هناك حزمة من الرسائل المتباينة في حدتها وجهها البيان الختامي للقمة الرابعة والثلاثين لمجلس التعاون الخليجي، الذي أعلن أمس في الكويت. وبالنظر إلى تعدد محاور هذه الرسائل، وصعوبة تحليلها في ورقة واحدة، يجدر أولاً تحليل انعكاس الصورة الكاملة للبيان على تلك القضايا، وعلى وضع العلاقات بين دول المجلس في ظل التوتر الواضح الذي شابها مؤخرا.
ان الترحيب بالاتفاق الإيراني مع دول 5+1 في جنيف حول برنامجها النووي.
هنا يبرز تراجع الموقف السعودي، الذي كان معارضاً ومندداً بالتقارب الأمريكي الغربي مع إيران، وهو ما يبدو أنه تحصيل حاصل لما قابل ذلك من ترحيب وحفاوة من بعض دول المجلس بهذا الاتفاق فور إعلانه، وتراجع البقية لاحقاً باستثناء السعودية. وكان التنديد باستمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث والتأكيد على إيران بعدم التدخل في شؤون دول المنطقة وسيادتها تكرارا للمطالبات نفسها بحق الإمارات في الجزر المحتلة في دورات سابقة للقمة. كما لا يعكس نص البيان ما تداولته تقارير حول اقتراب حدوث اتفاق بين الإمارات وإيران لاستعادة الجزر مقابل ضمان حق إيران في الملاحة البحرية على المياه المحيطة بها. وهو ما يعني أن الاتفاق ليس وارداً بعد، على الرغم من وضوح التحسن في العلاقات بين البلدين بعد اتفاق جنيف.
ولم يعكس التأكيد على ضرورة تمكين حكومة انتقالية في سورية لا يكون نظام الأسد طرفاً فيها، واعتبار المجلس أن الائتلاف السوري هو الممثل الشرعي، اي جديد في الموقف الخليجي من نظام الأسد أو تعاونه مع الائتلاف السوري المعارض، لكن مع أنه موقف قديم سابق إلا أن تطبيقه على أرض الواقع لا يسير بالسرعة والوتيرة نفسها بين دولة خليجية وأخرى، ولا يدل نص البيان على أن واقعا ملموسا سيتغير في هذا الاتجاه.
اما بخصوص الدعوة إلى انسحاب ‘كافة القوات الأجنبية’ من سورية فان هذه الرسالة موجهة على الأرجح للأذرع الموالية لنظام الأسد، وعلى الأخص حزب الله، لا لقوات ‘داعش’ العامرة بغير السوريين، حيث أنها أتت في سياق إدانة نظام الأسد التي غلفت البنود المتعلقة بالشأن السوري. هذا يطرح استغرابا من عدم إبراز البيان أي تخوف من اتساع قوة القاعدة والتطرف في الأراضي السورية، أو إدانة الممارسات التي من شأنها تأجيج الدموية الطائفية في الإقليم ككل، مع أن عدة تقارير صحافية دولية أشارت إلى وجود ذلك التخوف عند دول الخليج أسوة بالمجتمع الدولي. ما يدلل على هذا الاستنتاج أن إدانة التفجيرات التي شهدتها لبنان كانت بلا لون ولا رائحة، لكن ربما من باب حسن الظن- أن الإدانة الفضفاضة للعمل الإرهابي تدور في سياق عدم طأفنة الصراع وهو ما يحسب للمجلس. رفض المجلس ‘التام للتدخلات الخارجية في شؤون مصر الداخلية’. غير المطلع على تقنيات خطاب الدبلوماسية الدولية الراهن سيعتقد أن المجلس يدين دوله الأعضاء بهكذا بند، فمما لا شك فيه أن كل دول المجلس مع استثناء عمان مبدئيا- ضالعة في الشأن المصري في مرحلة ما بعد 25 يناير. لكن يبدو أن هذا البند يريد أن يحمل تحذيراً لتركيا ودول أخرى من محاولة التأثير على جدول أعمال المرحلة الانتقالية لما بعد مرسي، التي تدعمها دول المجلس ـ ما عدا قطر وعمان.
اما الإشادة بجهود الرئيس اليمني عبدربه منصور ودعوة الفصائل السياسية اليمنية الى إزالة العراقيل لتحقيق استقرار اليمن، فليس هناك شك أن أكثر ما يعرقل مسيرة استقرار اليمن اليوم البقية الباقية من نظام علي عبدالله صالح في ظل بقائه داخل اليمن واستمراره في توجيه حزبه ومُؤيديه طرفاً في الساحة السياسية، لكن دول المجلس لم تلمح بعد إلى حاجة اليمن إلى ساحة خالية من بقايا رئيس أسقطت شرعيته ثورة الشارع حتى يتحقق له الاستقرار، ما يعني أن وجهة النظر السعودية لا تزال هي السائدة على قرارات المجلس، بخصوص ‘صالح’ مقابل الموقف القطري، وإن كانت كل دول المجلس متفقة على ضرورة دعم نظام عبد ربه الجديد.
مطالبة إسرائيل بإيقاف التوسع الاستيطاني و’رفع الظلم’ عن الشعب الفلسطيني،
كان هذا أخف بيانات المجلس وطأة على مرتكزات ملف القضية الفلسطينية، ويبدو أن هذا المحور تضاءلت أهميته بفعل تضخم الملفات الأمنية والسياسية الداخلية والإقليمية. اما بخصوص إنشاء جهاز للشرطة الخليجية، وقيادة عسكرية مشتركة، وأكاديمية للأمن الخليجي يكون مقرها في الإمارات فتلك الإجراءات تكمل وتتمم بشكل رئيسي الاتفاقية الأمنية التي أبرمتها دول المجلس في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، وتعني بصفة خاصة بملاحقة الخليجيين الخارجين عن القانون والنظام عند دخولهم لأي من الدول الأعضاء وتسليمهم لدولهم. استكمال المشاورات حول الاتحاد الخليجي هذا الاتجاه الذي عارضته سلطنة عمان جملة وتفصيلا، أكد جديته في جدول أعمال المجلس ما سبقه من قرارات متعلقة بالتعاون الأمني والعسكري، ويبدو أن أي خلاف بين دول المجلس حول الاتحاد يتعلق بالشكليات والأدوار، لا بالتحديات والأسس الاستراتيجية المشتركة المبررة لضرورة قيام الاتحاد، وهو ما يعني أن الموقف العماني قد يتغير بحسب الضمانات التي يمكن للدول المؤيدة أن تقدمها لمسقط لتذليل المخاوف العمانية من نتائجه.
إجمالاً، يخلص الانطباع الأول على البيان إلى استنتاج أن دول مجلس التعاون الخليجي باتت تؤمن أكثر مما مضى بدور المنظومة في حفظ استقرارها الداخلي، لكن الملفات الخارجية، خصوصا تلك التي تلقي أثرها على الداخل لا تزال تعاني الخلافات الحادة بين عدد من الدول داخل المجلس. الأبرز في توجهات المجلس في القضايا الخارجية هو الاتفاق على قبول وضع إيران الجديد في المنطقة، ودور حكومة اليمن الانتقالية في خلق استقرار تحتاجه دول المجلس في اليمن، ويتزايد احتمال أن تكون قطر في طريقها للتعامل مع حكومة ما بعد 3 يوليو في مصر بما يقربها من توجه دول المجلس الداعم لها وللعسكر.
‘ كاتب اعلامي اماراتي