قراءة في أعمال الفنان الفوتوغرافي حسن نديم: لعبة الفوتوغرافي..

حجم الخط
0

إبراهيم أولحيان’وحدها الفوتوغرافيا تطلعنا على هذا اللاوعي البصري، مثلما يطلعنا التحليل النفسي على اللاوعي الغريزي.’ (ولتر بنيامين)’يعيش الفنان الفوتوغرافي حسن نديم في مراكش، بالمدينة القديمة (حي رياض العروس)، التي لم يبارحها منذ زمن بعيد، فلم تستهوه الإقامة خارج الأسوار، في البيوت الإسمنتية الباردة، بحثا عن حداثة وهمية. يعشق ضجيج الأزقة، وروائح الأماكن المعتمة، والنظر إلى عيون الناس، العابرة لفضاءات سكنت أجسادهم منذ غابر الأزمان، ينظر إلى هذا العالم المليء بالحركة؛ عالم المدينة الذي يتغير بسرعة غير محتملة، بينما الناس تمشي بتؤدة نحو مصير محتوم.. أتساءل دائما كيف يرى هذا الفوتوغرافي هذه العوالم وهذه الشخوص؟ أكيد أنه ينظر بعين الروح، وبقوة ما اختزنه من صمت، ومن عشق فادح، وهو ينصت لما يراه، كأنه آت من مكان بعيد، يأخذ الصورة تلو الأخرى دون أن يلمس آلته الفوتوغرافية، لأن ذاكرته تشتغل في مختبر الجسد، إلى أن تكتمل الرؤية التي ستقود عمله الفني المحتمل.. لكن حين ندنو أكثر من عالم حسن نديم الشخصي نكتشف شغفه بمجازات السرد، وبصور الشعر الباذخة، فهو مهووس بالكلمات التي غالبا ما تقوده إلى أشياء العالم الخفية. فغالبا ما يضع مقطعا شعريا قصيرا دالا لهذا الشاعر أو ذاك، باعتباره تلك النقطة التي ترجع إليها خيوط الصور المعروضة، ويدفع بالمتلقي إلى الذهاب والإياب في رحلة مكوكية بين الكتابة والصورة، لتشغيل حواسه، بل للوقوف عند الرؤية الفنية الثاوية وراء الأعمال، والوشائج التي تجمع بين عناصرها. فهو مسكون بفضاءات وشخوص تخييلية يتأملها، ويحاول العبور إليها.. كما أنه عاشق لشعر أدونيس وفرناندو بيسوا.. شاعران يسكنان عيني فنان فوتوغرافي يكتب العالم بالضوء.. في تلك الأماسي الجميلة بمراكش، التي كنا نلتقي فيها، سرعان ما يتيه في نصوص وحكايات، ومقاطع شعرية باذخة. لم يكن حسن نديم يتحدث عن الصورة، بل عن الكتابة والكلمات، هو الذي نبهني إلى الكتاب الجميل لرولان بارط: ‘ النص والصورة’؛ نعم الصورة والنص هو ذا عمل نديم، يريد أن يقبض على العالم بالاستعانة بعوالم أخرى خيالية، لكنها تغوص في أعماق الإنسان، ذاك المجهول كما نعتته جوليا كريستيفا ذات سياق.. من هنا تنبع تلك الجمالية المتميزة المشاغبة التي نلاحظها في أعماله.. هكذا فحين نقترب من هذه التجربة نرى أنها مسكونة بطرسية نصية، منفتحة على قارات أدبية إبداعية، وفي الوقت نفسه ترتكز على تفاصيل يومية، غير مرئية، ينسج منها موقفا أو قضية، أو فقط ليضعنا أمام عوالم استطاعت عدسته أن تلتقطها، بروح فنية عالية، ويشكل منها موضوعا.. والبارز في هذه التجربة هي تلك الرؤية النقدية التي تحملها أعماله في بعدها الجمالي والفني، عن الواقع، وفي اختراقها له بالإحالة عليه، وبخلق مسافة تكاد تطمس الموضوع. ووحدها عين المشاهد البصير تستطيع حياكة عناصر الأعمال والكشف عن لعبة الفوتوغرافي..’يمتلك حسن نديم تجربة فوتوغرافية متميزة ومتعددة، راكمها منذ أزيد من عقدين من الزمن، عرفت نضجا فنيا بارزا، في سلسلة من الأعمال المترابطة والمتناغمة رغم تعدديتها واختلاف مساراتها، إضافة إلى الحفر في البعد الجمالي الذي يميز هذه الأعمال، وأيضا التنويع بالاشتغال في اتجاهات الفوتوغرافية المتنوعة. ورغم ذلك يبقى مشروعه الفوتوغرافي أساسيا في هذه التجربة الغنية، والتي نريد أن نقف، ولو في عجالة، عند أهم محطاتها، في مسار إبداعي يغري بالاكتشاف.. إن أهم ما يثير اهتمامي عند حسن نديم، هذا الوعي بترسيخ الذاكرة المغربية، بإنقاذ، فوتوغرافيا، ما يمكن أن يتلاشى مع الزمن، أو يفقد هويته، ويصبح تافها، لذلك نجد عنده هذا الإصرار على التوثيق، وحفظ الذاكرة، في صور، وحده الزمن سيعترف بقيمتها التاريخية والفنية. وفي هذا الصدد يؤكد حسن نديم بأن أي مشروع فوتوغرافي يشتغل عليه، لا بد أن يرتكز في مرحلته الأولى على التوثيق ( وهو ما جعله يتوفر على وثائق فوتوغرافية، عن المغرب، نتمنى أن تجد فرصتها لتخرج إلى الوجود )، وبعد ذلك يبدأ العمل، وهنا أتذكر قولة جورج لوكاتش: ‘ انتهى الطريق وابتدأ السفر ‘؛ فالعمل الذي يؤرق أكثر ويحتاج إلى جهد فكري هو هذا الجانب الجمالي المفتوح على الإبداع والمغامرة.. من هنا نرى أن عمل الفنان نديم يتجلى في عدة مستويات من بينها: الكتب الفاخرة التي أصدرها بتعاون مع مؤسسات، نذكر منها:

كتاب ‘جامع الفنا مراكش’ وهو كتاب عن جامع الفنا، في تعدديتها؛ احتوى على صور كبيرة ذات فنية عالية، تحاول أن تبرز اللا مرئي في الفضاء، وفي الشخوص، وفي الألوان المتعاقبة على المكان، وتجاور هذه الصور نصوص تقرأ الفضاء السحري، وكتاب: ‘جامع الفناء فضاء الكلمات’ بالاشتراك مع فوتوغرافيين آخرين: نور الدين التلسغاني وعلي الشرايبي، برفقة الكاتب الإسباني خوان غويتيصولو الذي كتب نصا جميلا جاور هذه الصور الأنيقة، التي نحتت وجه جامع الفنا، عبر فضاءاتها المتنوعة، وشخوصها الخرافية الساحرة، التي بدونها تبقى فضاء بلا روح.. وكتاب ‘مراكش: التقاليد الشفوية الشعبية، ساحة جامع الفنا’، الذي كانت لصور حسن نديم وصديقه الفنان أحمد بنسماعيل، بصمة فوتوغرافية بارزة.. إضافة إلى كتاب ‘ساحة جامع الفنا؛ تراث ثقافي غير مادي لمدينة مراكش’، عمل أصدرته اليونسكو بمساهمة الدولة اليابانية، صدر بعد سنة من العمل الفوتوغرافي حيث اشتغل فيه نديم على وقع الفصول الأربعة على الساحة… المعارض التي أنجزها مرفوقة بكاتالوجات، ومن أهمها:

معرض بقاعة باب دكالة بمراكش حول الفنون الشعبية: رقصة الكدرة، رقصة النحلة (هوارة)، حمادشة.. اشتغل بطريقة تجريدية، مركزا على الضوء واللون والحركة.. ومعرض حول واحة ‘فكيك’، وهو معرض جعل فيه النخيل موضوعا لعمل فني، يحضر فيه عمل الفنان الذي يؤسسه على البعد التقني والجمالي.. ومعارض تناول فيها تصورات جمالية، مؤولا الفضاءات، والمشاهد، والشخوص، بعينه الفوتوغرافية، حيث ينطلق من زاوية معينة للقبض على العابر، وغير المرئي، والمعتاد، لكن بطريقة فنية، تجعله يعيد تأسيس المشهد، ويعطيه أبعادا أخرى، تسمح له بالانفصال عن المرجع الواقعي، والانتماء إلى الجمالي الفسيح، تاركا للمشاهد حرية قراءة الصورة / اللوحة، في أبعادها الفنية، ونحيل هنا على المعارض التالية: مقاطع sequences (2000)،’ نظرات وآثار الضوء” Regards et traces de lumi’re (2002)، منفذ الإغاثة Iue de secours 2002-2005)، القطارTrain de vue (2006)، العابرون Les paants (2006-2007-2010)، ويمكن أن نضيف إلى هذه اللائحة، غير المكتملة طبعا، معرضه في فرنسا عن مدينة الجديدة (مازاغان) (2008-2009)، وهو تطوير لأعماله التي اشتغل فيها على الضوء بشكل تجريدي.. وأيضا معرضه ‘نزهة صامتة’ (promenade silencieuse)(2012) الذي أتى فيه بإضافة لا تخطئها العين…’وبتتبعنا لبعض إنجازات الفنان حسن نديم، نستشف أنه إضافة لأعماله على مجموعة من المدن المغربية، وأخرى خارج الوطن، ارتبط بشكل كبير بمدينة مراكش، حتى أضحت مختبر أعماله، وكاد يتخصص فيها، لولا تلك التنويعات التي تجعل أعماله مفتوحة على مشاريع أخرى، لكن تبقى مراكش وخصوصا جامع الفنا معشوقته التي لم يمل حضورها في أعماله، بل يبدع في رسم تضاريسها، وتفاصيل ملامحها مع كل صورة فوتوغرافية يخصصها لها.. فجامع الفنا بالنسبة إلى هذا الفنان معشوقة أسطورية يبحث دائما على حمايتها، بإظهار الوجه الآخر، الخفي، ومواجهة فلكلرتها، ومسخها. هكذا نجده يقدم جامع الفنا، عبر صوره الفوتوغرافية، بعيدا عن واقعيتها، أي باعتبارها موضوعا جماليا. فجهد حسن نديم يرتبط بالخروج من المحلي إلى الجمالي، في عملية تجعله لا يرتبط بالمكان وبتمثلاته عند الآخر.. وفي أعمال حسن نديم اشتغال فوتوغرافي دقيق، فهو لا يصنع المشهد، بل يترك المشهد ذاته يصنع جمالية الصورة، وهنا تكمن لعبة الفوتوغرافي الذي يحاول أن يجمع عناصر متعددة في لحظة معينة، ليخلق صورة قادرة على أسر المتلقي، لا بإحالتها على مرجع ما فقط، بل بالجهد الفكري والتقني، اللذان يشكلان أساس صناعة جماليتها الأيقونية.

لذلك فالفنان نديم لا تغريه المشاهد الجاهزة، البسيطة التي تمنح نفسها لأول وهلة، حيث الشمس تتكفل بكل شيء، ولا يتبقى لملتقط الصورة سوى استخدام الأصبع الرابع.. حسن نديم يستهويه اقتفاء آثار الضوء، حين يكون متواريا، وغير واضح، وهنا تكمن لعبته، حيث يجعل، في كثير من الأحيان، من الضوء موضوعه الخاص، وما المشهد سوى تعلة للقصد الجمالي المفكر فيه، وغير القابل للإحتواء.. من تم فنديم، يختار بدقة أوقات التقاط صوره، فنجده يعمل في أضواء معينة: الغروب، الشروق، وأيضا في لحظات سقوط المطر أو بعده بقليل، لأنها تقدم له مجالات شاسعة للعب بالضوء، ليضفي على المشهد رؤية مليئة بالأحاسيس والمشاعر، منتجا صورا حالمة، تعتمد الظلال والانعكاسات التي تخلفها الأجساد والأشياء في الفضاء.. ومن أهم ما يتميز به الفوتوغرافي حسن نديم، تموقعه أمام موضوعه، فهو يقترب منه ما أمكن، وذلك باستعماله عدسة ترى رؤية السمكة، حيث يقترب أكثر ليأخذ أكثر، وتمكنه من السيطرة على عمق الصورة، لخلق نوع من التناظر بين مشاهد متعددة في صورة واحدة، وليتواصل بشكل حميمي مع موضوعه، ليمرر تلك النظرة العاشقة والساخرة في الآن ذاته.. إن الصور الفوتوغرافية للفنان حسن نديم، تعطينا الإحساس بالزمن وبأثره، وباشتغاله على الذاكرة في ديمومة لا متناهية، جاعلة الذوات تغوص، وتحفر في الكينونة، لتخلق رؤية معينة للعالم، تعتمد فجوة التوثر، في مسافة جمالية يسكنها القلق، والسؤال العابر نحو المجهول..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية