قراءة في أروقة الذاكرة رواية هيفاء زنكنة:

حجم الخط
0

قراءة في أروقة الذاكرة رواية هيفاء زنكنة:

تجربة نضالية عنيفة لليسار العراقي وهو يخوض أول تجربة كفاح للسيطرة علي السلطة وبناء مدينة ماركس الفاضلةتقنيات مستعارة من الفن السابع.. وحكاية عن الخوف المستمر في قصر النهاية والصراع المستميت من أجل البقاءقراءة في أروقة الذاكرة رواية هيفاء زنكنة:سلام إبراهيم: بدأ النص العراقي المكتوب في فضاء الحرية بالمنفي ومنذ تسعينات القرن الماضي الخوض في التاريخ السياسي المعاصر بنصوص قصصية وروائية أضافت جديدا للنص العراقي المعاصر. الروايات كثيرة سأتناول في هذا المقال بالتحليل رواية هيفاء زنكنة في أروقة الذاكرة الصادرة في 1995 عن دار الحكمة ـ لندن.النص مروي علي لسان امرأة شاركت بفعالية في النضال السياسي في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، تجد نفسها في خريف العمر وحيدة في المنفي تلتقي بين الحين والحين مع من نجا من تلك التجربة ليستعيدوا ذكريات أولئك الشباب الذين قضوا فيها قتلا تحت التعذيب. الساردة تحولت في لندن إلي شبه آلة تعمل كل يوم ولا تستطيع النوم إلا بتناول الحبوب المنومة هرباً من تلك التجربة وذلك الماضي ووحشة الحاضر:(ما أفعله الآن: أنظر إلي وجهي في المرآة لأري انعكاساً منهكاً شاحباً، فقدتْ بشرتُه مرونتها ولا يضحك إلا نادراً وإذا ضحك فادعاءً وزيفاً، ضحكة فارغة فراغ بيت كبير فارغ ينقصه دفء الحضور الإنساني. أنظر إلي جسدي فأري بدلا من الأعضاء لوحة أزرار ملونة، الأخضر علي الجهة اليمني، أضغطه صباحاً للذهاب إلي العمل. بجواره الأحمر للمجاملة وتكرار كلمة نعم ، الأخضر في الجهة اليسري أضغطه ليلا قبل السقوط في غيبوبة النوم المبكر. لعدة سنوات مارستُ ابتكاري الفذ لتقليص ساعات الحاضر وإطالة ساعات النوم وهو تناول حبة منوم قوية حال عودتي من العمل، الساعة السادسة مساءً واستدعاء حلم اليقظة والنوم: الماضي). ص 46.اخترت هذا المقطع الطويل كي يكون مدخلاً يلقي الضوء علي شخصية الراوية المستلبة في منفاها والمملـــوكة لماضٍ قوض حاضرها فحولها إلي شـــيء أقرب إلي الآلة منه إلي البشر، وكي يطّـــلع القارئ علي أســـلوب الكاتبة المختزل والعاري من الاستطراد والأوصاف والتشبيه. ما هو ذلك الماضي الذي عطل حاضر المرأة المنفية؟ هذا هو موضوع النص المروي بطريقة مبتكرة، سنعود إليها لاحقاً عند الكلام عن بنية النص فنيا.النص يتناول تجربة نضالية عنيفة لليسار العراقي وهو يخوض أول تجربة كفاح مسلح للسيطرة علي السلطة وبناء مدينة ماركس الفاضلة حيث لا طبقات كما تتوهم النظرية وذلك حينما انشق الحزب الشيوعي العراقي الذي كان وقتها من أكبر الأحزاب التي هيمنت علي الشارع السياسي العراقي منذ أواسط أربعينات القرن الماضي، وأعلنت القيادة المركزية للحزب الشيوعي بزعامة عزيز الحاج الذي انهار لاحقا ليظهر علي شاشات التلفزة العراقية ذليلا في عام 1969، ليكسر شوكة تلك الحركة التي تفرقت عناصرها بين معتقلٍ أو محاصرٍ في أهوار الجنوب أو لاجئ إلي جبال كردستان. هذه التجربة تناولها حيدر حيدر الروائي السوري في نص روائي أثار ضجة في الوسط الثقافي العربي وليمة لأعشاب البحر إذ خصص فصلاً طويلا نشيد الموت تتبع فيه مصير المجموعة التي حوصرت في الأهوار وصفيت. النص الآخر الذي تناول التجربة هو نص عراقيون أجناب لفيصل عبد الحسن الذي تتبع هو الآخر مصير تلك المجموعة ضمن رصد عام للنسيج الاجتماعي في ريف الجنوب العراقي في تلك الحقبة. نص هيفاء زنكنة أروقة الذاكرة يخوض في المصير التراجيدي لمجموعة من عناصر القيادة المركزية التي ظلت تواصل نضالها حتي بعد الانهيار، وهذه المجموعة تعمل في العاصمة بغداد وتنظم الصلات بين الأهوار والجبل والتنظيم السري في المدن. وهنا نقع علي نص مكتوب بحس وتجربة حقيقية خاضتها الساردة داخل هذه الحركة إلي أن تقع بيد رجال الأمن وتعتقل في قصر النهاية لدي ذهابها إلي موعد في بيتٍ حزبي. رغم أن مناخ التجربة سياسي محض، حاولت فيه الكاتبة التخفيف من وطأة ووضوح التجربة بعدم الإفصاح عن الأسماء الحقيقية لشخصيات النص، لكن لمتتبعٍ مهتم بهذه التجربة وقريب منها وقتها يدرك أن التجربة حقيقية ومكتوبة بالأعصاب والدم. فمدير (قصر النهاية) كان وقتها ناظم كزار أشرف علي تعذيب الشخصية المحورية للنص ولم يفت ذلك علي الساردة إذ علقت بين قوسين لتخبرنا بمصيره أنه لاقي ذات مصير ضحاياه بعد فترة سنة ونيف علي يد نفس السلطة طبعا النص لم يذكر الأسماء الصريحة. ولو كنت كاتب هذا النص لما تورعت عن ذكر الأسماء الحقيقية إذ أن ذكرها لا يؤثر علي فنية النص المكتوب برؤية إنسانية محايدة مسحت شجن بشر التجربة التي مرّ عليها أكثر من عشرين عاما علي زمن كتابة النص. تتجسد هذه الرؤية في تصوير تراجيدية التجربة من موقع الحياد الأيدلوجي المنحاز لقيمة الإنسان كقيمة مطلقة. إذ أنها تتأمل (وهي المرأة العراقية في بيئة صارمة التقاليد ذات بنية عشائرية) كيف حولتها أحلامها إلي حطام تعيش بميكانيكية ولا تستطيع الخلاص من جروح تلك التجربة النازفة في داخلها حتي خريف العمر.. تتأمل تلك الأحلام وتقارن: حين قدمت طلب الانتساب إلي الحزب، حين اندفعت متحمسة بكل كيانها ويفاعتها هل كانت تعلم أنها ستواجه كل هذه الأمور؟. ص100.سؤال مفصلي يلقيه المرءعلي نفسه بعد أن يذوق المر.قبل هذا السؤال يكون الثوري مغموراً بالأحلام وليس لديه هم سوي الآخرين والمستقبل، ويظن أنه يستطيع قلب الدنيا بيديه هذا ما عاشه كل من جرب ذلك الطريق الشاق ومن ضمنهم أنا في مقتبل عمري، ثم لاحقا في قواعد الثوار في الجبل خلال حقبة الثمانينات. لنطالع كيف ترسم لنا الساردة مشهد تلك الذوات الحالمة في قاعدة في الجبل تسميها بيتهم قبيل السحق بفترة وجيزة: وتختفي الكتب وأحاديث المقاهي ولُوك الكلمات بلا انقطاع وتتطاير الأوراق وتعلو أصوات مجموعة منا بغناء جماعي. كانت القاعدة الحزبية بيتنا نعود إليه كلما قضت الحاجة. تتعالي فيها الأصوات لتصير إشارات وصوراً وإشراقات تمتلك بعداً زمنياً واحداً هو المستقبل. المستقبل كان حديثنا اليومي. ما الذي سيحدث؟ ما الذي سنفعله؟ ما الذي سيكون عليه شكل ذلك المجتمع الحلم؟ ما الذي..؟ والسين المستقبلية هي حدودنا، وكم كانت واسعة تلك الحدود!. ص 48 ـ 49.هذه الأحلام والسين المستقبلية أخشي ما كانت تخشاه سلطة البعث القمعية. ستبطش هذه السلطة بأجساد هؤلاء الحالمين إذ سنجد النص يصور لنا مشاهد بالغة الوحشية بعيني الساردة المعتقلة العارية وسط رجال الأمن حيث سيدخل الغرفة رفيقها فؤاد الذي أحبته أختها لما كان مختفيا في بيتهم وظلت تحتفظ بقميصه الذي نسيه بعد مقتله بأعوام إلي أن تزوجت، فتركته أي القميص في بيت أهلها باكية.. سوف لا تتعرف عليه.. كتلة مشوهة لا تقوي علي الوقوف، ومصير الراوية التي يتحول لديها مجرد الذهاب إلي المرافق الصحية لقضاء الحاجة حلماً. سيظل يعذبها ذلك المشهد بعد مرور أكثر من عشرين عاماً إذ لم تتعرف عليه إلا من صوته الذي اكتفي بتأكيد هويتها ص 51. ستكون تلك آخر مرة تراه فيها، إذ سيعدم بعد ثلاثة أشهر. سَتُسحق الراوية تماماً، سيحولها الرعب في تلك التجربة إلي مسخ لا يشعر حتي بجنسه، لنطلع علي مقتطفٍ يصور مبلغ ذاك الرعب الأملس الذي ينسيك كل شيء بما فيه الإحساس بالجسد، وندرك جيدا ماذا يعني ذلك بالنسبة لعراقية معتقلة. المشهد مرسوم بلغة حسية مكثفة تغور عميقا.. عميقاً حتي أعمق من رد الفعل الغريزي، وهي تقف أمام ناظم كزار عارية تماماً وسط الغرفة بين رجال الأمن:(دار حولي أحد الرجال، ثم مدَّ يده متلمساً جسدي، فتعالت الضحكات في الغرفة.. كنت خائفة إلي حد نسيت فيه معني التقزز لملمس الأيدي اللزجة) ص26.ستتحول إلي كائن غريزي ـ امرأة ـ تعاني في السجن من فيزيقية جسدها، ستعاني من الدورة الشهرية. وحين يسمح لها السجان بالذهاب إلي الحمام علي راحتها عطفا ستجد به إنسانية لا مثيل لها.. ستصل إلي قعر الذل والهوان لما يطلب منها قبيل تحويلها من قصر النهاية إلي سجن النساء التوقيع علي ورقة تعترف فيها أنها لما دخلت المعتقل لم تكن باكراً وكانت تمارس الجنس مع رفاقها وهذا السبب الجوهري ـ ممارسة الجنس مع الرجال ـ هو ما جعلها تعمل معهم.. توقع علي الورقة وهي غير مصدقةٍ أنها ستتحول من جحيم ذلك القصر. ستذعن لشتائم ناظم كزار التي هي صورة طبق الأصل لشتائم صدام حسين وكل كادر البعث المسعور عنفا وعدوانا. الساردة صورت عينة حقيقية تعكس لغة سلطة البعث تاريخيا كي تدرك الأجيال القادمة أي لغة وأي مستوي من البشر كان يعبث بمصير العراقي:( ـ علمنا بأنك اتصلتِ أثناء وجودك في السجن، بعدد من الكلاب والقوادين الذين تعرفينهم.. ألا تدركين أننا نعرف كل ما تفعلونه! هل تظنين بأنك أكثر من قحبة عادية؟). (ص 80). سيطلب منها توقيع الاعتراف الأخلاقي الذي أود إيراده كاملاً. إذ أن سلطة البعث ظلت تمارسه لاحقا مع كل معتقل إذ توقعه علي المزيد من أوراق الذل التي تحط من كيان البشر وتجعله محض تراب. أنا شخصيا تعرضت إلي هذا الامتهان مراراً ووقعت كي لا أموت مثل هذه الوثائق كي أري السماء وأشم الهواء وأبقي لأشهد:( ـ أعطها ورقة وقلماً.. اقتربي أكثر.. واكتبي: أنا الموقعة أدناه.. عنواني.. انضممتُ بتاريخ.. وألقي عليّ القبض بتاريخ.. وقد عثر علي مجموعة القنابل والمتفجرات والمنشورات المضادة للحكم الثوري والجبهة الوطنية بحوزتي.. أعترف بكامل إرادتي، بأنني لم أنضم إلي الحزب لأسباب سياسية بل لمصاحبة وممارسة الجنس مع عدد كبير من الرجال. وإن علاقتي بمن تعرفت عليهم كانت لا أخلاقية. أعترف بأنني مارست الجنس مع فلان ولم تربطني بفلان أي علاقة تنظيمية. أقر، أيضا، بأنني لم أكن فتاة عذراء لحظة دخولي القصر وأنني عوملتُ معاملة حسنة من الجميع .ـ وقعي الاعتراف وضعي التاريخ في أسفل الصفحة.ـ حاضر )ص81)بهذا الإذعان وهذه الكلمة تجيب الساردة بعد أن أفرغت سويتها البشرية وسحقت تماما ولم يبق فيها غير كينونتها الحيوانية ـ الفيزيقية التي تحلم بأن تترك وشأنها إلي الأبد وهذا ما صارت إليه حقاً في المنفي لاحقاً. تحولت إلي كيان منزوع من سويته البشرية مملوك لفعل (كان) بعد أن كانت لا تفكر إلا بـ (سين) المستقبل.ستنقل إلي سجن النساء. وستسجل طرفاً من يومياتها فنطلع علي عالمٍ غامض من عوالم المرأة العراقية لم يلقِ عليه الأدب النثري العراقي ضوءاً. ستخبرنا عن نساء مقهورات، سحقهن الرجل إلي حدود الثورة فقمن بقتل أزواجهن فهذه (أم عذابة) المحكومة بالسجن المؤبد لأنها أحرقت زوجها أثناء نومه حتي الموت، ص66. (أم جاسم) في الثلاثين من عمرها لديها خمسة أطفال تسمع بزواج زوجها الشرطي بأخري، فتجن، يأتي زوجها في المساء مخموراً فترفض مضاجعته يجبرها فتذعن وعند نومه تقوم بقتله. قصص مختلفة متشابهة وعراقيات منتفضات علي قيم مجتمع رجولي عنيف يقضين بقية عمرهن في السجون، كما تصور في اليوميات عملية ولادة زنجية قرب براميل القمامة في السجن فيموت الجنين فوراً. كما تلقي هذه اليوميات المكثفة نقطة ضوء مهمة وهي تشير إلي وفد من الدول الاشتراكية يزور السجن وقت الجبهة الوطنية في السبعينات، فيجري تنظيف وترتيب كل شيء. إلي أن يجري إطلاق سراحها فتهاجر إلي لندن منفية حتي خريف العمر.المنفيتتأمل في المنفي وبعد أكثر من عشرين عاماً اندفاعها متسائلة:هل كانت تعلم بأنها ستواجه كل هذا؟!.وتعلق علي الفرق بين أن نسمع عن الفظائع وأن نعيشها. فستجد أن كلمات مثل السجن، التعذيب، الإعدام، مجرد كلمات مبهمة عن بعد، كما هو الحال لدي الأوروبيين لكنها لما تلتفت إلي ذلك الماضي المفتوح تجد أنها تعني ذوات أحبتها وقاسمتها الأحلام والعذاب وفقدتها إلي الأبد:(الأمور أسهل ووقعها أخف، دائماً، عن بعد. القتل والإعدام والتعذيب، كانت مجرد كلمات تعلن غياب شخص آخر، أو حدثا يقع لآخر، أثناء مسيرة طويلة. ما أن تقترب وتختصر المسافة وتتعرّف علي الملامح والأصوات والأفراح والآلام حتي يصير للكلمات ذاتها معني مختلف وتتجسّد ليصير القتل هو قتل نصير وسعيد والإعدام هو إعدام مطشر والتعذيب هو تعذيب عباس ومظفر) ص 100.كما يتأمل النص في علاقة الشخصية المحورية بوالدها الذي يأخذها بزيارة من بغداد إلي قرية كردية حدودية مع إيران لزيارة الأعمام والأقارب. وفي الوسط العائلي تكتشف أن أباها غير ذلك الحاد الصارخ علي أبسط الأشياء بل وجدته هادئا طريفا يعامل الأشياء والآخرين بشجن. كما يتتبع النص مصير الوالد الذي يزورها بعد تجربتها العنيفة في منفاها بلندن فتجده كهلا مريضا عاجزا حزينا اختفي من ملامحه زهوه القديم ذاك مما يزيد غربتها غربةً.أولئك الشبان والشابات المجهولون قاوموا السلطة الدكتاتورية في وقت مبكرٍ. قاوموها عراة بأجسادهم في وقت كانت فيه كل القوي الديمقراطية والقومية الكردية تقوم بتحالفات معها، اتفاقية 11 آذار (مارس) 1970 مع الحركة الكردية، الجبهة الوطنية في 17 تموز (يوليو) مع الحزب الشيوعي العراقي. أما الحركة الدينية فلم تتبلور وقتها في الساحة السياسية. إذن نحن في زمن السرد ـ الزمن التاريخي الحقيقي ـ زمن الموقف العارف الرائي المقاوم لعاصفة البعث. ستذوق القوي التي تحالفت مع الدكتاتور ما ذاقه أولئك الشباب الأبطال في قصر النهاية. ستتعمم تجربة القتل لتشمل كل شرائح وقوي المجتمع العراقي، ستقام الحرب تلو الحرب وصولا إلي الاحتلال والخراب.بنية النصلم تقدم الكاتبة نصها كما عرضت له، بل قدمته بطريقة مبتكرة مستخدمة تقنيات عديدة أضفت علي الحكاية وحبكتها مزيداً من العمق والتشويق. التقنيات ليس شكلية محضة فقد أغرت العديد من الكتاب الذين وقعوا في مطب التجريب فبدا النص وحبكته في وادٍ والبنية الفنية في وادٍ وهذا ما جعل الزخرفة الشكلية فاقعة تغمض النص وتضيعه. التقنيات المستخدمة نابعة من روح النص وثيمته، المنشغلة بخراب ذات امرأة عراقية تعرضت للتعذيب والإذلال في وقت مبكر من حياتها بسبب سعيها لتحقيق حلمها بمدينة فاضلة للشعب العراقي. هذه التيمة فرضت البنية الفنية للنص المشغول بعذاب الذات المذلولة في مجتمع وعنف وسلطة قامعة، وذلك أدي بالضرورة إلي التركيز لا علي البعد الإيديولوجي النضالي بل علي مخلفات القمع علي الذات البشرية في مثل تلك المجتمعات والبيئات. ولما أخبرتنا الساردة أنها الآن في خريف عمرها تعيش في لندن وتعمل متحولة إلي شبه آله وحيدة يكون ذلك مبرراً فنياً وفكرياً لقوة حضور الماضي إذ لم تجد في المنفي ما يساعدها علي النسيان والبدء بحياة روحية جديدة. ولما كنت قد مررت بتجربة مشابهة ورغم نجاحي في الحصول علي رفيقة عمر وعائلة لكن تلك التجربة لم تزل تعطل الكثير من مناحي ذاتي ولم ينفع حتي العلاج النفسي الذي تلقيته هنا أو كتابة نصوص عن تلك التجارب. السحق في الطفولة وعمر تألق الأحلام كما هي الشخصية المحورية في نص هيفاء أكاد أجزم أنه يخرب النفس إلي المشيب وحتي آخر لحظة من العمر. فلنتخيل إذاً أي خراب خلفه نظام القمع طوال أكثر من ثلاثة عقود بنفوس آلاف العراقيين، لا بل قد يفوق العدد المليون ممن لاقي صنوف التعذيب النفسي والجسدي والإذلال في المعتقلات والسجون. التيمة كما ذكرت فرضت البنية الفنية وهنا يكمن أحد أهم أسباب نجاح النص وما أثاره من اهتمام عند ترجمته إلي الإنكليزية ونشره بطبعتين. النص مكتوب بشجن وحب لذات الساردة التي كانت مندفعة جسورة، للعديد من رفاق دربها الحالمين. لذا قدمت للنص وقبل المقدمة بمقطع صغير مستل من مذكراتها وموجود أيضا في متن النص ص76 أسمته باسم قرية تقع علي الطريق العام بين راوندوز وكلالة في كردستان العراق كانت مقراً للحزب الشيوعي ـ القيادة المركزية. اسم القرية ناو جيلكان . مقطع مكثف من قرابة مائة كلمة. وصفت فيه المكان وغرف المقر الثلاث وذكرت العديد من الأسماء التي سنعرف مصائرها لاحقا من خلال النص، لتتساءل: أراهم جمعياً بوضوح.. كم حياً بقي منهم ليراني؟ . ص7.هذه التقنية مستعارة من الفن السابع، فالكثير من الأفلام تبدأ بمقدمة مكثفة بمثابة مدخل أو توطئه لأحداث الفيلم أغراضها عديدة منها التشويق ومنها محاولة رسم محيط النص كما الحال مع في أروقة الذاكرة المكثف والقصير 135 من القطع المتوسط.في المقدمة تستخدم الساردة تقنية مختلفة إذ تخبرنا بكثافة عن صديقة لها كانت لها تجربة مريرة في العراق كانت صامتة عنها لكنها تركت أوراقها لدي الكاتبة ووجودها ميتة في فراشها في مدينة أخري، صبيحة يوم مشرق، لم تنهض صديقتي مبكرة كعادتها بل واصلت الرقاد محققة رغبتها: أن تنتهي الرحلة المتعبة لترقد بأمان ص11.إذن تريد الكاتبة أن توهمنا بأن هذه الأوراق هي أوراق عراقية ماتت، وهي فعلا ماتت معنويا منذ اللحظة التي خربوا فيها روحها في قصر النهاية. وهذا المفتتح يتيح للكاتبة وهي تنقب في أوراق صديقتها الميتة استخدام شتي التقنيات، إذ أننا سنقرأ معها أربع رسائل تلخص حال صديقتها في لندن وحدتها وكآبتها وتشخص زمن كتابتها وزمن العراق أيضاً إذ نعلم أنها كتبت زمن الحرب العراقية الإيرانية ونحن نتابع بعيني كاتبة الرسائل ما تشاهده في التلفاز من صور المعارك الطاحنة علي الجبهات. كما تسرد علينا في رسالة من هذه الرسائل حلم كل عراقي مرعوب في المنفي تحلم بالعودة خطأ إلي العراق ولحظة الإطباق عليه من قبل رجال الأمن.في المقطع التالي لم أرحل لأري أماكن جديدة تداخل الكاتبة الزمن بحركة يسيرة فمن رحلة بصحبة أبيها لما كانت في الثامنة من عمرها إلي قرية زينو علي الحدود الإيرانية العراقية موطن عائلة أبيها، ستظل تلك الرحلة عالقة بذاكرتها بروائح دكاكين القرية، وسلوك أبيها الجديد إلي خريف عمرها، لتنتقل إلي اللحظة التي تقف فيها عارية في العشرين من عمرها أمام ناظم كزار في قصر النهاية، لتعود إلي لندن في آخر لقاء لها بأبيها الذي وجدته محطماً مذعوراً نفس ذعرها يخاف قرع الباب ليموت بعد شهرين من ذلك. هذا الانتقال الهين المكثف عرضته الكاتبة بثلاثة مقاطع معنونة، لكنها مترابطة فنيا وعضويا بالتيمة، علاقة المرأة بأبيها في الطفولة وخريف العمر مع عرض مكثف للتجربة المفصلية، الاعتقال والتعذيب، حدثت بين المرحلتين، بوصف مشهد وقوفها في غرفة بقصر النهاية عارية أمام المحقق ورجاله. في مقطع مستقل (4 ـ 8 ـ 1972). تصور لنا بدقة في أربع صفحات تلك اللحظة الفظيعة التي طالما فكر بها كل من عمل ضد السلطة القمعية زمن صدام ألا وهي لحظة القبض عليه. تصورها بطريقة عميقة، غير مباشرة هابطة إلي مخاوف الإنسان في تلك الظروف عارضة عن ذاك الحماس الذي يسم كتاب الأيديولوجيين. فيخفق قلبنا معها لحظة القبض التي لما تقع يصاب الإنسان بالبله ويستسلم متخلصا من فزع هواجس القبض، ليبدأ فزع من نوع جديد يقبض عليها وهي ذاهبة للقاء سري في بيت ما في بغداد. تفصيل مثل هذه اللحظة متن حبكة النص كون هذه اللحظة هي مفصلية في حياة الساردة وعلي أساسها ترتب وضعها البشري حتي موتها غريبة في غرفة بلندن.في المقطع التالي أرأيتُ ما يكفي تستعيد بتقنية التداعي من غرفتها بلندن ذلك الماضي البعيد، ومشاعرها الحميمة لرفيقها فؤاد الذي تعرفت عليه أول مرة بموعدٍ سري أمام متحف بغداد.. تفاصيل إنسانية صغيرة عن تلك العلاقة الحميمة التي تنتهي باعتقال فؤاد حينما كان في طريقه لبيت صديق ليأخذ حقيبته ويعود إلي القاعدة في ناجيلكان . لكنهم يطبقون عليه ويعتقل، حيث سيجلب لها في غرفة ناظم كزار كتلة مشوهة لا تتعرف عليه إلا من صوته لحظة تأكيده لشخصيتها. ستبقي صورته تلاحقها طوال حياتها: يخيل إليّ، الآن، كما في السابق بأنني لحظة وفاتي سأحمل معي شيئاً من هذا العالم. ذلك الشيء سيكون صورة (فؤاد) المعذب حتي الموت، صورة شاب في السادسة والعشرين من عمره، تحول خلال أيام إلي حطام لا يري، ولا يسمع، صورة الحلم الجميل والمثالي الرائع شوهوها تعذيباً وحرقاً ص51 ـ 52.ستخبرنا أن (فؤاد) سيعدم بعد ثلاثة أشهر. ستعلق علي مشهد التداعي عن لقاء الناجين لاحقاً وما يعانونه من شعورٍ بالذنب:(فيما بعد، حينما سألتقي بمن تبقي من الرفاق الساكنين، مثلي، تحت وطأة الإحساس بالذنب لأننا أحياء) ص 52.تري هل يشعر عزيز الحاج بهذا الشعور بالذنب؟!.. أم أن ضميره تصحر منذ لحظة ظهوره علي شاشة التلفاز العراقي!.في المقطع التالي المعنون أيها القلب ماذا أري؟ تستخدم الكاتبة تقنية اليوميات لتنقل أجواء سجن النساء ووضعها البشري وسبق أن عرضت لذلك. وهذه التقنية مناسبة لتكثيف العرض حيث تتيح اليوميات للكاتب قطعها متي يشاء، أو الإفاضة بها حسب ما تستدعيه بنية النص والتيمة وكمية المعلومات التي يريد بثها في النص.في مقطع مستقل هل من ساحل آخر؟ تقلب الكاتبة في لعبة النص أوراق صديقتها لتختار لنا ثلاثة عناوين الأول عن علاقتها بأمها وعذابها لما سجنت ووقوفها كل يوم بصحبة أخيها في باب وزارة الدفاع الجانبية تتوسل للجنود كي يوصلوا ملابس وطعاما لها دون جدوي، حتي تتمكن من زيارتها في سجن النساء. العنوان الثاني هو نفي المقطع الافتتاحي ناو جيلكان . ومقطع من قصيدة كتبتها عن مظفر وهو الاسم الحقيقي لـ فؤاد ثم عنوان ثالث عن معتقل القصر وفيها ترسم لنا الكاتبة ما تبقي من تجربتها في القصر حيث توقع علي الوثيقة المذلة التي أوردت جزءا منها في السطور السابقة، وبذلك تستكمل حبكة النص بطريقة بدت سلسلة محكمة رغم هذا التقديم والتأخير والمقاطع والذكريات وتقطيع الأزمنة والأحداث.في مقطع مستقل الأخ الأكبر تعرض لعلاقتها بأخيها الكبير في المجتمع العراقي الأبوي، الرجولي العنيف. وكيف تتعرض للضرب في الطفولة للعبها مع ولد في الطريق في مقطع مستقل ناو جيلكان تفصل قليلا عن الأيام التي قضتها في القاعدة تمارس حياة الثوار، الحراسة والطبخ، والغناء، وممارسة الأحلام والنظر إلي المستقبل وكأن هذه المجموعة الشجاعة المقدامة كانت قادرة علي تغيير الدنيا وجلب السعادة لفقراء العراق. هذا المقطع ألقي الضوء علي حياة أولئك الجنود المجهولين الذين قضوا بين قتيل ومعدوم ومشوه وذليل، وذكرني بتفاصيل سوف أعيشها لاحقا لكن لفترة أطول مع ثوار الجبل بزمن أصبحت فيه السلطة أشد قوة وقسوة.في المقطع التالي أحلام عادية جدا . تقدم تمهيدا عن يومية من يوميات الشخصية المحورية في لندن التي تعيش تحت وطأة الإحساس بالذنب المركب إزاء العائلة، ورفاقها التي تعتقد أنها خذلتهم ببقائها حية.. مقدمة من صفحتين تفضي إلي عناوين جانبية نكتشف أنها ليست أحلاماً عادية جداً.. بل كوابيس تدور حول تلك التجربة، شعوراً بالذنب إزاء موت الأب والأم وهي في المنفي وهو كابوس يتكرر مع كل من عاني مثل تجربة الساردة، وكابوس المعتقل إذ تري نفسها في أمكنة غريبة تكتشف أخيراً أنها في المعتقل تنتظر دورها للتحقيق، وكابوس آخر عن عودتها لمدينتها التي لم تعد قائمة وعدم قدرتها علي العثور علي بيتها ولا علي بشر تلك المدينة فتكتمل حلقة المرأة العراقية المنفية مغلقة لتؤدي إلي الصمت.المقطع قبل الأخير عنوانه الصمت . تخبرنا أن المنفية فشلت في علاقة مع صديقٍ لها اكتشف أنها كائن من الماضي يعيش فيه، إذ يفشل في جعلها تعيش الحاضر فيحل الصمت بينهما وعليها، فتنكمش وتنكمش إلي حد الذبول والموت. وجدت أن ختام النص بهذا الموضع يبلغ ذروة في البناء الفني للرواية لكن الكاتبة أضافت فصلاً.. عنوانه استدراك لما كانت في زيارة لتونس فيقدم لها صديق عدداً من صحيفة الثورة ، فتقرأ إعلانا عن شخص مفقود يدعي حيدر يريد أهله سماع شيء عنه.. فتتذكر ما جري له بطريقة نعرف منها أنه كان معهم في التنظيم وشكوا فيه، بعد أن التحق بالقاعدة وكان خارجاً للتو من المعتقل.. ويظهر من خلال السرد الغامض أنه أعدم من قبل رفاقه في القاعدة.(متي أعدم حيدر؟ كيف لم أفتقد وجوده في القاعدة الحزبية، إلا بعد مرور أشهر علي اختفائه؟ هل حضرت إعدامه أم أنني سمعت عنه، وسكت؟ )ص 132) لتعلق في نهاية الأمر، آخر صفحة في النص تعليقاً يدلنا علي الروح التي كتبت بها هذا النص المكثف العميق المعبر عن مصير أكثر من مليون عراقي تعرض خلال نصف قرن إلي تجربة الاعتقال والتعذيب في سجون الدكتاتورية البعث . تعلق علي مصير حيدر التراجيدي: كانت العواطف مدفونة تحت ركام الإيديولوجيا، لم نكن نعرف حتي كيف نتصّرف بشكل إنساني تجاه أحدنا الآخر ص 133، لتشخص ذلك الوضع الإنساني المضطرب وقت النضال السري والظروف الشاذة وحياة الثوار في حركة مسلحة التي سوف أعيشها بنفس الطريقة في الثمانينات في كردستان أيضاً مع جناح الحزب الشيوعي الذي عارض الكفاح المسلح وتحالف مع سلطة البعث وقت تجربة النص، ليعود له بعد أكثر من عقد من السنين وفي كردستان فقط فقد تمكنت السلطة من إغلاق الوسط والجنوب تماماً:(كنا لا نعرف الحب، لا نعرف العواطف، ولا نعرف كيف نكون صادقين مع أنفسنا والآخرين لأننا كنّا نعيش حالة الخوف المستمر، الخوف من أن يودي بنا الآخر، يشي بنا، يعترف علينا لحظة إلقاء القبض، ويتسلّل في صفوفنا إذا ما حدث وأطلق سراحه. كان صراعاً مستميتاً من أجل البقاء) ص133.هذه البنية التجريبية المحكمة، غير التقليدية لا أدري لماذا هجرتها الكاتبة في رواياتها التالية، مفاتيح المدينة و نساء علي سفر لصالح بنية روائية تقليدية. ہ كاتب عراقي7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية