قراءات مختلفة في أعمال أديب نوبل: منتدى الشعر المصري يحتفي بمرور 110 أعوام على ميلاد نجيب محفوظ

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: أقام (منتدى الشعر المصري) في حزب التجمع في القاهرة، ندوة احتفائية بمناسبة مرور 110 أعوام على ميلاد نجيب محفوظ (11 ديسمبر/كانون الأول 1911 – 30 أغسطس/آب 2006). حيث تم تقديم عدة أوراق نقدية تناولت زوايا مختلفة لأدب محفوظ وعالمه الروائي. أدار الندوة الشاعر علي عطا، وشارك فيها كل من الناقد والشاعر حاتم الجوهري، الشاعر والكاتب عيد عبد الحليم، والباحث النفسي خالد عبد الغني.

إعادة نشر أعمال محفوظ

بدأ الشاعر علي عطا الحديث عن إعادة نشر أعمال أديب نوبل، والجدل الدائر حولها، موضحاً حضور الرجل أكثر مما كان، وأن هناك الكثير من المخاوف من المساس بمتون مؤلفات محفوظ، في ظل مقولات مثل المراجعة، التنقيح، وأخيراً التهذيب!

رواية التحوّل وأثرها

عنوَن الناقد حاتم الجوهري ورقته البحثية بـ»نجيب محفوظ الآخر.. من استعادة الذات التاريخية إلى وصف الذات الواقعية». ومنها يطرح تساؤله.. لماذا تحولت علاقة نجيب محفوظ بالذات المصرية، وأصبحت مجرد وصف محايد ينتهج الواقع وشروطه. وهو ما يمكن تسميته بـ(رواية التحوّل) حيث تحول نجيب محفوظ من البحث عن استعادة الذات المصرية، واستلهام مستودع هويتها وتاريخها العظيم، إلى فكرة الهزيمة ورصد الذات المصرية ووصفها المجرد، بعين البطل السلبي، الذي يتابع الأحداث ولا يهتم بنهايتها كثيراً. هذه الرواية ـ حسب الجوهري ـ هي «القاهرة الجديدة» 1945، التي تحولت إلى فيلم شهير بعنوان «القاهرة 30» في الستينيات أخرجه صلاح أبو سيف.

مشروع الرواية التاريخية

يرى الجوهري أن محفوظ كان يمتلك مشروعاً أدبيا طموحاً لكتابة الرواية التاريخية، التي تستحضر خلفية الشخصية المصرية ومكوناتها المتراكمة عبر التاريخ، ومن خلالها كان يمكنه أن يطرح كل الأسئلة ويثير كل المفارقات بين الماضي والحاضر، وأسباب الانحدار وضياع مظاهر الحضارة القديمة وانعكاس ذلك على شخصية الإنسان المصري المعاصر، كما في روايات «عبث الأقدار»1939 ، «رادوبيس» 1943، «كفاح طيبة» 1944. ولسبب ما اختفى دافع البحث عن الذات التاريخية وحضورها، ليكتفي محفوظ بالاشتباك مع الواقع، ورصد تناقضاته وأزماته كما هي، دون أن يهتم بتأصيل أزمة تاريخية مركزية ما للمجتمع المصري في رواياته.

الحرب العالمية الثانية

ويرى الجوهري أن محاولة الإجابة تكمن في رواية «القاهرة الجديدة» التي من خلالها يمكن البحث عن الحدث الذي أثر في محفوظ، لينسحق الحلم وينتقل لتصوير الواقع السلبي في أواسط الأربعينيات. فما الذي كان ينتظره محفوظ في خضم الحرب العالمية الثانية، وكتب خلاله ثلاثيته التاريخية، التي تبحث عن الحلم والذات المصرية التاريخية، ليتحول لرصد الواقع السيئ وتفاصيله في شخصية (محجوب عبد الدايم) والفتاة (إحسان) فكيف انهار الحلم؟

انهيار الحلم المثالي

ويستمر الناقد في تساؤلاته.. هل كانت شخصية ما داخل الرواية لها انعكاس في الواقع، وهدمت الحلم المثالي عند محفوظ مبكراً؟ فمثل ذلك التحول والصدمة القيمية من المثال إلى الواقع، لا ينتج إلا عن حدث له أثر هائل على محفوظ/الإنسان. ففكرة موت البطل المثالي المرتبط بالتضحية والفداء والقيم العليا، أو هزيمته أو تحول القيم عنده وتكيفه مع الواقع، تكررت في العديد من روايات محفوظ الواقعية، وربما أحيانا بحثه عن الانتقام والحيادية، التي يتعامل بها الراوي وتكرار هذا النمط عند أبطال محفوظ، تدل على التحول المأزوم عنده نحو الهزيمة والواقعية.
وتبقى الإجابة كامنة ربما في رواية «القاهرة الجديدة» وربما الدلالات الواقعية لشخوصها وأحداثها، وكيف قدّم الراوي/محفوظ المبررات المنطقية للبطل المشوّه محجوب عبد الدايم، وللبطلة المشوهة الفتاة إحسان كضحيتين للظروف، ويطرح السؤال نفسه إذا كانت هذه هي القاهرة الجديدة/الواقع، فأين اختفت القاهرة القديمة/الحلم، التي مثلتها الروايات التاريخية عند محفوظ؟ تظل هذه مساحة مسكوتاً عنها في أدب الرجل في حاجة للمزيد من البحث والدراسة.

قراءة نفسية للشخصيات

ومن جانبه استعرض سريعاً الباحث النفسي خالد عبد الغني تركيزه على شخصيات محفوظ، من خلال منهج علم النفس الإكلينيكي ـ دراسة الحالة الفردية للشخصية ـ فشخصية مثل (رادوبيس) على سبيل المثال تقع تحت وطأة حالة من النرجسية، ونتيجة ذلك تتطور وفق منطقها.. بداية من الافتتان بالذات، مروراً بالعزلة المجتمعية، ووصولاً إلى الموت، سواء الموت الحقيقي أو المعنوي. أما شخصية (نفيسة) في رواية «بداية ونهاية» فقد سبق بها محفوظ الدراسات النفسية للبغاء، التي قام بها باحثو مركز البحوث الاجتماعية والجنائية في مصر، وبخلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية المعهودة ـ رغم أهميتها ـ إلا أن البعد النفسي في الرواية أعمق، حيث اضطراب صورة الأب، كذلك وصفها محفوظ بأنها دميمة، وبالتالي هناك صورة مضطربة عن الجسد أيضاً، لتكون المحصلة هي ذات محطمة. كذلك يرى عبد الغني في شخصية سعيد مهران في «اللص والكلاب» أنها شخصية تماثل أوديب، فهو يرتكب جرائم عبثية، وما خروجه من السجن إلى الحياة، سوى رحلة أوديب ووصوله المدينة وارتكاب جرائمه المتتالية.

محاولة البحث عن معنى

وأشار الشاعر عيد عبد الحليم، إلى تساؤلات محفوظ الفلسفية في إطارها الأدبي، موضحاً أن مقالات محفوظ الفلسفية الأولى كانت إرهاصات تكررت في أعماله، إلا أنها تجسدت بصورة كاملة في عدة روايات، مثل.. «السمان والخريف» «الشحاذ» و»الطريق». والرواية الأخيرة هي التي تطرق إليها عبد الحليم، فيرى أنها تجسيد لحالة الضياع التي عاشها بطل الرواية (صابر) كباحث دائم عن عالم روحاني، مناقض تماماً للحياة التي عاشها بالفعل، وما معرفته بوجود أب له على قيد الحياة وبمثل هذه المكانه التي يمثلها (سيد الرحيمي) إلا شكل من أشكال الميلاد الجديد، لكن تراث الماضي الملوث، والمتمثل في أمه (بسيمة عمران) حال دون ذلك، ليتجسد ذلك صراعا بين القدر والمصير. ويدلل عبد الحليم بهذه العبارات الحوارية بين صابر وأمه..
«ــ هل أضيع عمري في البحث عن شيء قبل التأكد من وجوده.
ــ لكنك لن تتأكد من وجوده إلا بالبحث».
كذلك تتواتر الصور المتماثلة في كل من (كريمة) و(إلهام) الأولى صورة من الأم وتراثها الثقيل من عُهر وعنف، بل قتل في النهاية، والثانية وكأنها من روح الرحيمي، الذي يصعب الوصول إليه، وما تجسده من معان تخاطب جانب الخير في نفس صابر.

هل من نوبل جديدة للعرب؟

واختتم الشاعر علي عطا الندوة بهذا السؤال، فجاءت الإجابة على لسان الناقد حاتم الجوهري، الذي يرى أنه لن يحصل عربي على جائزة نوبل إلا بوجود حالة سياسية مواتية. فهناك الآن ميل للغرب بأن القادم سيكون من المغرب العربي، من خلال روايات (الاحتلال الجديد) والمتمثلة في الصراع بين الذات العربية والغربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية