كثيرة لأناس ما كان ينبغي أن يموتوا هكذا». يستطرد مصطفى في سرد التفاصيل التي تحفّز مخاوفه وتثيرها: «طويلاً كنت عرضة للموت، ومراراً نجوت. براميل متفجرة كثيرة سقطت قربي. سقطة البرميل تعادل ذلك الوقوع اللانهائي للقلب في حفرة من النار، أما أن أموت ويسبق ذلك توجّعات، فمعضلة». يقول الشاب، الفائز بمنفاه الجديد، أن الخوف من الموت مازال ملازماً له حتى في “منفاه”، فهو يتوقع دائماً أن يهوي شيءٌ ما بجانبه وينفجر.
في المقابل يعترف فادي (38 عاماً) الذي اختبر تجربة اختطاف والده وفقدان منزله في حمص، بأن التفكير بالموت يشغله. قد لا يخيفه الموت بذاته، لأنه «مجهولٌ»، كما يقول، لكن يقلقه التفكير بالكيفية التي قد يحدث بها، في بلدٍ تؤمن خيارات لا تنضب من الميتات. «ازداد تفكيري بالموت حينما شعرت بعبثية كل يومٍ نعيشه، كفقدان العمل والشعور بظلم النظام الاجتماعي، وتفكك المجتمع. تحوّل الموت إلى هاجس حين فقدت أبي بسبب طارئ صحي غير متوقع. لاحقاً ازدادت سطوة الموت مع فقدان الكثير من الأصدقاء أو المعارف بطريقة عجيبة»
ضمن مسيرتها المهنية كمعالجة نفسية، عملت ميسون الصفدي مع ضحايا من حرب العراق الذين قدموا إلى دمشق بعد العام 2003، واستمرت في عملها أثناء الحرب السورية. تقول الصفدي أن “الخوف من الموت هو المُحرّك للكثير من المخاوف الأخرى، أي أنه قد يتخفى وراء مجموعة من المخاوف والمُشكلات النفسية. لكن في المقابل يمكن النظر إلى كل فعل يقوم به المرء بوصفه تعبيراً عن رفضٍ الموت”.
يعد الشعور بالذنب، وفق ما تقول الصفدي، أحد العوامل المهمة التي تحكم علاقتنا بالموت، “الذنب للبقاء على قيد الحياة فيما مات من نحبهم. أو اختبار مستوى أعمق من الشعور بالذنب حينما نشعر بأننا قد نكون مسؤولين عن موتهم لأننا تمنيّنا ذلك بصورة لا شعورية أو لا واعية”.
تشير الصفدي إلى “دور إحياء الطقوس الاجتماعية للحداد، في مساعدة الأشخاص على تقبّل خسارة ذويهم، مثل مجالس العزاء وتوزيع الطعام على روح الميّت، أو إشعال الشموع أو زيارة المقبرة”.
وتؤكد الصفدي أن الأشخاص الذين يبقون في عداد المفقودين، أو يموتون في ظروف استثنائية، من دون وجود دليل مادي محسوس (مثل الجثمان أو الأغراض الشخصية) قد يواجه ذووهم صعوبةً أكبر في تقبّل حقيقة الموت والتصالح معه.
وتقترح ميسون الصفدي أنه وفي ظل الحروب والأزمات، وحين يكون أعداد الضحايا والمنكوبين أكبر من أن يتم التعامل معها بصورة فردية من خلال العلاج النفسي الفردي مثلاً، لا بد من التفكير بإحياء الطقوس الجماعية التي تساعد على الاعتراف بالموت، وتوديع الموتى وإقامة نوع من الحداد النفسي، مثل تشييد الأضرحة العامة، أو الرمزية (كضريح الجندي المجهول مثلاً).

—————–
1 يمكن الإطلاع على كتاب قلق الموت من تأليف أحمد محمد عبد الخالق، وكتاب الموت في الفكر الغربي من تأليف جاك شورون
2 سيغموند فرويد. الحب والحرب والحضارة والموت. (ترجمة: عبد المنعم الحفني). القاهرة: دار الرشاد

«قد أكون أنا الميت في الصورة»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية