قراءة في أجندة التحالف بين البيانوني وخدام
من يتقدم علي من؟… المبادئ أم المصالح؟الطاهر ابراهيمقراءة في أجندة التحالف بين البيانوني وخدام أعلنت جبهة الخلاص الوطني التي ضمت الي جماعة الاخوان المسلمين في سورية، نائبَ الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام ، عن عقد مؤتمرها التأسيسي الأول في لندن علي مدي يومي 4 و 5 حزيران (يونيو)، في خطوة لفتت الأنظار الي الجدية التي حرصت عليها الجبهة بانجاز ما وعدت به بعقد هذا المؤتمر خلال شهرين من تاريخ تشكيلها في بروكسل في شهر آذار (مارس) الماضي. وقد أعاد الاعلان عن عقد المؤتمر الي الأذهان تساؤلات ما تزال تمور في الساحة السورية حول هذا التحالف الذي جمع ـ فيما يظهر للمراقب ـ بين خصمين قديمين وايديولوجيتين متباعدتين. فما هي يا تري انعكاسات هذا التحالف علي كل من قطبي الجبهة؟ وهل ستقوم قوي اعلان دمشق ،التي تريثت في موقفها، بمراجعة جدية لهذا الموقف ومن ثم الالتحاق بالجبهة؟ وهل هناك مستجدات تستوجب الاسراع في تشكيل الهيئة التأسيسية؟ سنحاول أن نجيب عن بعض هذه التساؤلات من خلال استقراء الأحداث التي أدت الي تشكيل الجبهة، ونترك لغيرنا أن يجيب عما ضربنا صفحا عنه. يعتبر السوريون، أو لنقل المعارضون منهم علي وجه الخصوص، أن النظام الحالي ليس في وارد اصلاح نفسه، بعد ثلاثة عقود من حكم الأسد الأب وست سنوات من حكم الرئيس بشار. هذه القناعة أصبحت عامة لدي معظم فصائل المعارضة، ان لم نقل كلها، وأنه لم يعد هناك مفر من التغيير في بنية الحكم، ومن خارج النظام. وفي سبيل الوصول للتغيير المنشود في سورية، فقد تواضعت أكثر فصائل المعارضة سواء منها العاملة علي الساحة الداخلية السورية أو ما يسمي بمعارضة الخارج، علي أن يتم هذا التغيير ضمن أسس محددة ومعلومة، حتي لا تعاد تجربة النظام الحالي المؤلمة. هذه الأسس علي سبيل المثال لا الحصر: أن لا يكون التغيير باستعمال القوة، وبعيدا عن العنف. وأن يتم بأيدٍ سورية ويحرم الاستقواء بالأجنبي. وأن لا ينفرد بالتغيير فصيل واحد أو جماعة واحدة. وأن لا يُستثني، أو بالأحري أن لا يُقصي أي فصيل عن المشاركة في عملية التغيير. ولن نتطرق فيما يلي الي شكل الحكم، اذ أصبح واضحا أنه ينبغي أن يكون ديموقراطيا، تداوليا تعدديا، ومن خلال صناديق اقتراع شفافة. اخوانيا: الي أي مدي انضبطت جماعة الاخوان المسلمين بهذه الأسس؟ وعلي الخصوص في المدي القريب وتحديدا خلال سنة من تاريخه، أي بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، لأن هذا الانسحاب كان نقطة مفصلية عند النظام والمعارضة. فخلال سنة من الآن تقريبا، مرت جماعة الاخوان المسلمين بعدة مواقف، بعضها تجاوزته المستجدات، وبعضها ما تزال تتابع فيها رؤيتها، وما ينبغي أن تتخذه من مواقف مكافئة لعملية التغيير التي أشرنا اليها. ففي نيسان (ابريل) من العام الماضي 2005 أصدرت الجماعة النداء الوطني للانقاذ، حددت فيه رؤيتها لانقاذ سورية. كما شاركت الجماعة في صياغة بنود اعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2005، الذي طالب فيه جميع البعثيين والمسؤولين ورجال النظام بالتخلي عن الاستبداد، والانحياز الي صف الوطن، ولو استجاب الرئيس بشار الأسد لرحبت به قوي الاعلان.ولعل هذا البند الأخير من بنود اعلان دمشق كان له دور محفز للاخوان المسلمين لكي يصافحوا يد عبد الحليم التي امتدت اليهم للتعاون معه من أجل تفكيك نظام الحكم واسقاطه، بعد أن تأكد لديهم صدق التوجه عند خدام.لقد كانت معادلة قبول خدام معارضا أساسيا، بعد أن كان في النظام الحالي لاعبا أساسيا، من المعادلات الصعبة الحل. فلو أن الاخوان رفضوا يده الممدودة لأثاروا اعتراضات قد لا تقل عما أثير بسبب التحالف معه. ولعل أهم نقطة واجهت الاخوان هي مسؤوليته عما مضي يوم كان علي رأس مسؤولياته في النظام. ولعل ترك هذه المسؤولية ليبت فيها القضاء بعد قيام حكم ديموقراطي في سورية كان حلا وسطا بين افراط وتفريط. علي أن ما رجح قبول التحالف مع خدام هو قناعة قيادة الاخوان المسلمين أن انشقاقه عن النظام لا يمكن أن يكون نهاية دوره في حزب البعث. فهو الوحيد من القيادات البعثية الذي استطاع أن يكون فاعلا في السلطة وفي الحزب علي مدي أربعة عقود. والتسليم بأنه انتهي يوم ترك موقعه أو أرغم علي ذلك، أمر لا يقبله منطق السياسة في بلد مثل سورية كانت وما تزال فيها التحالفات بين مراكز القوي هي السياسة. بكلام أوضح فان علاقات خدام عبر هرم الحزب كانت تسمح له أن يُكوّن أنصارا أدركوا، مثلما أدرك هو، أن سياسات مراكز القوي الأمنية الارتجالية لا بد أنها ستؤدي بالنظام الي التفكك والتلاشي. ومن كان بفاعلية خدام وهو في هرم السلطة لا يمكن أن ينتهي عند أولئك في طرفة عين، وليس بعيدا أن تكون اتصالاته بهم تؤسس ليوم آخر.واذا كانت تجربة اسقاط النظام العراقي لم تنته يوم حُطم تمثال صدام، حيث ما تزال الأمور تتدهور من سييء الي أسوأ، ما جعل فصائل المعارضة السورية تتخوف من مصير كمصير العراق، وما جعل الجميع، والاخوان علي وجه الخصوص، يعيدون حساباتهم بحيث يتم انتقال السلطة عبر التعاون مع الكوادر الحالية في حزب البعث. واستطرادا ففي كل المقابلات المتلفزة أكد فيها مشاركون من الاخوان المسلمين علي تشجيع ظاهرة الانشقاق عن النظام، التي تؤدّي الي تفكيكه ورحيله، درءا لأي مواجهات قد تنشأ مع المتشبثين في الحكم خوفا من الانتقام منهم. وكذلك الرغبة في الاستفادة من كافة القوي بمن فيها البعثيون الذين هم علي رأس أعمالهم ولا يعارضون الخطوط العامة لعملية التغيير في الحكم، ومستعدون للاسهام في عملية التغيير، من داخل النظام ومن خارجه. وحتي لا يتحول مشروع اعادة الديموقراطية الي عمليات انتقام من الذين شاركوا في الحكم خلال مراحله المختلفة، أو أن يقوم من لا يفكر بالعواقب بالتشجيع علي اصدار قانون اجتثاث البعث شبيه بالقانون الذي أصدره من مشي مع الأمريكيين في العراق، فان محاولة جذب البعثيين الي عملية التغيير، لو تمت بنجاح، لأمكن تجنيب سورية أحداثا مؤلمة، قد يفتعلها من يَتَعيّش علي مصائب الوطن، وقد تصدر ممن أصابه القرح أيام الأحداث المؤلمة في ثمانينيات القرن العشرين.علي أن اعتبار الحيثيات التي أشرنا اليها مبررا كافيا ووحيدا للتحالف مع خدام، يجعلنا نهمل أسبابا أخري، قد لا تصل الي وجاهة ما أسلفنا، ولكنها بلا شك تؤخذ بعين الاعتبار اذا اعتبرنا أن تفكيك النظام سيكون محصلة لعدة عوامل، وليس نتيجة لعامل مؤثر وحيد. وخلافا لما يعتقده، فان ثبوت تورط النظام الحالي في اغتيال الحريري لن يؤدي الي انهياره، بل قد يدفعه الي تقديم تنازلات لواشنطن لا تلغي سقوطه ولكنها تؤجله، ما يعني أن الزمن قد لا يعمل لصالح المعارضة، ولا بد من البحث عن وسائل قد تضغط علي النظام وتسرع في سقوطه. وقد بدا من رد فعل النظام عند انشقاق خدام، من خلال حفلة الشتائم التي أقامها أعضاء مجلس الشعب، أن عبد الحليم خدام ما يزال مؤثرا في النظام وهو خارج السلطة كما كان يؤثر فيه وهو في السلطة. ومن ناحية أخري تبين أن قوي اعلان دمشق في داخل سورية لا تستطيع التحرك بسهولة بسبب وضع ناشطيها تحت المراقبة. والاعتقالات الأخيرة تؤكد ذلك. اذن لا بد من تحريك الساحة وتنشيطها، وخلق تحالفات قوية لا تتعارض مع اعلان دمشق ، حيث لا يوجد نص يسمح أو يمنع مثل هذه التحالفات، وهو لا يكبل حركة الأطراف المنضوية تحت الاعلان ولا يحدّ من حريتها ما دامت هذه الحركة منسجمة مع مبادئه ومع ثوابته.يبقي السؤال الملح: الي أي مدي كان الاخــــوان المسلمون، بتحالفهم مع خدام عدو الأمــــس صديق اليوم، منسجمين مع مبادئهم وطروحاتهم السابقة؟ وهل كانوا براغماتيين أكثر مما ينبغي ومما تسمح به ثوابتهم؟ وهل سنشهد تراجعا للمبادئ أمام تقدم المصالح في عصر، يبدو أنه يجري تغييرا علي كل شيء حتي المبادئ؟ہكاتب سوري8