قراءة في أولاد حارتنا لنجيب محفوظ: خيانة الخيال
حسين السليمانقراءة في أولاد حارتنا لنجيب محفوظ: خيانة الخيالهي الرواية التي منح عنها الروائي نجيب محفوظ جائزة نوبل للآداب في عام 1988، وكانت قد حجبت عن بعض الأسواق العربية لأسباب قد لا تكون مقنعة، وهذا المنع لم ينقص من شغف التعرف الي نمط كتابي وفني مختلفين للروائي، كانت الرواية صورا مكرورة عرفناها في معظم مؤلفات نجيب محفوظ، لكنه هنا كان قد جمع الحكايات وصبها في قالب مسبق الصنع، قالب يحدد الشخصيات ويرسم المصائر لها قبل أن تتنفس في صفحات الرواية.في افتتاحية الرواية يلخص الراوي حكايات الحارة، ثم يقول: والي أحد أصحاب عرفة يرجع الفضل في تسجيل حكايات حارتنا علي يدي، اذ قال لي يوما: انك من القلة التي تعرف الكتابة، فلماذا لا تكتب حكايات حارتنا ؟. وهو ليس إلا كاتب عرائض وشكاوي للمظلومين واصحاب الحاجات، وكانت هذه محاولة غير مقنعة في تبريره من اقتراب الكتابة في متن الرواية من النصوص الشعبية، نصوص الحكواتي في مقاهي الشرق: رفع قدره يده عن منكبه فصفعه علي قفاه بقوة تقوس لها ظهره، ثم ضرب بركبته دبره فانكفأ علي وجهه، وسرعان ما برك فوقه وراح يكيل له الضربات وهو يقول بصوت يزفر الغل والحنق: ألم تسمع ما قال زقلط ؟! فكاتب العرائض يختلف اسلوبه عما نجده بعض الأحيان في أولاد حارتنا، إنه أرقي واجزل.. وتأتي الرواية علي فصول يعنونها باسم ابطال الحكايات: ادهم، جبل، رفاعة، قاسم، وتنتهي بفصل يحمل عنوان رفاعة. يفتتح نجيب محفوظ اولاد حارتنا كما يلي: كان مكان حارتنا خلاء. فهو امتداد لصحراء المقطم الذي يربض في الأفق. ولم يكن بالخلاء من قائم الا البيت الكبير الذي شيده الجبلاوي كأنما ليتحدي به الخوف والوحشة وقطاع الطرق. كان سوره الكبير العالي يتحلق مساحة واسعة، نصفها الغربي حديقة، والشرقي مسكن مكوّن من ادوار ثلاثة افتتاحية شرقية مليئة بالرموز تقودنا معانيها الي بداية الأشياء، فمكان الحارة كان خلاء ولم يكن بادية أو صحراء، إنه امتداد صحراء لكنه ليس بصحراء، وهناك في البيت الكبير الحديقة الغربية التي ستخلب لب أدهم، الابن الأصغر لجبلاوي، وجبلاوي هذا يصيبنا بالحيرة طيلة الرواية فهو الشخصية الوحيدة الغامضة فيها، وإن كنا في البداية نلمس اقترابا بينه وبين شخصية الأب في ثلاثية نجيب محفوظ، لكننا سرعان ما نشعر بالفارق الكبير ذلك حينما يسقط الرموز الأولي عليه فهو الأب القوي الجبار (فوقفوا بين يديه وهم من إجلاله لا يكادون ينظرون نحوه إلا خلسة… وهو يبدو بطوله وعرضه خلقا فوق الآدميين كأنما من كوكب هبط.. وما يقلقهم أنه جبار في البيت كما هو جبار في الخلاء وانهم حياله لا شيء). إنها صورة الأب الشرقي قد أجاد رسمها، فلا وجود للحوار ولا للرأي بحضرته، فهو المركز الذي يدور حوله الأبناء، يرسم لهم المستقبل فينفذونه ومن يخرج عن طاعته فإنه خارج مارق تائه وهذا ما جري للابن الأكبر ادريس الذي اعترض علي اختيار والده لأخيه الأصغر أدهم في إدارة اعماله (الوقف) فقال الجبلاوي الأب لادريس: لا انت ابني ولا أنا أبوك، ولا هذا البيت بيتك، ولا أم لك فيه ولا اخ ولا تابع، امامك الارض الواسعة فاذهب مصحوبا بغضبي ولعنتي . هذا التخييل الذي يلجه نجيب محفوظ منذ الصفحات الأولي يشعرنا بأننا أمام عمل ميثولوجي كبير، فهناك قدرة الأب غير المنتهية وهناك الابن الأكبر يحاول الوقوف ضد رغباته بالثورة عليها فيطرده الأب من البيت ويخلع عنه رباط الانتساب، فيمسي متشردا ضائعا.. لكنه لن يستسلم، سيحاول جهده تقويض البناء الذي أراده الأب، فيقف بالمرصاد يتحين الفرص كي يوقع أخاه أدهم في شركه. أما أدهم الذي سيبعده عمل الوقـــــــف وتحصيل أجار الأحكار عن اللـــــــذة التي كان يستطيبها في الخلو الي الحديقة يراقب الطـــــــيور ويستشم عطور الورود ثم ينفخ في الناي محـاكيا الزقزقة والهديل لو تكلمت هذه العصفورة بلغتي لشفت قلبي باليقين. وللنجوم الزاهرة حديث كذلك. اما تحصيل الإيجار فنشاز بين الأنغام . لكنه لا يملك الحيلة، هناك المصير الذي رسمه الأب لابنه، ولا يملك إلا ارتياد الحديقة كل مساء عند نهاية عمله لتذوق السعادة الحقة، وهناك في الحديقة يلتقي بفتاته التي ستشاطره الحياة الزوجية، ففي الحديقة، هذا العالم الفردوسي، يأنس بالزهور ويتعرف الي محبوبته التي يلقي ظلها أول ما يلقي ووقف ادهم يوما ينظر الي ظله الملقي علي الممشي بين الورود، فإذا بظل جديد يمتد من ظله واشيا بقدوم شخص من المنعطف خلفه. بدا الظل الجديد كأنه يخرج من موضع ضلوعه. وهكذا نجد أن الكاتب يلقي علينا بحمولة الرموز والمعاني وهو هنا يسير مقلدا ما نعرفه! فالفتاة التي اكتشف وجودها في حديقته كأنها تخرج من ضلوعه، وهو ادهم وهي اميمة حواء ادهم أو آدم.. فنتوقف برهة هنا للاستراحة والعودة الي الصفحات الأولي..ما الذي يريده نجيب من حكاية هذه الحكاية وهل هي حكاية حارتنا أم انها أكبر من ذلك؟ إلا أننا ما زلنا في بداية الرواية، وهذا ما يجعلنا نمضي، دونما تعثر أو اضطراب، فالقارئ لا يستمتع فقط بقراءة العمل الأدبي بل هو يعيد بناء الخيال والرموز التي ابتدعها الكاتب، إننا نطمح من قراءة العمل الأدبي إلي هواء جديد وأرض بكر معطاء.ادريس الذي طرده والده الجبلاوي من بيته الكبير وحرمه من ميراثه ومن نسبه، يذهب في الحارة أو الحي، في الأرض، مترديا الي أسفل المنازل، فهو لا يقلع عن الشراب والعربدة، صاح مرة في وجه اخيه ادهم الذي اراد ثنيه عن اعماله المشينة: وسيرونني علي اسوأ منها كل يوم، العار والفضيحة والجريمة ستحل بكم علي يدي، طردني ابوك دون حياء فليتحمل العواقب وكان ادهم قد تزوج من اميمة (الأم الأولي أو مصغرة الأم كما يدل اسمها) ويهنأ معها في عيش رغد، وكان ادهم قد نسي ادريس، حتي جاءه يوما بحالة مزرية، في ملامحه الحزن والتواضع، وعطف عليه ادهم فوقف ادريس يسأله إن كان يعلم عما جاء في وصية الجبلاوي في الميراث، وهل شمله بها؟ لكن ادهم الذي لا يريد مخالفة تعليمات والده ومنها عدم الاطلاع علي حجة الوقف وعلي شروطه العشرة، أنكر سؤال ادريس، لكن ادريس ورطه في حبل الحيلة وكانت زوجته اميمة تهون عليه الأمر وأن ما يفعله في اختلاس نظرة علي الوصية ما هو بخروج عن طاعة والده.. وكان ادهم ينتظر الجبلاوي في صباح اليوم التالي كي يخرج من مقامه فيدلف الي هناك ليقرأ وصية الميراث، وحسب أن الجبلاوي ابتعد في خطواته نحو الحديقة فدخل غرفته وراح يبحث عن كتاب الوصية لكنه تفاجأ بعد دقائق بعودة الجبلاوي، فإذا بغضب من دون رحمة يهبط عليه، وقال له الأب متجهما: تتآمر عليّ مع أدريس الذي طردته اكراما لك؟.. اخرجا من البيت (ادهم وزوجه).. غادرا البيت قبل أن تلقيا خارجا. وكان ادهم قد ادرك المكر الذي رماه به ادريس، وها هو يرقص امام نظـره ويفرقع اصابعه فرحا.. واقام ادهم كوخه الصغير الي جانب كوخ أخيه ادريس وكان البيت الكبير يبدو من امامهما حلما لا يمت الي الواقع بشيء. وراح ادهم يدفع بعربة اليد متجولا كبائع بطاطا وخيار.. أما ادريس فيمارس قطع الطريق فيحصل علي قوته بالقوة وبالقتل.. تنجب الأم اميمة توأمين هما قدري وهمام، وكان ادريس له ابنة من عمرهما اسماها هنداً. ويقفز بنا الروائي باتقان نحو عشرين عاما، فينقلنا الي عالم قدري وهمام وابنة عمهما هند، فقد كان قدري يختلي بهند خلف الصخرة بينما يتابع همام رعي الغنم بنفس مسالمة مطمئنة، بينما نري قدري علي جانب آخر منه يسلك درب عمه ادريس، وبعد أيام يرسل جبلاوي خادمه لأول مرة الي بيت ادهم ليعلمه باختيار ابنه همام للسكني في البيت الكبير دون قدري أو ابنة ادريس، وهنا يعمي الغضب قدري، فما الذي دعي الجبلاوي الي اختياره هذا وماذا يختلف عنه همام؟ وراحا في مساء اليوم التالي الي جانب الصخرة ونشبت بين الأخوين مشادة فضرب قدري أخاه بحجر فأصاب رأسه فأرداه قتيلا، وحفر هناك حفرة كي يواري همام فيها.. ثم حين يكتشف الأب ادهم فعلة ابنه يقول له: لا تقل أبي، قاتل اخيه لا أب له، لا أم له،لا أخ له. وبعد ساعات من اكتشاف جريمته يهرب قدري مع هند. الفصل التالي هو عن جبل حاوي الثعابين، كانت امرأة الناظر الذي يدير الوقف الآن، ذلك بعد أن تواري الجبلاوي عن الناس وانعزل، فلم يعد أحد منهم يراه أو يسمعه.. كانت امرأة الناظر قد التقطته من احدي البرك صغيرا عاريا وادخلته في قصرها كي تتبناه.. وكان جبل بعد أن اشتد عوده ورأي ما رآه من ظلم واستكبار من ناحية الناظر الذي يعيش في كنفه، هجر القصر متجها الي حي بعيد كي يلقي من يدربه علي حواية الثعابين، وكان قد تزوج ابنته، وفي احدي الليالي المظلمة يشده الحنين الي حارته القديمة فيتمشي نحوها.. واذا بصوت الجبلاوي.. يحثه الي اعادة الحق بالقوة بالقوة تهزمون البغي، وتأخذون الحق، وتحيون الحياة الطيبة فعاد الي حارته كي ينتقم من الناظر ومن الفتونة الذين يناصرونه. إنها قصص الكتب السماوية، فأدهم هو مثل لآدم الذي طرد من نعيم الجنة من وراء دسيسة ادريس (ابليس)، يقيم نجيب محفوظ تقاربا بالرموز وبالاسماء فهمام (اسم اول حروفه الهاء) مثل لهابيل الذي قتل علي يد اخيه قابيل (قدري) وها هو جبل مثل (النبي موسي عليه السلام) الذي التقطته امرأة الناظر (عزيز مصر) من مياه النيل او البركة كما جاء في الرواية…وهنا حين يدرك القارئ هذا التقارب او هذه المماثلة سيخيب أمله، فالخيال الفني ليس آلة طابعة، إن الفن والشعر هما اكتشاف، اسقاط رموز جديدة بمعان لم نعهدها من قبل، وطالما هناك تغير في الروح وتغير في النفس البشرية، فهناك سيل آخر من المفاهيم التي ستتغير وبالتالي فإن الفن سيقتنص هذا التغير كي يعبر عنه بطريقته، ولذا أسماه النقاد بالابداع، وما يكون الابداع بتأليف القديم المتعارف عليه ثم حشره في صيغة قد تبدو جديدة، والذي فعله نجيب محفوظ في هذه الرواية أنه فتح مزادا علنيا رخيصا علي مفاهيم الشرق وروحها، فيدرك القارئ المقاربة فيذهب الي ذاكرته ويزن التقارب والمناسخة التي تعمدها الكاتب، فيلغي خياله، وهنا في هذه الحالة إهانة مباشرة للقارئ – العربي الذي حفظ رموزه واحترمها، اهانة واستفزاز جاءت بطريقة مباشرة قتلت فيه التخييل واعادة تكوين ما كتبه القاص، فلماذا كتبت الرواية وما هو هدفها الفني؟ لا استطيع الإجابة عن هذا السؤال، إلا أن أقول انه عيّ، فالبمقدار الذي اعتبره نجيب، في هذه الرواية، شمولية وقصب السبق، اعتبره كقارئ قصوراً وقتلاً متعسفاً للخيال، تراجع وتقهقر حتي الدمار، ونكتشف ونحن نتابع القراءة أننا لا نقرأ نجيب بل نعيد ونقارن ما جاء في الكتب السماوية، ونصاب بالاشمئزاز حين نكتشف قلة الحيلة والتأليف عند الكاتب الذي يقارب من الاسماء والمواقع الي حد الاختناق، وحين نصل الي فصل قاسم (النبي محمد صلعم) نجد أنه يتزوج من سيدة في الاربعين من عمرها.. وله أقرب الاصدقاء اسمه صادق وكان ابن عم قاسم قوي البنية اسمه في الرواية حسن (علي بن ابي طالب) ونشهد موت زوجته الاولي فيتزوج من اخري صغيرة في السن ونجد مقاربة لآل ياسر والهجرة ثم هجرة قاسم متخفيا الي انصاره ليصل عند الفجر اليهم مهللين بوصوله فرحين.. وكذلك نمر بموقعتين بين مؤيدي قاسم وبين جماعة الناظر.. حتي ينتصر قاسم في النهاية ويحل الامان.. إنها لرموز شرقية عظيمة، ترعرعنا عليها وتجذرت فينا، والخطأ الذي وقع فيه الكاتب أنه قارب من حالات اصبحت رموزا، ولم يقارب من الشخصيات كما نقرأ عادة في روايات تحكي قصص وسيرة رجال وشعوب، وهذه الرموز قد تحررت من واقع المكان وواقع الزمان، واصبحنا نراجعها لا كما نراجع التاريخ او حياة الواقع، هذه الرموز قد حلقت بعيدا، حتي فقدت واقعها الفيزيائي والتاريخي، فاصبحت ديانة سماء لها قوانينها ومفاهيمها المختلفة، إنها نمط النفس الشرقية لم يفهمه نجيب محفوظ، فظن أنه تاريخ أو سرد حكائي دوناه بعد أن تداولناه بالشفاهة.ينهي الرواية بفصل عرفة، وعرفة هذا يقوم بعد عودته الي الحارة مع أخيه حنش بقتل الجبلاوي الذي يقاربه الروائي من الله ! وحين يكتشف فعلته ويفهمها يصاب بالحسرة والندم، فيبحث عن طريقة سحرية تعيد الحياة الي سيد الحارة الجبلاوي. وموت الجبلاوي في نهاية الرواية هو تكرار لما قاله بعض فلاسفة الغرب في القرن الثامن عشر عن موت الله، انه موت التدين في النفس البشرية، لقد فقدت النفس البشرية توازنها وبالتالي فقدت تدينها. وكان عرفة ساحرا ماهرا دوّن نصوصه ومعادلاته السحرية في كتاب أخفاه يوم المطــــاردة من أعوان الناظر، وكان أن مات عرفة واختفي أخوه حنــــــــش عن الأعين وقالت الاشاعة عنه انه عثر علي كتاب السحر: وانتشرت الاخبار من غرزة الي غـــــــرزة بأن حنش سيتم ما بدأه عرفة ثم يعود الي الحارة لينــــــتقم من الناظر شر انتقام… فلم يعد احد يشك في الدور المنتظر أن يلعبه حنش في حياتهم. ويكرر هنا في الصفحات الأخيرة كلمة الخلاص والخلاص المعهود علي يد حنش حتي ننتبه نحن القراء الاغبياء الي انه يرمز الي المهدي المنتظر. هيوستنكاتب من سورية يقيم في امريكا[email protected] QMK0