ميسرة أبو حمدية يسمع المواطن العربي ويشاهد عبر وسائل الإعلام مشاهد يومية لممارسات جيش الاحتلال الصهيوني اليومية على أرض فلسطين. ورغم أن ما تنشره وسائل الإعلام يشكل جزءاً يسيراً من عمليات القتل والتنكيل، فإن رد الفعل الفلسطيني والعربي لا يزال دون المستوى المطلوب، إذ يكتفي بالشجب، ويذرف دمعتين، ويقرأ الفاتحة على أرواح الشهداء.
في فلسطين، هناك أماكن فظيعة محجوبة لا يمكن لوسائل الإعلام الوصول إليها. هذه الأماكن هي ‘السجون والمعتقلات’ التي تمارس فيها أجهزة الأمن الصهيونية سائر أشكال التنكيل والتعذيب المعنوي النفسي والجسدي بحق الأسرى، فأجهزة الأمن التي تشرف على إدارة هذه السجون والمعتقلات تمنع وسائل الإعلام من دخولها، وتشدد إجراءاتها على الأسرى لمنع تسريب أي مواد إعلامية مكتوبة تصف ما يحدث، بينما يبذل الأسرى كل ما في وسعهم لتسريب ما يحدث بحذر شديد حتى لا يكشفوا فيتعرضوا للتنكيل والعزل في زنازين انفرادية. وإذا ما شاهد المواطن العربي مشاهد عن الأسرى في السجون، فإنها تكون مشاهد ممنتجة ومبتورة، تخدم إعلام العدو الصهيوني وأهدافه القمعية.
في هذه السطور، سنعرض وصفاً دقيقاً لسجون الاحتلال ولما يحدث فيها من ممارسات من قبل أجهزة الأمن والشرطة الصهيونية المحتلة، وهو ما شاهدناه ولمسناه على جلودنا ونحن ننزف سنوات عمرنا داخل الأسر. نبذة عن الأسرى وإدارتهم لشؤونهميدير الأسرى شؤونهم الحياتية بأنفسهم، فالسجن عبارة عن عدة أقسام. يتسع كل قسم لحوالي (120) أسيراً، حيث يقيم أبناء كل فصيل مع بعضهم البعض. وقد يضم القسم فصيلا واحد أو فصيلين أو ثلاثة ونسبة عدد أفراد الفصيل تختلف من قسم إلى آخر. ولكن النسبة العامة موزعة على النحو التالي بعد صفقة شاليط. نسبة أسرى حماس 17′ من المجموع الكلي تقريباً. ونسبة أسرى الجهاد الإسلامي حوالي 7′ من الأسرى ونسبة اليسار الفلسطيني حوالي 3′. من مجموع الأسرى إذا علمنا أن عدد الأسرى الكلي (4500) أسير تقريباً وهي نسبة متغيرة بسرعة كبيرة سواء بالزيادة أو النقصان، نظراً للاعتقالات اليومية، وأعلى نسبة من الأسرى من حركة فتح يشكلون 73′ حالياً.
لكل فصيل لجنة تنظيمية يتم انتخابها بطريقة ديمقراطية بالاقتراع السري من قبل أعضاء التنظيم نفسه ودون تدخل من أي فصيل آخر أو إدارة السجن، حيث يتم اختيار لجنة تقوم بإجراء الانتخابات، والإشراف عليها، وفرز الأصوات، والإعلان عن النتائج وإعطاء مهلة لمن يريد الاعتراض. ويكون عدد أعضاء اللجنة التنظيمية حسب النظام الداخلي المتفق عليه، على سبيل المثال في حركة حماس يتم انتخاب العدد المتفق عليه والذي يشكل مجلس الشورى حيث يقوم بدوره بانتخاب المكتب التنفيذي من بين أعضاء المجلس والمكتب التنفيذي ينتخب الأمير العام في السجن نفسه. ونفس الشيء تقريباً في حركة فتح حيث يتم انتخاب العدد المتفق عليه، والذي يشكل اللجنة التنظيمية والتي بدورها تقوم بانتخاب اللجنة المركزية من بين أعضائها. وتقوم اللجنة المركزية بانتخاب الموجه العام للتنظيم في السجن نفسه، وكذلك يقوم الجهاد الإسلامي بانتخاب ممثليه بنفس الطريقة وكذلك اليسار الفلسطيني.
ولكل قسم يتم اختيار ممثل بالتوافق بين الفصائل التي تقيم في نفس القسم، مهمته تمثيل الأسرى أمام إدارة السجن، ويتم اختيار ممثل عام للسجن من التنظيم الأكثر عدداً، حسب الأعراف المتفق عليها في الحركة الأسيرة، والحركة الأسيرة هي الإطار الذي يوحد جميع الأسرى بمختلف أطيافهم السياسية، ويكون لكل فصيل مندوب يمثل فصيله، حيث يقوم هؤلاء بالتنسيق والتشاور فيما بينهم لمواجهة مخططات إدارة السجن. ومن أجل وضع الخطط البرامج لتحسين شروط حياة الأسرى في السجون والمعتقلات، والدفاع عن حقوق الأسرى، أي أن الحركة هي صورة مصغرة عن منظمة التحرير. أما مهمة لجنة تنظيم الفصيل فهي إدارة الشؤون التنظيمية والإدارية والثقافية والتعبوية، وكذلك الشؤون المالية، ومهمة ممثل المعتقل هو نقل حاجات الأسرى والمطالبة بها واستلام التوجيهات من إدارة السجن المتعلقة بالأسرى.. ولا يسمح لأي أسير بأن يقوم بنفسه بمتابعة أموره التي تمر عبر إدارة السجن بل يقوم ممثل المعتقل بذلك من أجل الانضباط والالتزام وفرض النظام، وعدم السماح لإدارة السجن بالتدخل في الشؤون الخاصة والتنظيمية للأسير، ومن أجل الحفاظ على وحدة الحركة الأسيرة وأن يكون موقفها واحدا يعبر عن وحدة المصير والهدف، ولمواجهة أي إجراءات تسيء إلى الأسرى وتنغص حياتهم، ومن أجل الوقوف صفاً واحداً متراصاً لتحسين شروط حياتهم وتنفيذ مطالبهم، مثل إعلان الإضراب عن الطعام، أو التصدي لكل محاولات النيل من كرامة الأسرى وعزيمتهم وإرادتهم.
لا تنتهي المواجهة مع قوات الاحتلال الصهيوني بعد الاعتقال، بل تتحول المواجهة إلى ميدان السجون والمعتقلات، وسلاح ميدان المواجهة في السجون هو الإرادة والصمود والثبات ومنع العدو من تحقيق مخططاته التي تهدف إلى تحطيم إرادة المناضلين والمجاهدين، ونزع الأمل والعزيمة وزرع اليأس والقنوط، ولا شك أن العدو الصهيوني يمتلك الأدوات والخبرات الاستعمارية، وهذا ما يدعو إلى تضافر الجهود لدعم صمود الأسرى والإصرار على إطلاق سراحهم. وسائل القمع في السجون الصهيونيةاستخدام الأسرى كمادة للتدريبات القمعية:
أنشأت إدارة السجون وحدة خاصة أطلقت عليها اسم ‘المتسادا’ أوكلت إليها مهمات قمع الأسرى وتفتيشهم والتنكيل بهم، واستخدام الأسرى كأهداف للتدريب، مثلما حصل في أكتوبر عام 2007 ، حيث شاهد العالم شريطاً مصوراً لقمع أسرى معتقل النقب الذي أدى إلى استشهاد الأسير محمد الأشقر وجرح أكثر من 120 أسيراً.. وكان سبب نشر مقاطع من الحادثة يتعلق بالتنافس بين ضباط إدارة مصلحة السجون والمعتقلات على استلام مدير جديد لإدارة السجون بعد اقتراب انتهاء مدة المدير السابق يعقوب جانوت. وكان نائب المدير جافيرون الذي أشرف على الوحدة لإجراء هذه التدريبات أحد المنافسين، وقد أعلن أن سبب هذه التدريبات هو كسر حاجز الخوف لشرطة السجون في مواجهة الأسرى الفلسطينيين. وقد استخدموا الرصاص الحي في التدريب، فهذه الوحدة مجهزة تجهيزاً كاملاً بالأسلحة الفردية المختلفة مثل بنادق رشاشة ومسدسات، وبنادق خاصة تطلق مواد كيميائية تسبب حروق وتقرحات على الجلد، وبنادق قاذفة للغازات الخانقة والمدمعة، ومسدسات ترسل شحنة كهربائية عالية الجهد، ومجهزين بالخوذات والدروع الواقية والتروس وجعبة مليئة بالعتاد وحقيبة مليئة بالإسعافات، وحزام محمل بأجهزة الاتصال ومعلق به عصا بلاستيكية يستخدمها في حالة نفاذ الذخائر.
وفي نموذج آخر للتدريبات، قامت الوحدة بالإغارة على قسم 10 في سجن نفحة الصحراوي وكبلت الأسرى وهم شبه عراة، حيث كان بعضهم يغير ملابسه من أجل الخروج إلى ساحة السجن، وأدت هذه الغارة إلى إتلاف الأمتعة والمعلبات الخاصة بالأسرى مما جعل بعض الأسرى يرفعون شكوى ضد إدارة السجن، فكان رد المدير في المحكمة أنه كان يقوم بالتدريبات. ومن بين الأسرى الذي قدّم الشكوى الأسير المحرر زياد سلمي من قطاع غزة.- طريقة معالجة الأسرى المصابون والمرضى:
يتم اعتقال قسم من الأسرى وهم مصابون بطلقات نارية أو بشظايا قذيفة من صاروخ أو دبابة، وتكون الإصابات في أنحاء مختلفة من الجسم مما يستدعي نقله إلى مستشفى لتقديم العلاج ولاستكمال التحقيق. وإلى هنا تبدو الأمور عادية ولكن تبدأ عملية الإهمال المتعمد أثناء العلاج، بحيث يتلقى الطبيب أمراً بتقديم الأدوية، لكن بدون إصلاح وترميم مكان الإصابات مع تقديم العلاج لوقف الآلام وإبقاء التشوهات كما هي، ويوجد العديد من الأسرى الجرحى الذين لا يزالون يتناولون العلاج دون الوصول إلى حالة الشفاء، ونموذج لهذه الحالات الأسير منصور موقدة الذي يقيم في مستشفى الرملة، وكان قد أصيب بعدة طلقات في بطنه واخترقت أمعاءه، حيث شفي مكان اختراق الطلقات ولم يتم ترميم الأمعاء لكي تعود إلى عملها. ولذلك وضعت له أنابيب وربطت في الأمعاء إلى كيس معلق في حزامه لإخراج البراز، وكيس آخر لإخراج البول، وحينما يرفع ملابسه من مكان الإصابات فإنك لا تستطيع الاستمرار في النظر إلى المشهد البشع للتشوهات في بطنه.
بالإضافة إلى نماذج أخرى من الشباب المقعدين على مقاعد متحركة، أو مرضى القلب الذين يحتاجون عمليات جراحية أمثال علاء حسونة، فقد يتناولون علاج لتسكين الآلام فقط. هذا الإهمال المتعمد يتم بإيعاز من أجهزة أمن العدو الصهيوني، لأن المطلوب هو إبقاؤهم أحياء ولكن بدون شفاء حتى يكونوا عبرة لغيرهم. كانت التعاليم التي ترسل لأفراد الجيش بإطلاق النار على الجزء الأسفل من البطن حسب تصريح صحفي إسرائيلي عام (2002) حينما قال ‘يجب أن ينشغل جميع أفراد الأسرة بهذا الجريح إلى الأبد ليكون عبئاً مادياً ونفسياً حتى يقرف الجميع حياتهم’. وحينما تسأل الطبيب فيما إذا كان العلاج لفترة معينة يتم بعدها فحص المريض للتأكد من نجاعة الدواء، يرد عليك بأن عليه الاستمرار في تناول هذا العلاج إلى الأبد، وكثير من المرضى أصيب بأمراض جديدة بسبب صرف علاج لهم بالخطأ، أو بسبب استخدام حقنة استخدمها لمريض سابق مما أدى إلى نقل المرض كما حصل مع الأسير عثمان أبو خرج من جنين، ليس هذا فحسب، بل إن المكان الذي يقيم فيه المرضى والجرحى لا يصلح أن يكون سجناً للأصحاء، فالمرضى يعانون من العلاج ومن وساخة المكان.- استخدام المجندات في السجون لأهداف معينة:
تضم طواقم شرطة السجون مجندات بعدد كبير، وقد بدأت مصلحة سجون العدو باستخدامهن فقط بعد انتفاضة الأقصى، ومعظمهن من أصول روسية، ولا يقل عمر المجندة عن (19) عاما ولا يزيد على (25) عاماً، ويختلطن بالأسرى بحكم عملهن ووظيفتهن مثل مرافقة الأسرى العاملين في خدمة إخوانهم في عمل توزيع الطعام وغسل الملابس والمكتبة والحلاقة، ووضع القيود في أيدي الأسرى ونقلهم إلى أماكن زيارة الأهل، وتفتيش الأهل حين قدومهم لزيارة ذويهم، لكن وجود المجندة له أبعاد أخرى نفسية من خلال إلقاء الأوامر على الأسير، وقد تسيء إلى الأسير فيتأزم لأنه لا يستطيع الرد عليها، لأنه من السهل جداً أن تتهمه بالتحرش، وقد واجه الأسرى مثل هذه المواقف، ومن مهماتها الأخرى إبداء وإظهار أنوثتها، وهن يتدربن ويتم إرشادهن من قبل مصلحة السجون بحيث يبدين لطفاً أمام أسير قد يضعف ليؤدي به إلى خدمة أجهزة الأمن والاستخبارات في السجون، فإظهار وإبراز الأنوثة والتعامل بلطف يؤدي إلى الإعجاب والتعلق الذي ينسي البسطاء والمستجيبين للإجراءات الأنثوية بأنهم سجناء، وهنا تكمن خطورة وجود المجندات في السجون، وقد حدث مثل ذلك.
حرمان الأسرى من زيارة أهلهمبعد أسر الجندي الصهيوني في شهر حزيران عام 2006، جعل العدو منه ذريعة لمنع أهالي قطاع غزة من زيارة أبنائهم في السجون، حيث أن السجون جميعها في المناطق المحتلة عام48، واستمر هذا المنع حتى بعد إتمام عملية تبادل الأسرى التي حصلت في شهر أكتوبر عام (2011). كذلك بسبب احتجاز الأسرى في المناطق التي احتلت عام 48، حيث يحتاج أهالي الأسرى في الضفة والقطاع إلى تصاريح من أجهزة الأمن للعدو الصهيوني، وبسبب رفض أجهزة الأمن إعطاء تصاريح للكثير من أهالي الأسرى وذويهم لزيارة أبنائهم في هذه السجون، جعل الأسرى يردون على هذه الإجراءات التعسفية بابتداع وسائل لتهريب أجهزة الهواتف النقالة من أجل الاتصال بأهاليهم وطمأنتهم على أحوالهم. وكذلك بسبب رفض مصلحة السجون تركيب أجهزة تلفون داخل السجون، مثل أي تسهيلات للأسرى حسب اتفاقات جنيف التي يرفضها ويرفض التوقيع عليها، ثم يطلب أن يتم التعامل مع جنوده الأسرى حسب اتفاقية جنيف.
ومن الإجراءات التعسفية الأخرى، منع الأسرى من الانتساب للجامعات المفتوحة لتلقي التعليم سواء الجامعات العربية أو الجامعات العبرية، ومنع الصحف باللغة الإنجليزية.- التفتيش والإرهاب الليلي عبر وحدة المتسادا:
عودة إلى مهمة وحدة ‘المتسادا’ في الإغارة على غرف الأسرى بالليل وهم نيام، قبل الشروع بالمهمة بنصف ساعة تقريباً، يقوم ضابط الوحدة بجمعهم بعدتهم الكاملة في طابور، ويبدأ بتوجيه التعليمات والإرشادات، ويتم تقسيم الوحدة إلى مجموعات كل حسب مهمتها، فمهمة المجموعة الأولى الوقوف أمام غرف السجن وتغطية الفتحات في الأبواب بالتروس لمنع الأسرى من إلقاء أي مادة عليهم، تتبعها مجموعة تحمل قاذفات الغاز ومجموعة تحمل بنادق لقذف المواد الكيميائية التي تسبب حروق وقروح على الجسم، يساند المجموعة الأولى وحدة أخرى تحمل القيود مع عدد الحماية والهجوم، ومفرزة لتفتيش الأسرى شخصياً، ومفرزة مهمتها تفتيش أمتعة الأسرى، ووحدة مهمتها فحص الجدران والخزائن والنوافذ والشبابيك، ومفرزة فنية لفحص الكهرباء والأدوات الكهربائية، بالإضافة إلى مجموعات خارج القسم للحماية والمساندة، وحدتين على سطح السجن لأي طارئ، ووحدة تحمل كاميرات تصوير فيديو، وعندما تندفع الوحدة بشكل سريع ومفاجئ، تأخذ كل وحدة مكانها خلال دقيقة على الأكثر، ويكون الاقتحام للسجن إما في الثانية فجراً، أو الثانية عشرة منتصف الليل، أو الخامسة فجراً، أو السادسة مساءً حين البدء أو الانتهاء من إحصاء الأسرى، ليس وقتاً محدداً، كل الأوقات مفتوحة، حيث يندفع أفراد من الوحدة المدججين داخل الغرفة بشكل سريع ومفاجئ ملقين الأوامر بصوت عالٍ وطالبين من الأسرى التزام الهدوء والوقوف، وقد يحدث اشتباك بالأيدي مع الأسرى ويتعرض الأسرى للقذائف الكيميائية التي تسبب الحروق والقروح وكذلك الضرب بالهراوات، مما يتسبب بوقوع إصابات بين الأسرى. وأحياناً لا يحدث اشتباك، ويتم الاتفاق على التعامل باحترام ويتم تفتيش كل أسير على حدة، ويتم تكبيلهم ونقلهم إما إلى غرفة المطبخ في القسم أو إلى غرفة تسمى غرفة الانتظار، لحين الانتهاء من عملية التفتيش، وتبدأ كل مجموعة بالتفتيش حسب اختصاصها، ولا يترك شيء من الأمتعة إلا ويتم تفتيشه، أما الأجهزة الكهربائية والخزائن والأحذية والمعلبات فيتم إدخالها في جهاز الكشف بالأشعة، حيث تظهر محتوياتها على شاشة الجهاز.
وللتنغيص على الأسرى يقوم أفراد الوحدة بخلط الأمتعة الخاصة ببعضها البعض، ولزيادة التنغيض يقومون بإزالة (Label) الورقة الملصقة على كل علبة المكتوب أو المرسوم عليها محتوى المعلبات، وفي هذه الحالة لا يستطيع المرء تمييز علبة الفاصوليا من علبة الفول من علبة الذرة من علبة المرتديلا. وقد يستمر تفتيش الغرفة من 6 ساعات إلى (24) ساعة، حيث يعود الأسرى إلى الغرفة لإعادة ترتيب أمتعتهم، هذا التفتيش من أجل البحث عن الهواتف النقالة، فإن وجدوا شيئاً يعاقب الأسرى في الغرفة، بسحب كل الأدوات الكهربائية، ووضع كل أسير منفرداً في زنزانة لا يسمح له إلا بفرشة وبطانية ومخدة ومصحف فقط حتى يقضي مدة العقوبة التي يحددها مدير السجن، وقد يعاقبوا بغرامات مالية، تصل إلى ألف شيكل على كل أسير، مع منع زيارة الأهل للأسير تصل إلى شهرين أو ثلاثة، والمنع من الخروج من الغرفة طيلة مدة العقاب.
العزل الانفراديمن الإجراءات العقابية التعسفية والقمعية التي تمارسها إدارة السجون ضد الأسرى، سياسة العزل، وهي ليست جديدة فهي قديمة قدم الحركة الأسيرة، كانت إدارة السجون تمارس هذه السياسة لعقاب الأسرى الذين يحتجون على معاملة إدارة السجون، أو الذين يطالبون بتحسين ظروف حياة الأسرى، وسواء كان هذا الاحتجاج بالإضراب عن الطعام حتى يتم تحقيق المطالب أو الاحتجاج بوسائل أخرى، حيث تقوم إدارة السجن بعزل الكوادر التنظيمية المؤثرة من أجل إضعاف موقف الأسرى، وإرباكهم وتفتيت موقفهم، أو التنازل عن مطالبهم مقابل إخراج الأسرى من العزل وحرفهم عن مطالبهم التي احتجوا على إدارة السجن بسببها. كان هذا سابقاً، أما في المرحلة الحالية، فتأتي التعليمات من أجهزة الأمن مرفقة مع الأسير بأن يتم عزله في قسم العزل الخاص، أو عدم إبقائه مستقرا في سجن واحد لفترة طويلة بل يجب نقله كل شهرين أو ثلاثة من سجن إلى آخر.
أما أقسام العزل الخاصة فهي معزولة تماماً عن أقسام السجون، وهي عبارة عن غرف صغيرة، إما تتسع لسجين واحد، أو لاثنين فيها مرحاض صغير، بابه لا يرتفع بحيث يظهر السجين فيه إذا وقف، ويوجد على الباب فتحة صغيرة تفتح فقط لإدخال الطعام، وقطعة من الخشب مثبتة بالحائط طولها 30سم وعرضها 30 سم عليها بلاطة معدنية تعمل على الكهرباء لطهي الطعام. وأحياناً كثيرة لا يوجد، والأسير يضطر للأكل من طعام يقوم بطهيه أسرى صهاينة غير ناضج وغير نظيف وغير متقن، ويوجد نافذة ارتفاعها متر وعرضها كذلك، عليها شيك من قضبان فولاذية بقطر (8 ملم) بالإضافة أن خلف الشبك أباجور من البلاستيك يحجب الضوء ويدخل الهواء فقط، والغرفة طولها ثلاثة أمتار وعرضها مترين وعادة ما يكون فيها أسيران.
ومسموح للأسير أن يخرج لمدة ساعة إلى ساحة صغيرة لا يزيد طولها عن عشرة أمتار، وعرضها ثمانية أمتار وفي يديه ورجليه قيود، يضعها الشرطي قبل خروجه ويفكها باب الغرفة حين عودته، كما أنه يمنع من الحديث مع أي سجين في الساحة أو في الغرفة المجاورة.
ويكون السكون في القسم شبيها بسكون القبور، وقد تسمع في الليل صوت طرق على أحد الأبواب وصراخ مزعج وشتائم بذيئة قد تستمر لساعات حتى الفجر، مصدرها من سجناء صهاينة إما مدنين أو لا يطيقون البقاء في المكان، أو مكلفين بممارسة الإزعاج عمداً.
وقد تعود من نومك على صوت صراخ شرطي وبرفقته عشرة من الشرطة مدججين، يطلب منك النهوض والوقوف إلى الحائط، وينزع الملابس عنك من أجل تفتيشك، ثم يضع القيود في يديك وقدميك وينقلك إلى شرطي آخر يقوم بتمرير (الماغناميتر) وجهاز يدوي للكشف عن المعادن، ثم يأخذك إلى ساحة السجن حتى ينتهي تفتيش الزنزانة الذي قد يستغرق ساعات يتم خلالها بعثرة الأمتعة وسكب المواد التموينية والطعام فوق الملابس، هم يعلموا أنه لا يوجد شيء مخفي لأن الأسير لا يتصل بأحد ولا يشاهد أحدا، لكنهم يفعلون ذلك من أجل التنكيل والإزعاج والتنغيص، ولا يزيد عدد الأسرى في العزل عن 15 أسيراً.
لماذا سجون العدو الصهيوني تختلف عن سجون العالم؟
صممت السجون الخاصة بالفلسطينيين في الكيان الصهيوني بتصميم معماري يختلف عن كل سجون الأرض.
فالقسم الذي نعيش فيه مثلا يتكون من ثمانية عشر غرفة منها ثلاث غرف للخدمات: مكتبة ومغسلة، وغرفة لتوزيع الطعام، ويفصل الغرفتين، المكتبة والمغسلة عن الغرف التي ينام فيها الأسرى شبك بارتفاع ثمانية أمتار متصل من الأعلى بشبك يغطي ساحة السجن التي تمتد بين صفي غرف الأسرى وطول هذه الساحة (32) متراً وعرضها (12) متراً مغطاة بشبك من قضبان حديدية مثبتة على قوائم حديدية على شكل سكة القطار، وجزء من الساحة مغطى بأسبست أو صاج، والخروج في النهار من الغرف إلى الساحة لرؤية الشمس التي لا يمكن أن تسقط على الساحة إلا بعد العاشرة صباحا لأنها محاطة من جميع الجهات بجدران عالية في بعض الساحات قد يصل إلى ثمانية أمتار. ولذلك لا تستطيع إلا أن ترى بقعة من السماء عبر الشبك الذي يغطي الساحة، وأما الغرف والتي يقيم فيها ثمانية أسرى على أسرة من الصاج طابقين، وبها مربعات من خشب الدكت مثبتة على الحائط لوضع الملابس، وفيها حمام ومرحاض وبلاطة معدنية تعمل على الكهرباء لطهو الطعام، ونافذة بارتفاع متر وعرض 120 سم عليها شبك من قضبان حديدية فولاذية، وأعمدة من الحديد بعرض 10 سم لكل عمود وعددها أربعة، وخلف النافذة ينتصب صاج بارتفاع ثلاثة أمتار على مسافة متر من النافذة، ولا تستطيع أن ترى من النافذة إلا رقعة من السماء، وإذا ذهب لقاعة زيارة الأصل أو ذهبت إلى قسم آخر أو إلى العيادة تنتقل عبر أنفاق من الحديد المغطى بالصاج، كأنك تمشي في مواسير بارتفاع مترين ونصف وعرض مترين. أي أنك لا ترى لا عن يمينك ولا عن شمالك ولا من فوقك، ممنوع على الأسير أن يرى جبلاً أو شجراً، أو زرعاً أو بيتاً خارج السجن، الرؤيا على امتداد الأفق، أو على مستوى الأفق محجوبة فقط ترى بقعة من السماء، هذه السجون صممت للفلسطينيين والعرب فقط.
على الرغم من كل ما ذكر فإن ذلك لن ينال من عزيمتنا ولا من صمودنا كل ذلك العزم والصمود والتحدي بفضل إيماننا بالله عز وجل وإيماننا بعدالة قضيتنا وإيماننا بحتمية الانتصار بإذن الله. وأن الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون.
نعم، قد يستطيعون قتلنا ولكن لا يستطيعون كسرنا، وإن النصر لآت من عند الله.
أسير محكوم بالمؤبد في سجون الاحتلال الصهيوني