تعتبر الانتخابات البلدية التركية التي أجريت يوم الأحد الماضي أحد أهم الاستحقاقات التي راهن عليها رجب طيب اردوغان كثيرا لتلميع صورته وإثبات نفسه كزعيم تركي ذي نفس عثماني، وذلك بعد فضائح الفساد والتسريبات التي مست اجتماعات أمنية على غاية كبيرة من السرية، والتي اعتبرها أردوغان دعاية مغرضة تهدف الى النيل من سمعته والتأثير على اتجاهات الناخبين الأتراك. وإذا كانت الانتخابات البلدية هي مناسبة للتنافس الخدمي للمواطنين فإن حزب العدالة والتنمية حولها إلى استفتاء شعبي وتحد لخصومه السياسيين وخريطة طريق توضح آفاق ومدى ترسخ زعامة الحزب ذي التوجهات الإسلامية في المشهد السياسي التركي، مما يتيح معرفة سقف مضي رئيس الوزراء التركي في سياسته، سواء الداخلية، بما في ذلك الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، التي ستجرى لأول مرة وفق نظام الاقتراع العام المباشر، أو الخارجية بما في ذلك سياسته التدخلية في سوريا . إن السياق الساخن الذي جاءت فيه هذه الانتخابات البلدية هي ما يبرر كل هذا الصراخ والتجييش والتوتر الذي رافقها، ما جعلها بحق أبرز الاستحقاقات التي عرفتها تركيا منذ عشر سنوات، فابتداء من سياسة التدخل التركية في العديد من بلدان ما سمي بـ’الربيع العربي’، التي كان أبرزها انخراطها المطلق في الأزمة السورية ودعمها للجماعات الإرهابية المسلحة في سوريا، والذي أثار انتقادات واسعة للحكومة التركية من قبل المعارضة، خاصة بعد شعار العودة إلى العمق الاستراتيجي وسياسة تصفير المشاكل مع الجوار، التي نظّر لها كثيرا أحمد داود أوغلو، ومرورا باحتجاجات ساحة تقسيم الدامية التي مازالت مفاعيلها تتجدد مرة بعد أخرى، وكذا فضائح الفساد التي طالت شخص أردوغان نفسه وابنه، وصولا إلى التسريبات الخطيرة التي مست اجتماعا أمنيا على غاية كبيرة من السرية، وبالتالي فإن هذه السياقات المتوترة التي رافقت هذه الانتخابات عولت عليها المعارضة التركية كثيرا، من أجل إلحاق هزيمة تاريخية بالحزب ذي التوجهات الإسلامية، إلا أن النتائج جاءت في صالح أردوغان، مما يثير سؤالا على غاية من الأهمية ألا وهو، لماذا لم تنعكس كل هذه الأزمات التي عاشتها تركيا، خاصة فضائح الفساد على توجهات الناخبين الأتراك؟ حقا إنه سؤال تراجيدي محير على الرغم من أن البعض يعزوه إلى العامل الاقتصادي الذي يعد من أبرز انجازات حزب العدالة والتنمية، خاصة أنه عرف كيف يحافظ نسبيا على هذا الانجاز، على الرغم من العزلة الخارجية والضغوط الداخلية التي تعانيها ‘تركيا اردوغان’، فالانفتاح الاقتصادي على إيران كان له دور كبير في الحفاظ على هذا الانجاز، ورغم أهمية هذا العامل في تحديد توجهات جزء كبير من الناخبين الأتراك نحو التصويت لحزب العدالة والتنمية، فإن ثمة مجموعة من العوامل العميقة التي تحكمت في هذه النتيجة لعل أهمها: اعتماد حزب العدالة والتنمية على كتلة انتخابية شبه ثابتة تقدر بنحو 40 في المئة، التي تتميز بعدة خصائص من أبرزها أنها كتلة ريفية ومتدينة متمركزة أساسا في منطقة الأناضول، وقد ساهم في ثبات هذه النسبة عدم وجود حزب سياسي لجماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن، الذي كان من شأنه دفع المتعاطفين مع الجماعة للتصويت لها. المزاج النفسي عند الناخب التركي الذي صوت لأردوغان والمتسم بالحساسية لكل ما له علاقة بالعلمانية، والذي يحيل بشكل لاإرادي إلى عصر التضييق على الحريات الدينية، ما يجعل أي حديث عن فوز المعارضة العلماني خاصة الأتاتوركية كابوسا مرعبا لهذه الفئة، ما يفسر فوز حزب أردوغان، على الرغم من كل فضائح الفساد التي أثيرت حول الرجل وبشكل خدمت فيه هذه الفضائح والأزمات حزب العدالة والتنمية، فانتقاد شخص اردوغان أضحى انتقادا للإسلام، مما يستدعي معه استنفارا من أجل حماية بيضة الإسلام. الأزمة الأخلاقية التي تعاني منها شريحة كبيرة من الشعب التركي، والتي يمكن أن تفسر جزءا من هذه النتيجة، على الرغم من كل سياقاتها الساخنة. لقد عرف رئيس الوزراء التركي الحاكم منذ 2002 بشخصيته الصدامية، خاصة على مستوى السياسة الخارجية، وبخطابه الاستقطابي الحاد، كيف يستغل كل هذه المعطيات والتخوفات لكي يفوز في هذه الانتخابات البلدية بنسبة تزيد عن 35 في المئة، مما يشكل نصرا مهما في هذه الانتخابات البلدية، وإن كان ليس بالشكل الذي يتصوره الكثيرون، فمن على شرفة المقر الرئيسي لحزب العدالة والتنمية، ألقى رئيس الوزراء التركي العنيد خطاب النصر الذي جاء متوعدا خصومه وحافلا بالرسائل والإشارات الداخلية والخارجية، فعلى المستوى الداخلي أكد أردوغان أن هذا الفوز هو صفعة عثمانية لن تنسى للحرس القديم والتحالفات غير الواضحة، كما ذكر بالتحدي الذي رفعه والمتمثل في اعتزال الحياة السياسية في حالة عدم فوز حزبه بهذه الانتخابات، الشيء الذي لا يجرؤ عليه زعماء أحزاب المعارضة التي تعد معارضة غير حقيقية، بحسب رأيه، كما اتهم رجب، فتح الله غولن الذي سماه بالقابع في بنسلفانيا واتهمه بالسعي وراء الفتن والفساد والخيانة، بخدمة أجندة خارجية، من دون أن ينسى حادث التنصت على وزارة الخارجية التي اعتبرها حملة تجسس وخيانة. أما على المستوى الخارجي فإن رسائل رجل تركيا الأول القوية شملت كلا من مصر بتأكيده على دعمه لجماعة الإخوان المسلمين، عبر رفع إشارة رابعة وما يعنيه من اعتباره للسلطات المصرية الحالية بأنها انقلابية، كما أن سوريا كانت مشمولة بعبارة ‘أن الذين كانوا يأملون بانقلاب عسكري في تركيا، خسروا اليوم الانتخابات’، كما لم يفته التذكير بأن هذا الانتصار تتعاطف معه الكثير من الشعوب العربية والبلقانية، في إحالة لكون تركيا أضحت رمزا ونموذجا لكثير من الشعوب السنية، وذلك في مقابل النموذج الإيراني الشيعي. وعموما فإذا كانت نتائج الانتخابات البلدية قد فاجأت الكثيرين داخل تركيا وخارجها، نظرا للسياق العام الذي أتت فيه، فإنه مما لا شك فيه أن أردوغان سيعتبر هذه النتيجة تفويضا شعبيا له للمضي في سياسته المثيرة للجدل، والأكيد أيضا أن تركيا لن تعرف طريقها للاستقرار، خاصة أن هذه الانتخابات نفسها قد أسفرت عن نتائج جديرة بالتأمل والتحليل، سواء على مستوى الانتصار التاريخي لحزب السلام الديمقراطي الكردي في المناطق الكردية، الذي يعد بمثابة تصويت على الحكم الذاتي الكردي، أو على مستوى عدم وجود أي نفوذ لحزب العدالة والتنمية في المناطق الساحلية، وخسارته في ‘أنطاليا’ الحدودية مع سوريا ذات الأغلبية العلوية العربية والموالية لسوريا. خلاصة القول انه إذا كانت نتائج الانتخابات البلدية في تركيا عرسا لانتصار حزب العدالة والتنمية، فإنه إطلاقا ليس عرسا للديمقراطية التي عرفت الكثير من التضييق في عهد رئيس الوزراء التركي، والتي بلغت حد إغلاق مواقع للتواصل الاجتماعي، ولعل رسالة بروكسل لتركيا كانت مدوية، فعلى تركيا إن أرادت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أن تلائم قوانينها وممارساتها مع النظم الأوروبية، كما أن تركيا نفسها لن تستطيع’أن تتحمل استمرار العقلية الأردوغانية الصدامية والإقصائية، على الرغم من كل المؤشرات التي قد تدل على عكس ذلك. كاتب مغربي