قراءة في آفاق ثورة الربيع العربي .. إزالة أنظمة الاستبداد أهون من إزالة جذور التخلف

حجم الخط
0

أبوحفص بن شنوف أخيرا استفاق العرب من السبات السياسي الشتوي الذي طال وطال، ولاحت شمس ربيع الانتفاضات، تعلن رحيل رجال حكم أقل ما يقال عنهم أنهم لا ولم يحبوا بلدانهم ولا شعوبهم بل دمروها تدمير ما يفعل العدو بعدوه، وأخيرا استبشر المغرب والمشرق العربي بانتصار شباب يحبون أوطانهم ففكّوا قيود شعوبهم وحرروها من زنازين سجون العدالة المغشوشة و السياسة المغلولة و الثقافة المكبوتة والتعددية المنكوبة، ومرت الأيام والشهور فارتفع عاليا منبر الحرية تعلوه الجماهير تلوّح بحاجيات ومتطلبات مشروعة من ضروريات الحياة الكريمة المنشودة كالمسكن والعمل والعلاج والخدمات العامة، لقد هبت رياح التغيير ونسفت الأنظمة المستبدة فأزالت الجبابرة وبقي واقع التخلف المر يجر أذيال الفقر والبطالة.

هل الربيع العربي انتفاضة سياسية ثقافية أو ثورة بمفهومها العريق المعروف… ؟ ففي كلتا الحالتين، ورغم تباين الأفكار والمفاهيم في هذه وتلك، يقف المرء في حيرة من أمر أسلوب التعبير العنيف الذي يبديه بعض المتظاهرين في الشوارع وبعض المثقفين والإعلاميين في ما تنشره اليوميات، فهو صراحة يعطي انطباعا و كأن المقصود هو إخراج الثورة إن كانت ثورة أو الانتفاضة إن كانت كذلك من مسارها الطبيعي إلى مسار الغموض والتذبذب، الجماهير في بلدان الربيع العربي لم تصحُ بعد من غمرة الفرحة بالنصر لتأخذ مقاليد التشريع والتنفيذ والمتابعة والمراقبة وتتحمل المسئولية الكبرى والثقيلة في النظام الديمقراطي، لا أحد ينكر أن السواد الأعظم من جماهير البلدان المنتفضة المنتصرة هم في أمس الحاجة إلى بحبوحة عيش كريم إلى اكتساب الضروريات والكماليات، هم في اشتياق ملأ القلب إلى التجوال في الشوارع والساحات العامة صباح مساء يتظاهرون ويعتصمون وكأن الكل في حاجة إلى – حمام جماهيري (كما يقال عن الرؤساء في البلدان الغربية حين يحتكون بالجماهير المصطفة لاستقبالهم) دون بوليس يقمع ولا قضاء يردع ولا سجون تبلع، وتقف في نفس الوقت الحكومات الفتية أمام تركة ثقيلة ومتطلبات مستعجلة، مشاكل معقدة بعضها موروث نجم عن مخلفات القمع والرشوة والاختلاس والاستبداد وسوء التدبير والتسيير وبعضها طموحات ومطالب تفوق إمكانيات البلد، وأمام افتقاد القاعدة الصناعية المنتجة مصدر تمويل المشاريع وسد الحاجيات الاجتماعية، ولإطفاء لهيب انتفاضة الشوارع، ستلجئ الحكومات المحدودة الموارد المالية إلى المزيد من المديونية والمساعدات الدولية وهي أغلال تكبل المصير، وستلجأ في أحسن الظروف إلى فتح أبواب السياحة على مصراعيه على حساب المبادئ والأخلاق التي تميز أحزاب الأغلبية التي أعطاها الشعب ثقته في الانتخابات البرلمانية، أما الحكومات المحظوظة، فستلتجئ إلى ضرع البقرة الحلوب، أنابيب الغاز والبترول، فيعيد التاريخ نفسه، تهدر أموال الأمة فتضيع في سد الرمق، وكأنها تصب في قنوات هضمية لا تشبع. هل تزدهر الديمقراطية في مجتمع يجر أذيال التبعية الصناعية… ؟ البلد المتخلف الذي يجر أذيال التبعية الاقتصادية، الذي يفتقد لصناعة من عصارة بحوث أبنائه خريجي المعاهد والجامعات، تكون قادرة على دفع مركبة التنمية الشاملة في شتى الميادين والمجالات بالسرعة المطلوبة، وقادرة على توفير العيش الكريم و الاكتفاء الذاتي، هو بلد محتل قليلا، محتل احتلال داخلي ذاتي، يستعبد مجتمعه ويقهره، فما تنفك الصراعات الداخلية تدمر مقوماته وطاقاته البشرية والمادية وتمزق نسيج وحدته الوطنية، فبدون قاعدة صناعية وطنية، ستظل الحريات والعدالة الاجتماعية صورية حبرا على ورق، تتعثر تحت وطأة الفقر والأمية فينجم كما هو الحال في بلدان عربية وإفريقية معروفة مظاهر الرشوة والتسيب ومآسي الحكم الشمولي، فتتجرد المهمة السياسية والوظيفة الإدارية في مؤسسات الدولة من غاياتها النبيلة السامية في خدمة المجتمع لتتحول إلى أوكار النهب والتعسف، ازدهار الصناعة الوطنية هو وحده من يحقق الاكتفاء الذاتي وتمويل المشاريع، و من ثمة يفرض في المحيط العام تنظيما ونظاما ونشاطا منضبطا وسلوكا راقيا، فالصناعة المزدهرة تعني مستوى راق في الإبداع والابتكار فهي حصيلة أفكار ذكية في البحث العلمي وهذه عوامل كافية لإرساء قواعد ديمقراطية حقيقية. في خضم ازدحام الشوارع والساحات العامة بالمتظاهرين وهي حركة تقترب من حدود الفوضى في الكثير من الحالات، ترتفع أصوات رجال ساسة وإعلام تنادي بضرورة صياغة جديدة لمشروع بناء مجتمع الربيع العربي، فيقترحون على الحكومات الفتية تبني مشاريع تنموية أثبتت فعاليتها، فمكنت مجتمعات كثيرة من إقلاع حقيقي أخرجها من عالم التخلف، شريطة توفير الاستقرار وعودة الحياة الطبيعية النشطة وهذه مسئولية يتحملها المجتمع المدني، يبقى بعد ذلك على الحكومات تجسيد هذه المشاريع بحسن التنظيم والتسيير وفتح المجال أمام البحث العلمي والابتكار والإبداع، أما القفز عن تدرج البناء الحضاري ومقتضيات التنمية الاقتصادية والثقافية لسبب أو لآخر فهو تخطي ثورات الربيع العربي في اتجاه المجهول.

آهٍ.. لو حررت صياغة مشاريع الأحزاب الفائزة ذات الأغلبية البرلمانية بحبر آسيوي. لا يمل المرء من تكرار.. إن ازدهار الصناعة بشقيها المدني والعسكري هو وحده الكفيل بضمان التنمية والاستقرار في الأوساط الشعبية وفي قطاعات الدولة ومنشآتها ومؤسساتها وبذلك ينمو النشاط الديمقراطي المنشود، فمتى يرتقي واقع الصناعة في البلدان العربية إلى مصاف البلدان الآسيوية التي تغزو منتجاتها أسواق مدننا وقرانا، الصناعة العربية في نظر العام والخاص في بلداننا هي منشآت تدور في فلك استيراد الضروريات والكماليات وفي أحسن الظروف تراها في تركيب قطع مستوردة لتسويق ما تعرضه المحلات التجارية من أجهزة ووسائل الاتصال والنقل وعلى رأسها الكهرومنزلية.

نحن في عصر ما بعد الصناعي والبيوتكنولجي والتقنيات المتطورة والخدمات العالية الجودة، فالبلدان التي تتجاهل هذه الحقيقة ستبقى رهينة عراقيل وخيمة تدور في حلقة مفرغة تتناقض فيها التدابير والإجراءات، لا تسمح بإرساء قواعد النظام السياسي العادل ولا بنشاط ديمقراطي نزيه، ليس المطلوب اختراع شيء ما، تستفرد به البلدان العربية، بل المطلوب فقط هو النظر بجدية إلى التجارب الإنسانية المعاصرة والنجاح المبهر الذي توج تلك التجارب، ما هو سر نجاح بلدان آسيوية معروفة كالهند أو اليابان مثلا في تحقيق التطور الاقتصادي والاستقرار السياسي وترقية الأفكار.. ؟ الجواب الصريح هو تبني ومباشرة مجموعة إصلاحات أكدت مصداقيتها شواهد ملموسة ومرئية باركتها الفئات والشرائح الاجتماعية فانسجمت معها وتكاتفت فيما بينها وفق استراتيجية متكاملة غايتها تنمية البلاد والالتحاق بالركب الحضاري، لقد أصبح أكثر من ضرورة توفير الشغل في قطاع إنتاجي يزخر بالمصانع ذات الكثافة العمالية المتوسطة المعرِفة يوفر مناصب عمل قارة ورواتب معقولة، يقلص البطالة إلى أدنى مستوياتها، يفضي إلى توازن الفئات والشرائح فيقيم طبقة متوسطة ويزيل الفارق بين طبقة تعاني من فقر قاتم وطبقة تنعم بالثراء الفاحش كما هو الحال في الكثير من بلداننا، وبدون ذلك ستتعثر كل محاولة تنموية بما نتصور من عراقيل وتقهقر يجعلنا فريسة للأعداء وبما لا نتصور من مفاجئات ومفاجعات لا تبقي ولا تذر.

لا يجد المرء أمامه مشروعا آخر ناجحا فعالا لتنمية الاقتصاد وإرساء قواعد الديمقراطية غير مشروع البلدان الآسيوية التي عـــرفت كيــــف تقيم مجتمع الإعلام ثم مجتمع المعرفة وأخيرا المـــجتمع المصـــنع واستشهدت الدراسات في السبعينات باليــــابان الذي أقام بنجاح مجتــــمع الإعلام فمكنه من استقطاب كل السياسيين والاقتــصاديين والمثقفين والأخصائيين والخبراء من شتى فروع العلوم لتبادل الأفكار الذكية لوضع خارطة طريق التنمية الشاملة، فكان الإقلاع الحقيقي قي حركة ديناميكية للارتقاء بنهضته فتبوء اليابان مقعدا مرموقا بين الأمم.

يتبادر للأذهان حين ينظر المرء إلى ازدهار الديمقراطية في مجتمعات بلدان الشمال المصنع وتعثرها في وحل التخلف في بلدان الجنوب وكأن هناك قاعدة مفادها، إذا أردت أن تعرف ازدهار الديمقراطية بمفهومها الشامل في أي مجتمع، عليك أن تسأل عن صناعته المدنية والعسكرية.’ كاتب صحافي من الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية