قد يكون أفضل أفلام ستيفن سبيلبرغ وأكثرها اشكالية ميونيخ : العقاب الإلهي الذي ارتد إلي نحر أبناء الرب

حجم الخط
0

قد يكون أفضل أفلام ستيفن سبيلبرغ وأكثرها اشكالية ميونيخ : العقاب الإلهي الذي ارتد إلي نحر أبناء الرب

عماد عبد الرازققد يكون أفضل أفلام ستيفن سبيلبرغ وأكثرها اشكالية ميونيخ : العقاب الإلهي الذي ارتد إلي نحر أبناء الربلعلها الصدفة وحدها التي جعلت فيلم المخرج الأمريكي الشهير ستيفن سبيلبيرغ الأخير ميونيخ يصل الي صالات العرض في لحظة تاريخية أقل ما توصف به أنها فاصلة، تشهد تقلبا سياسيا عاصفا علي جانبي الصراع العربي الاسرائيلي، يسدل الستار فيها علي حقبة في طريقها الي التلاشي، ويرتفع عن أخري بالمزيد من التقلبات. وأهم من ذلك التزامن الذي رتبه القدر، أن الفيلم الذي يتناول حادثة تاريخية لم يتلكأ كثيرا عند الخوض في تفاصيل ووقائع الحادثة المروعة وتسلسلها الزمني، كما هو المعتاد مع طرائق السرد البليدة التي تنتهجها مثل هذه الأفلام الوقائعية. بل إن سبيلبيرغ استلهم أهم ما في التاريخ وأعمقه، وهو العبرة المستقاة والتي لا يتأتي التوصل إليها إلا بتقادم الزمن عليها، وهو الجوهر الذي يمنح أي حادثة ـ او شخصية ـ تاريخية، تاريخيتها، أي ما يجعلها تبرز وتبقي وتستدعي من بين ركام الحوادث والشخصيات التي يطويها النسيان، في سلة مهملات التاريخ، مع الاعتذار عن العبارة المستهلكة.لهذه الاعتبارات، وليس من أجلها وحدها، نقول إن فيلم ميونيخ جدير بأن يشاهده الجميع، (ربما حتي قبل ان يفرغوا من قراءة هذا العرض.. إذا قرأوه)، فلسطينيين كانوا أم عربا، وقبل هؤلاء وأولئك أولاد عمومتنا اليهود. أيا كان موقع المشاهد من الصراع العربي ـ الاسرائيلي، هذا فيلم ممتع كعمل فني قائم بذاته، ولا نبالغ إن قلنا إنه من أفضل أفلام ستيفن سبيلبيرغ حتي الآن، وهو كمخرج تتجلي براعته الحرفية حين يتصدي لموضوعات واقعية، وليس بالضرورة حين يحلق في عوالم الخيال العلمي ويطلق العنان لألاعيبه الحاذقة في استخدام أحدث تقنيات المؤثرات المرئية والسمعية. ميونيخ دراما سياسية واقعية من الطراز الأول، صيغت في سيناريو محكم، شارك في كتابته إريك روث، والكاتب المسرحي توني كوشنر، (وهو صاحب سيناريو ملائكة في امريكا ، عن مسرحية له بنفس الاسم) جاء مترعا بالإثارة، يتوخي الدقة في تحري التفاصيل التي تصنع كل لقطة، ومدهش في خلق أجواء الحقبة التي شهدت احداثه الدموية في مطلع السبعينات. وهو فيلم عالمي بالمعني الحرفي للكلمة، تتسع رقعة أحداثه لتمتد من ميونيخ الي القدس مرورا بباريس وجنيف ولندن وروما ونيويورك وليس انتهاء ببيروت. أما اجتراح الفيلم الأكبر فهو سبره لجوهر الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، وتشريحه بمنطق درامي مكثف يبلور هذا الجوهر دون اختزال مخل، ويترك للمشاهد استكناه هذا الجوهر عبر تقاطع الخطوط الدرامية وتداعياتها علي مصائر الشخصيات. وأهم من ذلك كله أن فيلما يعالج موضوعا شائكا بفعل تقاطع العديد من المصالح والأيديولوجيات والعقائد الدينية المطلقة، وملحميا بفعل أبعاده التاريخية، وساخنا بفعل آنيته واحتدامه ومركزيته في شرق أوسط ملتهب اصلا، وفوق هذا وذاك فيلم مشحون وجدانيا لأنه يمس أوتارا مشدودة وعميقة في نفوس صانعيه بدءا من المخرج ومرورا بالممثلين يهودا وعربا، وليس انتهاء بقطاع عريض من المشاهدين الذين يتوجه إليهم، نقول إن فيلما محمل موضوعه بكل هذا الزخم الدرامي، لم يسقط في فخاخ المعالجات الفجة التي أتخمتنا بها هوليوود من تقسيم العالم الي أخيار وأشرار، خاصة تلك الأفلام التي امتطت موجة الحرب علي الارهاب وتنويعاتها التي لا تنضب. وليس الفيلم ميونيخ بعيدا بموضوعه عن الارهاب الذي يختلف تعريفه وفقا للموقع الذي يتخذه كل مشاهد من طرفي الصراع، بمثل ما أن كل طرف يجتهد في استخدامه لدمغ الآخر به من ناحية، ولاعتلاء صهوة التفوق الأخلاقي والحضاري من ناحية أخري، في ذات اللحظة التي يستخدم فيها ارهاب الطرف الآخر كذريعة للانتقام بأساليب لا تقل بشاعة أو وحشية. ولذا لم يكن مستغربا ان يتعرض فيلم سبيلبيرغ لانتقادات حادة تصل حد الادانة من بعض الأصوات اليهودية حتي أن البعض طالبوا بمقاطعته. وقد تجلي تميز الفيلم، من وجهة نظر كاتب هذه السطور، وقد شاهدته في نفس الفترة التي شاهدت فيها فيلمين آخرين، الأول فلسطيني بعنوان الجنة الآن Paradise Now يقدم معالجة باهتة ومفتعلة لجانب من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، ومع ذلك حاز قدرا من الدعاية لا نعلم حتي الآن السر وراءها، وفيلم آخر بعنوان سيريانا Syriana أيضا نال قدرا من الثناء والدعاية لا يستحقهما. لكن هذا موضوع آخر نؤجل الحديث عنه لمقال منفصل. ميونيخ: لحظة تاريخية غير فاصلة ينطلق فيلم سبيلبيرغ من ذروة الحدث المأساوي لعملية ميونيخ المعروفة التي وقعت أثناء أوليمبياد عام 1972 في ألمانيا، لكنه لا يتوقف عنده كثيرا إذ بعد عرض سريع ومشحون باللحظات المرعبة بالأبيض والأسود ينتقل الفيلم إلي موضوعه الأساسي أي تداعيات الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بعد تلك العملية. لكن هذه اللحظات المرعبة ستظل أشبه بكابوس يطارد بطل الفيلم ضابط الموساد أفنر وهو الذي تابعها علي شاشات التليفزيون في منزله مع زوجته الحامل، مثل الملايين حول العالم. في منزل رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير (الممثلة لين كوهين)، يعقد اجتماع هام بحضور كبار جنرالات الجيش بمن فيهم مدير المخابرات يستدعي إليه أفنر الذي سبق وأن عمل في طاقم الحرس الخاص برئيسة الوزراء. تستحضر غولدا مائير خطاب الضحية التقليدي الذي ما فتئت إسرائيل تردده منذ نشأتها، وتندب حظ اليهود الذين يذبحون من جديد علي مرأي ومسمع من العالم أجمع، ولا أحد يحرك ساكنا، واين؟ في ألمانيا ذاتها، التي صنعت مأساة اليهود في القرن العشرين. استدعاء خطاب الضحية هذا ليس سوي المقدمة المنطقية إن جاز التعبير لتعلن غولدا مائير أن زمن اسرائيل الضحية قد ولي، علي ما في ذلك من مغالطات فادحة. لأن إسرائيل سارعت بالرد علي عملية ميونخ بقصف مخيمات اللاجئين في جنوب لبنان وقتلت ما لا يقل عن ستين شخصا بحساب الجنرال الاسرائيلي الذي قال إن القصف استهدف معسكرات تدريب الفدائيين، ونحو مئتين بحساب مسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية. لكن الاجتماع مقدم هنا ليؤشر لبداية مرحلة جديدة في تعامل اسرائيل مع أولئك المهووسين أو من يسمونهم بالفلسطينيين، وهي تتساءل في استنكار: من هم هؤلاء الفلسطينيون؟! لا يمكن حتي التعرف عليهم او تحديد هويتهم؟ وتسأل أيضا المدعي العام إذا ما كان هناك تكييف قانوني ما يمكن اسرائيل من التعامل مع هؤلاء القتلة والرد عليهم بالمثل. المنطق الاسرائيلي الذي يستخلص من هذا المشهد هو أن ميونيخ أضحت نقطة فاصلة وأنه بات لإسرائيل منذ تلك اللحظة الحق في أن تتخذ ما يحلو لها للدفاع عن نفسها. إنه منطق يشبه الي حد ما ما أعلنته الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، التي استولدت استراتيجية الضربات الاستباقية وشن الحروب علي كل من ليس معنا، لأنه بالضرورة ضدنا. هذا المنطق الاسرائيلي الذي يجسده مشهد اجتماع الحكومة هو ما يتصدي الفيلم لتبيان فشله كخيار استراتيجي فضلا عن افلاسه السياسي وانحطاطه الأخلاقي ليس فقط بمعايير القانون والأعراف الدولية وبما فيها القانون الاسرائيلي ذاته، بل وأهم من ذلك في سقوطه بالمفهوم الأخلاقي اليهودي، وهو التأثير الأعمق الذي سيدمغ الشخصيات الرئيسية الضالعة في تنفيذ خطة الاغتيالات، وعلي حسب تعبير أحدها هذا مناقض لليهودية، نحن يهود وهو ما يعني أننا صالحون ومستقيمون . غضب الرب : أو الكيد المرتد غضب الرب أو العقاب الإلهي (The Wrath of God) هو الاسم الذي اختارته غولدا مائير وجنرالاتها للعملية التي كلف بها ضابط الموساد افنر ، وذلك سيرا علي النهج القويم الذي تتبعه اسرائيل في إسباغ صبغة دينية علي عملياتها العكسرية الانتقامية من خلال منحها أسماء ذات رنين توراتي (تذكرون عناقيد الغضب التي استهدفت جنوب لبنان). العملية باختصار تتلخص في تشكيل فرقة اغتيالات يقودها الضابط أفنر، يتم تزويده بقائمة من أحد عشر اسما فلسطينيا تجزم الموساد بأنهم كانوا وراء التخطيط لعملية ميونخ. الفريق يضم أربعة يهود جندوا من مجالات مختلفة في الحياة: ستيف (الممثل الصاعد دانيل كريغ، الذي سيلعب دور جيمس بوند الجديد خلفا للنجم الحالي بيرس بروزنان) وهو يهودي متعصب حد التطرف يتحرق لأن يلغ في الدم العربي ولا يأسي لدم يراق إلا إذا كان يهوديا، علي حد قوله، وقد جند لمهارته في قيادة السيارات في المواقف الحرجة التي تتطلب الفرار السريع من مسرح الجريمة. و روبرت (لعب دوره المخرج الفرنسي الشاب ماثيو كاسوفيتس) وهو اصلا صانع لعب ودمي جند ليكون صانع القنابل والمتفجرات التي تستخدم في عملية الاغتيالات. والثالث هو هانز (الممثل الألماني هانز زيخلر) وهو في الأصل تاجر تحف اثرية ومتخصص في تزوير المستندات التي يحتاجها أعضاء الفريق للتنقل في البلدان الأوروبية مثل جوازات السفر. والرابع هو كارل (الممثل كياران هندز) وهو ضابط سابق في الجيش يتميز برباطة الجأش حين يفقد الجميع أعصابهم، ومهمته التأكد من إتمام الاغتيال وتنظيف موقع الحدث من أية آثار قد يكون رفاقه قد تركوها. كل واحد من هؤلاء انتزع من عالمه الأثير أو تخلي عنه طواعية من أجل المهمة المقدسة التي يؤمن كل واحد منهم فيها بدرجة متفاوتة، لن تتكشف لنا مدي صلابتها إلا عبر العواقب والتداعيات المميتة لأفعالهم وتلطخ اياديهم بالدماء. وشيئا فشيئا يتبين لهم، ولنا نحن المشاهدين، أن غضب الرب لا يستثني أحدا من عباده، (وهو لا يفرق بالضرورة بين يهود ومسلمين، عربا واسرائيليين) وأنه سرعان ما يتجسد ككيد مرتد الي نحر صاحبه الذي أطلق السهم لأول مرة. فالدم لا يورث إلا الدم، والعنف لا يلد إلا عنفا. البطل أو الشخصية المحورية (فالبطولة وصف يعز استعماله هنا، رغم أنه يغدق بسخاء من الشخصيات الاسرائيلية علي أفنر )، يدخل الي الحلبة مثقلا بماض عائلي باهظ، تخلت عنه أمه صغيرا وتركته يكبر في إحدي معسكرات الكيبوتز بعد أن دخل أبوه السجن (لا نعلم لماذا؟ رغم أن رئيسة الوزراء تفتخر به وتصفه بالبطولة) وراحت الأم تبحث عن السلوي في أحضان الرجال الآخرين. زوجته الحامل تداعبه قائلة إنه اتخذ من اسرائيل أما له بعد أن تخلت عنه أمه الحقيقية، وذلك حين يرفض أن يخبرها عن طبيعة المهمة التي أوكلت إليه واقتضت منه أن يغادر البلاد لفترة طويلة. وحين يقول لزوجته إنه لم يكن له من وطن سواها، تسخر من استخدامه التعبير المستهلك. هذه التضاعيف الدقيقة في شخصية أفنر تشكل المادة الأولية التي ستتشكل منها معاناته مع نهاية الفيلم. فهو من جيل الصابرا الذين ولدوا في اسرائيل، لكنه كان يتيما بأكثر من معني، وقد كلف بمهمة لا يستطيع ان يواجه نفسه لو أنه تقاعس عنها، كما يقول هو، والأوامر تصله مباشرة من غولدا مائير التي تحنو عليه كأحد اطفالها وقد شب عن الطوق وتذكره بأنه يشبه أمه اكثر لا أباه. مهمته كما صورت له تتلخص في الدفاع عن اسرائيل (الوطن الأم)، ولكنه كي يدافع عن ذلك الوطن عليه ان يرحل عنه ويترك زوجته وجنينهما الذي يوشك ان يولد وحدهما. لكل هذا، وربما بسببه، فإنه لا يتوقف لحظة ليتساءل عن شرعية المهمة أو قانونيتها، ويقبل كجندي مطيع كل الأوامر التي تقضي باستقالته رسميا من الموساد واتخاذه اسما وشخصية مختلفة. بل إن قبوله شبه السريع ودون ان يتوجه بسؤال واحد الي كبار القادة يثير اعجاب ضابط الاتصال المكلف بالاشراف علي العملية أفرايم ، (الذي تألق في أدائه الممثل الأسترالي جيفري رش). لكن كل هذه الأسئلة ستعود لتطارده لاحقا حين يحين موعد دفع الثمن الباهظ لما ارتكبت يداه. لم يسأل أفنر ولا أي من أعضاء الفريق الأربعة عن فحوي الأدوار التي قام بها الأحد عشر فلسطينيا في عملية ميونيخ. ونحن نتابع عملية اصطيادهم واحدا واحدا، مع المعلومات عنهم ومراقبة تحركاتهم انتهاء بتصفيتهم. وكما تابعنا المشاهد الدموية لاختطاف الرياضيين الاسرائيليين الأحد عشر وقتلهم، نتابع العمليات ذاتها في تصفية الفلسطينيين. أول الضحايا يكون اسمه وائل زعيتر (الممثل مكرم خوري)، الذي رصدوه بعد الانتهاء من قراءة مقاطع من الترجمة الايطالية لألف ليلة وليلة التي أنجزها في إحدي ساحات روما، وبعد أن خابر ابنته هاتفيا في دمشق كما يفعل كل ليلة من هاتف في نفس متجر البقالة الذي ابتاع منه طعام عشائه. يفاجئه اثنان منهما أمام مصعد البناية التي يسكنها ويسألانه في إلحاح إن كان هو زعيتر ، ويطلقان النار عليه فيسقط مضرجا بدمائه التي اختلطت بالحليب المسكوب من زجاجة كان يحملها. هذه هي أول صيحات غضب الرب او انتقامه الإلهي إذا! بعد العملية الأول يجتمع فريق القتل ليحتفلوا، إلا أن ستيف المتعصب المتطرف (لا شك أنه رضع التعصب من موطنه في جنوب إفريقيا) يصر علي أنه لن يحتفل celebrate، بل سيبتهج rejoice ، مؤكدا علي الدلالة التوراتية للكلمة من خلال استحضار قصة دينية من العهد القديم، ويراقص زميلا له ابتهاجا، لا احتفالا. العين بالعين.. والسن بالسن العملية الثانية تستهدف محمود الهمشري (إيغال ناعور)، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس، من خلال تفخيخ هاتف منزله بواسطة صانع القنابل/ اللعب روبرت الذي يدخل الي منزله كصحافي فرنسي لاجراء حوار معه حول عملية ميونيخ حيث يؤكد له الهمشري علي نحو لا يخلو من تهكم مبطن أن المنظمة أدانت العملية، في حين تتدخل زوجته صارخة حول صمت العالم المطبق حيال معاناة الفلسطينيين في المخيمات، ويذكره الهمشري بان اسرائيل قصفت مخيمات اللاجئين وقتلت مئتي فلسطيني بعيد ميونيخ مباشرة. كل هذا بالطبع لا يحرك ساكنا في الصحافي المزيف، الذي سينفذ العملية في غضون ساعات، بعد أن تأجلت في المرة الأولي بسبب عودة الطفلة ابنة الهمشري لتجلب شيئا من المنزل نسيته قبل ذهابها للمدرسة، فترد علي الهاتف بدلا من والدها مما اضطر فريق الاغتيالات لتأجيلها في اللحظة الأخيرة، وهو مشهد استعصي هضمه علي بعض المشاهدين العرب الذين يجدون صعوبة في تصديق أن ضباط المخابرات الاسرائيلية ستأخذهم الشفقة بطفلة فلسطينية بريئة، لكنهم في اللحظة التالية مباشرة يفجرون والدها بدم بارد في شقته، ليموت متأثرا بجراحه في المستشفي لاحقا. لم يحن بعد وقت طرح الأسئلة عن جدوي العمليات أو أخلاقيتها أو قانونيتها، رغم التداعيات المأساوية والتعقيدات الانسانية لكل عملية اغتيال، مثل تلك التي نفذت ضد كادر فلسطيني بارز يحظي بحراسة المخابرات السوفييتية وتم تفخيخ فراشه في الفندق الذي ينزل فيه في ألمانيا، وكادت أن تودي بحياة زوجين اسرائيليين يقضيان شهر العسل في الغرفة المجاورة بالفندق، بل وأوشكت أن تقتل أفنر نفسه الذي حجز الغرفة المجاورة ليعطي اشارة التفجير بمجرد التأكد من نوم الفلسطيني في فراشه. ويتضح ان نوع المتفجرات التي استخدمت كان غير ذلك الذي طلبه صانع القنابل، فتحوم الشبهات حول لوي الوسيط الفرنسي الذي يتولي تزويد أفنر بالمعلومات عن الاسماء التي تضمها القائمة الفلسطينية مقابل ستين الف دولار لكل اسم.بعد تبدد الشكوك يزوده لوي بثلاثة اسماء أخري: كمال عدوان، وكمال ناصر، وأبو يوسف، وجميعهم في بيروت. ويثور جدل حاد بين الفريق وبين ضابط الاتصالات أفرايم الذي يرفض تماما ذهابهم الي بيروت لأن مهمتهم تقتصر علي أوروبا الغربية والعمليات في البلدان العربية من اختصاص الجيش فقط، وبعد إلحاح يوافق علي مشاركة بعضهم في العملية مع فريق من القوات الخاصة، وهي العملية التي شارك فيها إيهود باراك، رئيس الوزراء الاسرائيلي فيما بعد وقد تنكر في زيّ امرأة. وفي جلسة عشاء يراجع فريق الاغتيالات كشف حساب ما أنجزوه حتي الآن، دون أن يغيب عنهم التكلفة المادية النهائية لكل عملية (في تقليد يهودي اصيل). تخيم علي هانز (تاجر الأثريات/ مزور المستندات) سحابة اكتئاب وقد اغرق في الشراب وامتنع عن الأكل وهو يعدد ما أنجزوه فيذكرهم أنهم وإن كانوا قتلوا ثلاثة أسماء حتي الآن علي القائمة، فقد قامت منظمة ايلول الأسود بارسال طرود مفخخة الي نحو ثلاث عشرة سفارة اسرائيلية حول العالم، وتم اغتيال الملحق العسكري الاسرائيلي في واشنطن، وتم اختطاف عدة طائرات فضلا عن أرواح الضحايا التي سقطت في هذه العمليات. يرد أفنر بأن هذا يعني أن ايلول الأسود بدأت تتحاور معهم بنفس اللغة، فيما يري ستيف أن هذا ليس وقت طرح الأسئلة، المهم القتل أولا ثم الأسئلة لاحقا. و هانز يرد علي قول أفنر بأنه يبدو دائما مترددا فيقول متهكما لقد ولدتني أمي مترددا . ويحكي له عن زميل عرفه في الجيش بلغ به الرعب من انتقام ضحاياه منه أنه لم يعد ينام إلا في ارضية خزانة ملابسه. وقبل نهاية الفيلم سيكون هذا بالضبط مصير أفنر بعد أن قتل روبرت اثناء تركيبه إحدي القنابل (وهو مصير تقليدي متوقع لكل صناع القنابل كما يخبره الفرنسي لوي ) أما هانز مزور المستندات الذي كان أول من أنصت للشكوك التي راحت تنهشه، فقد عثر عليه مقتولا بطعنة خنجر علي شاطئ البحر. وقتل كارل علي يد قاتلة محترفة هولندية تقمصت دور حسناء وحيدة تبحث عن رجل يشبع ظمأها في أحد فنادق لندن، بعد أن حاولت نصب شباكها حول أفنر نفسه، وقد كانت مأجورة لصالح طرف ثالث بلا جدال، كما يشرح له لوي قائلا ان عملياته قد أغضبت الكثيرين ولا شك أن كل واحد من هؤلاء يسعي للقصاص منه، ولا يستثني من ذلك المخابرات السوفيتية التي كانت تتولي حماية بعض الشخصيات الفلسطنيية، وفقدت أحد رجالها في إحدي عمليات فريق الاغتيال الاسرائيلي. ويصمم الفريق علي الاقتصاص من المرأة الهولندية ويسافرون لتصفيتها بعد ان زودهم لوي بالمعلومات عنها، وتظل الطريقة البشعة التي قتلت بها بعد أن تعمد هانز تركها عارية في النزع الأخير، تظل صورتها تلاحقه حتي يعثر عليه مقتولا. وفي لندن أيضا تفشل عملية لملاحقة علي حسن سلامة ، أحد ابرز القيادات الفلسطينية، بفضل تدخل بعض السكاري تبين فيما بعد أنهم من رجال السي آي إيه، التي تتكفل بحماية سلامة في مقابل عدم استهداف أيلول الأسود للرعايا الأمريكيين. كم يكلف الوطن غاليا؟ طوال الشطر الأعظم من الفيلم تتواصل حرب الاغتيالات والعمليات السرية هذه بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي دون أن يلتقي الطرفان وجها لوجه أمام أعين المشاهدين. تحين لحظة المواجهة هذه في واحد من أهم مشاهد الفيلم دلالة واحتشادا بالمعني. حين يسافر فريق الاغتيالات الي اثينا لاصطياد كادر فلسطيني بارز لم يكن علي القائمة الأصلية، لكن لوي يخبر افنر أن زياد موتشاسي حل محل احد الذين تمت تصفيتهم. وكالمعتاد يوفر لهم لوي مستلزمات العملية ومن بينها منزل آمن في العاصمة اليونانية، وحين يصلون الي الشقة ويتربصون بها، تصل مجموعة الفلسطينيين الي الشقة ذاتها (وهو ما يثير السؤال من جديد حول حقيقة الدور المزودج الذي يلعبه لوي وزعيمه المافياوي أو بابا الذي يشرح لـ أفنر أنه لا يدين بأيديولوجية بعينها ولا يعمل لصالح اية حكومة بعينها). ويشهر الفريقان السلاح في وجه بعضهم البعض، وبعد مواجهة متوترة وقصيرة يزعم الفريق الاسرائيلي أنهم ممثلون لمنظمات ثورية مثل إيتا الاسبانية، و العمل المباشر الفرنسية، و إيه إن سي الجنوب إفريقية، وينزع فتيل المواجهة مؤقتا، في تلك الشقة الخربة المهجورة أو منزل آمن كما يقول أحدهما. فأي منزل آمن هذا الذي اجتمع فيه ممثلو كل المنظمات الثورية آنذاك؟! حتي تلك اللحظات القصيرة التي تجمعهم في المنزل الآمن لا تخلو من تحدي حين يصر ستيف الجنوب إفريقي علي تحويل المذياع عن محطة الموسيقي العربية التي اختارها خصمه الفلسطيني. علي سلم المنزل في ليل اثينا الحار يدور حوار مثير بين افنر و علي الفلسطيني الشاب، (عمر متولي)، لا يستطيع الأول ان يخفي حقيقة آرائه ويقول للفلسطيني أنه يحلم ومن المستحيل أن يلغي دولة قائمة من الوجود، ويرد علي متعجبا من أنه يتكلم كمتعاطف مع اليهود، ويخبره أن اليهود انتظروا أكثر من الفي عام ليكون لهم وطن، ولن يضير الفلسطينيين أن ينتظروا مئة عام أخري. ويتساءل أفنر متهكما هل هذا المنزل القديم المتهالك وشجرة الزيتون هو ما يحلم به فعلا لنفسه ولأولاده في المستقبل؟ ، فيؤكد له علي : قطعا، إن الوطن هو كل شيء ولا شيء سواه .هذه اللحظات القصيرة من المواجهة الأخيرة بين الجلاد والضحية قبيل دقائق من وقوع المجزرة البشعة، تتجلي كلحظة كشف مضيئة وعميقة علي بساطتها تلخص جوهر الصراع ومأساويته في آن. وهي تراكم تدريجيا إدراك الشخصيات المتنامي لعبثية الصراع حتي وإن واصلوا المضي في الطريق ذاتها التي لا يزيدهم المضي عليها سوي احساسا بالخواء وعبثية الحلقة الجهنمية من القتل والانتقام. حين تفشل محاولة ثانية لاغتيال علي حسن سلامة علي شاطئ مربيا في إسبانيا، ينصح لوي افنر بأن يقلع عن المضي في طريقه، وقد سقط ثلاثة من رفاقه حتي الآن، وصار نهبا للهواجس والهذيانات يري في كل سيارة وكل شخص شبحا يطارده او يتربص له بقنبلة، ويصل به الأمر الي النوم في أرضية خزانة الملابس وقد انتقل للعيش مع زوجته في نيويورك والكوابيس المرعبة تطارده في صحوه ومنامه. وبعد زيارة قصيرة لاسرائيل يلتقيه قائده الجنرال ليشكره علي ما أبلاه ويعانقه مبتسما أن هذا كل ما سيناله فلا أنواط شرف ولا ميداليات ليعلقها علي صدره. وفي حوار مع افرايم يطرح عليه الأسئلة التي لم يشأ ان يطرحها يوم قبل المهمة، لماذا لم تتم محاكمة هؤلاء إذا كانوا فعلا وراء ميونيخ، كما تمت محاكمة إيخمان مثلا؟، لكن أفرايم يصم أذنيه، ويفاجئه قائلا إنهم حتي لو لم يكونوا مسؤولين عن ميونيخ فقد كانوا وراء عمليات أخري لكنه لا يقدم له أي دليل، ويصر علي أن يضع المسألة في معادلة مطلقة قائلا هؤلاء الأشخاص إن عاشوا تمت إسرائيل وإن ماتوا تعش اسرائيل .وفي لقائهما الأخير في نيويورك يستحثه علي العودة الي اسرائيل ويخبره أن القائمة التي قام بتنفيذها ليست سوي واحدة من عدة قوائم وهي جزء من عملية أكبر شاركت فيها فرق اغتيالات أخري. يرفض افنر العودة الي إسرائيل، ويخبره أنه ما من سلام في نهاية ذلك النفق المظلم، وبدوره يرفض افرايم دعوته ليقتسم الخبز معه وفقا للتقليد اليهودي، ويتهمه بأنه يدير ظهره للبلد الذي ولد فيه. وهو في الحقيقة قد فقد سلامه ووئامه النفسي وصار نهبا لخواء موحش يفترس روحه ويقض مضجعه ليل نهار. ناقد من مصر يقيم في واشنطن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية