قراءة تاريخ الأدب العربي من منظور مفهومي ومنهجي جديدين

حجم الخط
0

قراءة تاريخ الأدب العربي من منظور مفهومي ومنهجي جديدين

العرب وتاريخ الأدب من خلال نموذج الأغاني :إبراهيم الحجريقراءة تاريخ الأدب العربي من منظور مفهومي ومنهجي جديدينصدر عن دار توبقال للنشر كتاب جديد للباحث المغربي الأكاديمي أحمد بوحسن، في نسخة بديعة، تناول من خلاله تاريخ الأدب العربي من منظور مفهومي مستقي من مناهج غربية جديدة أثبتت فعاليتها وإجرائيتها في الحقول التي برزت فيها باعتبارها ترسانة مفهومية علمية تتوخي الكثير من الدقة والصرامة، بفضل ما يميزها من سمات تجعلها قادرة علي النقل من حقل علمي إلي آخر، وفي حفاظ تام علي قوتها الاقتحامية، صحيح أن عملية استلاف مفاهيم من الحقول العلمية وتطبيقها علي مجال الأدب عملية لا تخلو من المخاطرة، غير أن الدكتور بوحسن يري أن المفاهيم تكتسي طابعا كونيا إنسانيا، وهي ليست حكرا علي مجال علمي واحد أو حضارة بعينها شريطة أن تتناول هذه المفاهيم بالمرونة العلمية والدقة الإجرائية، بعيدا عن الصرامة القاموسية التي قد تفسد هذا التناول لأنها تقع في فخ الإسقاط التعسفي، فلا بد أولا من تحديد المراد من هذه المفاهيم وحصر حدودها النظرية والتصورية التي تجلت بها في أصولها، ومنه معرفة إمكانات خدمتها الوظيفية والإجرائية لهذا التحديد القبلي للخلفية الغائية. وقد تناول الباحث أطروحته هذه في قسمين كبيرين، كل قسم تفرع إلي فصول، وهذه الفصول بدورها تفرعت إلي محاور صغري. في القسم الأول تطرق الدكتور أحمد بوحسن إلي مجموعة من المفاهيم بوصفها مفاتيح جوهرية لأي عمل يتوخي الدقة والمعقولية، وباعتبارها من صميم العمل البحثي الذي لا يتأتي إلا بتحديد الترسانة المفهومية النظرية التي ستكون السلاح القوي المساعد علي اقتحام الموضوع المدروس مهما كانت ماهيته. ومن هذه المفاهيم التي خاض الباحث مسار التقصي في دروبها وحقولها التي ولدت وترعرعت فيها أصلا، نذكر مفاهيم (النموذج ـ النسق ـ التحقيب ـ تاريخ الأدب) مع الحرص علي الإحاطة بالتفاصيل والخصوصيات التي تسم هذه المفاهيم التي تأخذ طابع الحقول العلمية والمعرفية المشتغل بها فيها، حتي لا يتم التداخل بين العناصر والمسارات، لذلك سعي الباحث جادا إلي تقصي ما يحيط بالمفهوم من ملابسات حسب قوته الإجرائية والاقتحامية، وتبعا للحقول التي تم الاشتغال به فيها، فاحصا مستويات العمل علي استدماجه في البني العملية، والإمكانيات التي يتيحها تشغيل كل مفهوم علي حدة! وقد خصص الباحث لكل مفهوم فصلاً. وقد أكد الدكتور أحمد بوحسن أن هذه المفاهيم مع كونها ولدت في حقول معرفية أخري إلا أنها يمكن أن تفيد الباحثين في تذليل عقبات المادة المعرفية وتطويعها لإعطاء فرص استكشاف نتائج باهرة بقوله: إن الاشتغال بالمفاهيم يدخل في صميم التفكير العلمي، لانه يساعدنا علي تحديد موضوع معرفتنا، بل ويدققها. كما أن المفاهيم ذات بعد إنساني، يمكنها أن تنتقل من حقل إلي حقل معرفي آخر ومن حضارة إلي أخري ومن لغة إلي أخري ص 30. لكن العمل علي نقل هذه المفاهيم يجب أن يحاط بحرص علمي متناه وإدراك كبير لحدود اشتغال هذه المفاهيم وخبرة شاسعة علي اقتحام المجالات البحثية ولهذا لا نخشي اليوم من اعتماد النماذج العلمية، حينما نكون مسلحين بهذا الوعي الإبستمولوجي الذي يقوم علي الحذر العلمي الدقيق، وإدراك المسافة التي تفصل بين الموضوعات، والروابط التي يمكن أن تجمع بينها، عندما نتحدث عن النماذج في الأدب أو تاريخ الأدب، ليس الغرض هنا هو تنميط الأدب علي غرار نموذج علمي بعينه، ثم انتظار، أو فرض نفس النتائج ، بمعني أن الباحث لا يقصد، بعمله من خلال الاشتغال بهذه المفاهيم، بلورة نموذج منمط لتاريخ الأدب العربي، بل يسعي جاهدا إلي حفز الذهنية العربية الجديدة إلي تقبل التفكير في كل ما يشكل الذات والهوية بشكل جديد، واستثمار ما أتت به العلوم الحقة والتفكير الفلسفي الراهن من إمكانيات هائلة بما يجعل هذه الهوية قادرة علي التحدي، وبما يجعل أدبنا العربي وتاريخه قادرين علي التطور الدينامي وفق سيرورة نعيها نحن كمعنيين بهذا الأدب. إن الأمر لا يتعلق فحسب بدعاية إشهارية لمفاهيم الغرب ومناهجه، كما يعتقد الكثيرون، بل هي استراتيجة لمشروع طموح يجعل المناهج المبتكرة والنماذج العلمية الإجرائية قادرة علي إفادة الحقول المعرفية برمتها ومنها الأدب بصفة عامة. أما القسم الثاني فقد خصصه الباحث بوحسن لدراسة الأغاني باعتباره كتابا يمثل جماع الممارسات والسلوكات والتعبيرات بمختلف أنواعها التي عرفتها الحضارة العربية والإسلامية حتي القرن الرابع الهجري (عصر النهضة العربية) ، وبوصفه ديوان العرب الثقافي الذي يختزل كل السلوكات والتعبيرات الفنية والجمالية العربية والإسلامية، وقد درس بوحسن هذا المؤلف من خلال المفاهيم التي حددها في القسم الأول، حيث تناول في الفصل الأول موضوع كتاب الأغاني، وفي الفصل الثاني نسق الكتاب، وفي الفصل الثالث النمذجة في الكتاب، وفي الفصل الرابع تناول مسألة البحث عن الأصول في الكتاب، أما الفصل الخامس فخصه لمقاربة الأغاني بين الأدب والدراسات الثقافية، وبعد الخاتمة وضع الباحث فهرسة للمصطلحات وبيبليوغرافيا للمصادر والمراجع. لقد ذهب اقتناع الباحث إلي اعتبار كتاب الأغاني كتابا متعدد النسق، بحكم ما يختزنه بين دفتيه من أبعاد ثقافية، ونظرا لحجمه الكبير سواء باعتبار الفترة الزمنية التي يغطيها أو من حيث المادة التي يلم شتاتها، فهو يشمل مادة متنوعة تتعدد بين الأنساب والشعر والأعلام والطرائف والتاريخ وغير ذلك مما أتاح للباحث أن يري فيه النموذج والأرض الخصبة التي يجرب فيها استراتيجيته المنهجية، وقد نجح الباحث في خلخلة التصورات السابقة التي تقوم علي التقليد والنمطية، وذلك بتقديمه وصفة منهجية جديدة لاقتحام المصادر الأدبية العربية الإسلامية، وبخوضه هذه التجربة العميقة والصعبة يكون الدكتور بوحسن قد ذلل الكثير من الصعاب أمام الباحث الذي يريد مساءلة المادة الأدبية بطرق جديدة تفرض الذات وتبرهن علي استمرار التطور والتحول والدينامية، وهذا لن يتأتي إلا بفضل اجتهاد ومواظبة وهضم للمناهج واطلاع واسع علي المادة الأدبية المراد اختراقها وحصرها والتشبع بروح العلمية التي تبعد التردد والتشكك والتخوف، إنه اشتغال بالمغامرة العلمية.الكتاب إذا، نموذج للنتاج العلمي الذي ينزاح عن التنميط ويراهن علي التجريب والتجديد واختراق المادة بشجاعة، والذي يدعو إلي الاجتهاد واقتحام الآفاق الوعرة لتاريخ الأدب الذي يجب أن يقرأ في ضوء أجهزة مفهومية مغايرة أثبتت إجرائيتها، حتي نستطيع قياس المسافات التي نقطعها، وحصر الموضوعات التي تُتنَاول، وجعل المادة طيعة بدل أن تتحكم في القارئ والباحث. كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية