قراءة في الأيام السعيدة لنعيم عطية: الأسئلة الارتدادية للفن

حجم الخط
0

قراءة في الأيام السعيدة لنعيم عطية: الأسئلة الارتدادية للفن

محمد سمير عبد السلامقراءة في الأيام السعيدة لنعيم عطية: الأسئلة الارتدادية للفنما زال الفن يطرح نفسه كمادة للتساؤل، أي باثارة الأفكار، والتأويلات المختلفة حول كينونته، فكيف يصير الفن فنيا؟ أو بصياغة أخري كيف يصير الموضوع جماليا ضمن تكوين يسائل الحدود الأولي للجمال؟ وفي السؤالين السابقين ما يولد ارتدادا دائريا للتفكير الفني باتجاه طبيعته الخارجة عن أي استقلال ذاتي، أي يكون الارتداد الي تكوين طيفي متسع من التفاعل بين اليومي، والكوني، والثقافي، كعلامات جزئية مختلطة خارج الخطاب، ومن ثم فالتساؤل لا يولد اجابات، بل تأويلات ممكنة لهذا التبدل الطيفي البديل عن نقطة البداية، وهي التناول الفني للفن.يولد سؤال التكوين ـ اذا ـ خروجا مستمرا من حدوده الخاصة، أي تكوينا آخر يحمل سمات الفن، وما يستبقه، أو يتجاوزه معا في علامة واحدة، أو نص واحد.وضمن السياق الجديد يأتي الوعي الحامل للتساؤل كعلامة تمثيلية، ومتحولة، وكذلك العمل الفني في حضوره الآخر ضمن السياق التفاعلي. تطرح مجموعة الأيام السعيدة لنعيم عطية ـ الصادرة عن مختارات فصول بهيئة الكتاب المصرية ـ مثل هذه التساؤلات، وتترك في القارئ الاحتمالات التأويلية حول الفن، واتساع حدوده الذي يشمل فكرة الزمن بحد ذاتها كسياق ابداعي يتجلي فيه الفن كأحد تأويلات الوجود اليومي، أي يصير الزمن استعاريا في اختلاطه باكتساب الوعي للحركة السردية الأسطورية للصورة الفنية، دون أن يعلن أنه مصدر منتج لعمل ذي استقلالية ما.في نص (زلط) يتوحد البطل الهامشي / زلط، بشاعرية الوجود الأرضي للزلط، فيصير الاسم وجودا فنيا جديدا يحمل بداخله دلالتين: الأولي: محو الحالة الهامشية لكل من البطل، وعنصر الزلط ابتداء، في التكوين التفاعلي الذي يبرز كسمة للتكوين، أو النشـــأة الأولي، فالشاعرية تلازم تكوينات الزلط اللعبية، ومن ثم يصير زمن البطل فنيا خارجا عن وضعه السابق لوجوده في المجتمع، اذ ان وجوده في السياق الأرضي ـ الفني يمنحه تبديلا مستمرا في الهوية دون مرجعية محدودة. فالنقطة المتحولة المرتدة تصير وعيا خارج الذات، أو فنا متجاوزا لاستقلال العمل الفني.الثانية: تمثل حكاية اندماج زلط بالزلط سردا رمزيا ووجوديا يتجاوز أطر الحكائية بالانتشار الجمالي لأحداث الميلاد، والكتابة، والموت كأنها اكتسبت صورة سردية ذات طابع فني أولي فيها، فقد مثلت زلطة دور البطل في سياق حكائي لموته المحتمل في النص كبديل مجازي يدخل الفن ضمن حكاية وجود الكائن، ولا يرد الفن كلية الي منتج واحد أصلي.لم يولد زلط في المستشفي، ولكن علي الأرض، وقد أحب كتابة الشعر، والاحتفاظ بالزلط الذي ولد منه أشكالا جمالية عديدة، فضلا عن احساسه برقصه علي الشاطئ، أو آلامه عندما يدوسه أحد.غيوم الصدفة تفجر الهوية، وتكشف التباسها بالتبديل اللانهائي المتضمن فيها، أما اغواء اختلاط الفن بالأرض فهو عودة لاواعية الي الأثر الفني في صورته البربرية المقاومة لعزلة البناء، ومن ثم كان الماء بديلا عن المعرض الذي يمكن أن يقام من تشكيلات الزلط، لقد صار الكون حاملا لتاريخ الفن انطلاقا من التجاوز، واعادة التساؤل حول الفن، ومتجاوزا باتساع السياق، ومستبقا لمدلول الجمال بالارتداد غير الواعي للأثر الأرضي المؤجل لحدث التساؤل برمته من خلال النص الذي حمل اسم زلط كوجود تعددي للاسم.وفي نص (فن الاختفاء) يصير التمثيل سؤالا حول الوجود، والهوية بالكشف عن الاختفاء الكامن فيهما، وفي التمثيل نفسه، اذ يلتبس فيه بروز الهوية بالحجب، والاختفاء في النزعة التمثيلية كحضور بديل متجدد يتحدث بصوت الأنا بينما يخفيه في الأطياف المحتملة للصورة، هل كان التمثيل حلما بالذات، أم باختفائها، أم بالاختفاء كحالة سردية لعدد غير محدود من الأصوات الأسطورية، والكونية المختلطة في الصوت المجرد من التحكم المتعالي في الحالة التمثيلية؟ انه اغواء التبديل الكامن في الوجود بوصفه فنا، أو مجالا للاختفاء الذي يتشكل فيه الطيف الآخر في حركة مستمرة تقاوم الموت بالتباس الأثر.يرصد السارد اشكالية وجود الأستاذ / الفنان الذي يري أن التمثيل ينبع من أنفسنا كي لا نختنق، وأنه ينبغي أن ينكر الممثل ذاته أثناء التمثيل حتي روي أحد تلاميذه أنه مثل دور حبة قمح، فصور آلامها عندما يقترب منها الدجاج، وأحيانا يتوحد بجثة، أو غصن شجرة، أو عصفور ليمحو بروز الهوية في الاختفاء الكامن في الأثر بوصفه فنا للحياة، لا عملا مستقلا، ويدل علي ذلك اصرار السارد علي الاختفاء الواقعي للأستاذ خارج حدود خشبة المسرح، دون العثور علي جثته، ويأتي الغياب التمثيلي كبديل هنا عن حضوره، أو انتحاره.الأستاذ يمتد فيما يحجبه، في الأطياف التي استحضرها، فحفزت وجوده الآخر في الاختفاء دون أن يكون هو محورا لها، بل صارت هي بروزا فنيا خارج الوعي بحدوث التمثيل، لأنه يكمن في سرد الحياة.أوصي الأستاذ ـ ذات مرة ـ أن يدفن في ملابس العراف تريزياس، الذي كان يفضل أن يؤدي دوره، وكأن الموت نبوءة بمستقبل جديد يختلط بأخيلة العراف، وشخصيته الملتبسة بين الحجب، والظهور. تريزياس تمثيل للاختفاء، واختفاء يزدوج بنسيج التمثيل نفسه، فقد أعيد تشكيله في السرد التأويلي للبطل عن طريق اختفاء الأستاذ رغم ظهوره في احدي مدن الصعيد، أو تداخله مع ميت آخر. لقد صار التمثيل هنا حجبا للاختفاء عندما تبلور الأخير في وعي التلاميذ كحقيقة.وفي نص (الذي أحب التماثيل) يتولد مدلول النحت عند الأستاذ من أخيلة الاستدارة، والامتلاء، وقد علم البطل / تلميذه عشق استدارات الجسد الأنثوي من خلال التمثال، الذي يستبق الواقع فيكشف احتجابه، أو التباسه بالأخيلة المنتجة بواسطة الحضور التمثيلي للتمثال كحياة متجددة. وقد وصف امرأته بأنها تمثال لامع من الأبنوس.يري مارتن هيدجر أن وجود الأثر يكون في المجال الذي يفتتحه هو نفسه، فصمود الأثر المعماري أمام العواصف يبرز العاصفة في شدتها، ويجعل المكان اللامرئي للهواء مرئيا (راجع / هيدجر / كتابات أساسية ج 1 / ت / اسماعيل المصدق / المجلس الأعلي للثقافة بمصر 2003 ص 92 و93).هكذا برزت الزوجة كطيف محتمل حول انتصاب التمثال، أي أنها حياته السردية التي يكمن فيها التمثال كممثل خفي.لقد اختلط العشق بجذرية الحياة الممنوحة للتمثال في حضوره الثقافي منذ ايزيس، وفينوس، وأفروديتي حتي تمثال الأستاذ، التمثال يدمر حدوده النحتية من داخل ظهورها الطاغي، هل هو حلم بالتحول؟ أم أنه يفتح فضاء للخيالات الدائرية للحياة في الأستاذ ثم بديله / التلميذ الذي يخترق قداسة المجال المحيط بالتمثال، ويتزوج من امرأة الأستاذ عقب وفاته ليصير مكملا تمثيليا حيا للأطياف المنتجة حول التمثال.وفي نص (جيلان) يرصد السارد هذيان البطل / الناقد بفنانته المحبوبة / جيلان، فهو يعرفها من خلال لوحاتها، وتوقيعها، انه يطاردها بوصفها نحتا تمثيليا من أخيلته، انه يهذي بالعمل الفني خارج نطاقه، أي بوصفه وجودا، وهوية حاملة لأطياف الأثر / اللوحة.لم تكن اللوحة ـ اذا ـ مستقلة ضمن حدودها بل شكلت رؤي العالم عند الناقد، وأحدثت انشطارا في جيلان الفنانة، التي لم يصدق الناقد عندما رآها أنها صاحبة اللوحات، فهرب منها الي التجسد الآخر للفن الكامن في عمليات القراءة بوصفها لذة امتداد الفن في الطيف الآخر المستبدل للهوية الفاعلة من داخل السؤال المستمر عن الفاعل.وفي نص (البومة دافئة الأحضان) تختلط أخيلة التأويل بالسياق اليومي لتخرجه من معناه النمطي الأول، فيصير مناهضا لتحققه الوجودي بصورة ضدية / ابداعية من خلال تكوين يبرز فيه التلقي كحدث فني متجدد في الأثر اليومي نفسه.لقد دعي البطل / الفنان الي حفل عشاء عادي، فأصابه الملل من الرقصات، والنغمات المألوفة، وضمن هذا السياق لم يجرؤ أن يذكر اسم بيتهوفن أمام زوجته التي أسكتته، ولكنه في حركة لاواعية مضادة للنمط، يعيد انتاج عيني الراقصة الأخيرة من خلال خيالات لصورة البوم التي ذكرته بامرأة ترك لها لوحاته في الماضي، وكانت قد ارتبطت في وعيه بأنوثة مقدسة حتي هتف في الظلمة: بلقيس، بلقيس.لقد امتد السرد بالعادي الي مطاردة للفن في أثره التأويلي الكامن في نسيج العادي نفسه كأنه لم يكن موجودا بهيئته الأولي، ففي مجال الأثر / الراقصة توجد امرأة ضخمة تحمل عيني بومة، ومن الظلمة تولد ذراعان مثل ثعبانين من لهب مقدس يستبدلان الذراعين العاديين.النار قراءة للظلمة من داخل حركتها المحجوبة، النار أثر للظلمة، وللأثر نفسه في تجليه الفني واليومي معا دون حدود.النار تمحو الظلمة من داخل تمثيلات السرد التطهيرية لانفصال الواقعي عن الفني.وفي نص (الاجابة) ينصرف البطل / الفنان الخبير في الجمال الي جزيرته ليلتقط الصور الفوتوغرافية، وعندما سئل عن الجمال أجاب بأنه ليس في العالم قبح، والمشكلة تكمن في أن شيئا قد وضع في غير مكانه.لقد اتسعت دائرة الجمال الي حدود التلقي الفوتوغرافي بوصفه أثرا دون فاعل مهيمن، الجمال يتجاوز حدوده في الفوتوغرافيا كتمثيل جمالي مستمر للكوني، أو اليومي في تشكيلاته البارزة دون تدخل، ودون اطار. ان الراصد لا يبحث عن الدرر الجمالية بوصفها مركزا، بل يلتقط أطياف الدرر فيما هو خارج حدودها.ويعد نص (رسام الحشرات) من أهم نصوص المجموعة ؛ لأنه يحول التفكير الأدائي / الوظيفي الي حالة فنية من داخله، كأنه ثورة مضادة داخلية في التفكير الوظيفي تفقده مشروعية وجوده كمركز في اللحظة الحضارية الراهنة.لقد طلق الفنان ابنة عمه ليطلق العنان لنزواته الفنية، وبعد فترة من العزلة يتزوج ثم يتورط في مشكلة زيادة الدخل مع كثرة عدد الأسرة، فيعمل كرسام للحشرات بوزارة الزراعة. ويذكر السارد أنه من داخل السياق السابق تعاوده ربة الفن كأنها ولدت بدافع قوي غير واع من داخل حالة العمل الوظيفي.لقد اختلط العمل الممثل للمأساة ببهجة الفن المولدة من خارجه، ليصير العمل أداء واغواء في الوقت نفسه، أو كأنه تدمير صاخب للمعاناة من خلالها دونما نهاية واضحة لها.أما نص (الفراشات) فهو اكمال تأويلي للسابق وقد برز فيه الانشقاق داخل الفنان الذي صار أثرا تمثيليا خرج من لوحاته، بين حضوره كفاعل، وغيابه في الاختفاء التمثيلي للعنصر الفني، واليومي في آن، فرسام الحشرات صار فراشة يلتهمها الجراد. يقول السارد عن الفراشات: راحت بعيونها البراقة مثل الخرز تتابع من وراء الزجاج، جرادة تفترس علي منضدة من خشب، رسام الحشرات، وقد انتشي بالمتعة العارية جسده المسجي عاريا، وعلي شفتيه توترت ابتسامة بنفسجية .هل هي بهجة التدمير؟ أم اغواء اللوحة التي انتصرت علي التفكير الوظيفي فصارت كونا بديلا عن الفاعل من خلال تدميره السردي؟يذكر السارد أن العاملة قامت بتنظيف الأثر، استعدادا لدخول رسام الحشرات. وأري أن دخوله في المرة الثانية سيكون طيفيا حرا كأنه لم يوجد من قبل، أو كأنه أثر متجدد لا نهائي.كاتب من مصرQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية