قراءة في تأثيرات البترودولار علي المغرب

حجم الخط
0

قراءة في تأثيرات البترودولار علي المغرب

محمد بنعزيزقراءة في تأثيرات البترودولار علي المغرب الفكر النفطي يسترجع مواقعه، دل ذلك أنه امتلكها سابقا ثم فقدها. متي ملكها؟ منذ بداية السبعينات، ساهمت الطفرة النفطية في زيادة وزن الخليجيين في الحياة العربية، كان العمل في الإمارات العربية المتحدة وما زال فرصة اغتناء للجنود المغاربة، استفاد الحسن الثاني من السعوديين لتمويل حرب الصحراء (شراء طائرة الأواكس)، كانت الهجرة للعمل في السعودية حلما، كانت مملكة آل سعود تنفق بسخاء لرفع راية الإسلام في مواجهة القومية، وقد مثلت هزيمة 1967 دحرا لحلم عبد الناصر بتزعم العرب، بعدها تحسن دور المملكة العربية السعودية الإقليمي واستمرت في محاربة الشيوعية، مولت المملكة الجماعات الإسلامية والمجاهدين في أفغانستان أما الإمارات فقد بنت المساجد ودعمت طبع كتب ومجلات الدعوة… بنيت جامعة الأخوين بملايين الدولارات السعودية، وقد كانت جريدة الشرق الأوسط لسان حال هذا الزهو، كانت تنشر أخبار إنجازات المجاهدين الأفغان ضد السوفيات، وقد شعر القراء أن دينهم بخير بفضل جريدة العرب الدولية. الصدمة الأولي بعد احتلال صدام للكويت، تعاطفت الشعوب العربية مع المحتل ولم تتعاطف مع الكويتيين، خرج 700 ألف مغربي في مسيرة تضامنا مع صدام، لم يفعلوا ذلك حتي بسبب البطالة أو الفساد أو سنوات الرصاص، حتي الفلسطينيون الذين يعرفون طعم الاحتلال جيدا تعاطفوا مع صدام، حينها اكتشف الخليجيون أنهم ممقوتين في العالم العربي، ذهلوا وصدموا وقرروا تغيير الوضع بسرعة وفعالية مهما كلفهم ذلك. كان لا بد من إعلام مؤثر، هجومي ومكثف، مهني وذي مصداقية، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتقاتل الإخوة المجاهدين فيما بينهم، فقدت المملكة السعودية حصان طروادة، كان لا بد من حصان جديد، تم استئجار المزيد من المنابر والإعلاميين اللبنانيين.الصدمة الثانية بعد أحداث 11 ايلول (سبتبمر)، اهتز النموذج الخليجي ثانية فحصل تغييران إعلامي واقتصادي.إعلاميا، لم تعد الأسلمة موضة، أصبحت مصدر رعب، لأنها تقود إلي الجهاد والإرهاب، لذا قلصت القنوات الفضائية الخليجية مظهرها الديني وزادت مظهرها الراقص، وظهر طوفان من القنوات الغنائية التي أنتجت مغنيات لا حصر لهن، وطغت أخبار نانسي عجرم علي أخبار طالبان. احتلت مسابقات ستار أكاديمي وما شابهها مكان الدعاة النجوم… وحتي من تبقي منهم فقد شذب لحيته ومرن خطابه، تواضع فصار يعظ ولا يفتي. اقتصاديا تقلصت الجمعيات الخيرية الخليجية العملاقة، أصبحت تهمة تمويل الإرهاب تتهدد الأثرياء الذين يخرجون الزكاة لتلك الجمعيات، صارت أمريكا تجمد الأرصدة فلزم إخراجها من الدول الغربية، وهكذا غير البترودولار وجهته وجاء إلي المغرب، أعلنت جريدة سعودية عن استثمار خليجي في المغرب بـ 18 مليار دولار (الرياض 1/4/2006) وأضافت في سابقة هي الأولي من نوعها في المغرب وقعت الحكومة المغربية مع مجموعة دبي القابضة و مجموعة إعمار الإماراتيين ثماني اتفاقيات للاستثمار تهم إنجاز مشاريع للتهيئة والتأهيل السياحي والإقامات السكنية وأكد رئيس مجموعة دبي القابضة أن الاتفاقيات التي تم توقيعها تشكل سواء من حيث الحجم أو الجودة سابقة في المغرب والعالم العربي ككل. وقد احتفي المدير العام لصندوق الإيداع والتدبير المغربي بتلك الاتفاقيات وأكد أن لدي الإماراتيين قراءة دقيقة لكل ما يجري في المغرب . (جريدة الرياض 1/4/2006).ماذا يجري في المغرب؟ لا شيء، الدافع لقدوم الاستثمارات الخليجية يجري في أمكنة أخري، أولا الشرق الأوسط خطر، شره أكثر من خيره، مستقبل العراق مجهول، الصراع الفلسطيني يراوح مكانه، الحروب في القرن الإفريقي لا تنتهي، إيران تتسلح، إذن فشبه الجزيرة العربية مهددة من كل الجهات.ثانيا كان الغرب هو الملجأ الطبيعي للرأسمال الخليجي، لكن أحداث 11 ايلول (سبتمبر) قلبت الوضع، ساهمت في تخويف البترودولار، وقد كانت محنة الإماراتيين شديدة حينما حاولوا شراء حقوق تسيير الموانئ الأمريكية الشرقية. كان الدرس واضحا: الغرب لا يثق بالعرب والمسلمين ليسيطروا علي قطاعاته الاستراتيجية. هكذا أتي الرأسمال الخليجي إلي بلادنا لتأخذ نصيبها من النفط. فالمغرب مستقر وأفضل من لبنان، ليس فيه شيعة مجاهدون، صحيح فيه بعض السلفيين المقاتلين لكنهم يقدرون الوهابية. ثم إن المجتمع المغربي يروق المزاج الخليجي، فالمغاربة مضيافون، بناتهم جميلات وأنيقات، بعضهن يرافقن الخليجيين شرط ألا يلبسوا العباية والكوفية، يجب أن يلبسوا ملابس عصرية ويدفعوا أسعار غرف الفنادق الفخمة، فالشرطة لن تقتحم غرف فندق خمس نجوم. لهذه الأسباب مجتمعة يبني الخليجيون كورنيش الرباط، مشروع سياحي بمنطقة أوكيمدن، مركب سكني وسياحي بمدينة طنجة، مارينا الدار البيضاء، مشروع شريفية بمراكش، مركب سكني وسياحي علي طريق مراكش ـ وارزازات، بيت التمويل البحريني سيبني مدينة فروسية في مدينة مراكش ومارينا طنجة وسيمول قروضا وفق الشريعة الإسلامية، اشتري السعوديون شركة لا سمير لتكرير النفط، جاء ميلود الشعبي بالخليجيين ليبنوا أسواق السلام… . ديار ريل استيت القطرية تنشئ فنادق وعقارات وأبراجاً في طنجة معظمها يطل علي البحر المتوسط… هذه استثمارات للأغنياء فقط، إنها مجمعات سياحية وعقارية وترفيهية وتجارية وليست مصانع للتشغيل والإنتاج، فائدتها قليلة علي المجتمع المغربي، لن توفر سكنا اقتصاديا وستقدم صورة تحث علي الاستهلاك فقط.الحكومة المغربية تقول أهلا وسهلا لهذه السيولة الهائلة التي تبحث عن مجال للاستثمار المربح، وهذا ما يوفره ارتفاع الطلب علي العقار والمساكن الفاخرة، مع انتقال أعداد كبيرة من الأوروبيين للإقامة في المغرب وشراء عقارات فيه. حتي شركة الضحي ستتجه للاستثمار في العقار الفاخر علي حساب شقق الشراء بثمن الكراء . هذه الاستثمارات لن تستقر في البلاد مجانا، لا بد من دفع الثمن. البنية الفوقية تتبع البنية التحتية حسب ماركس، هذه صيغة ألمانية تستفز الفكر التقليدي، بالعربية النقود تُسمع صوت أصحابها ، لهذا تدخل الكويتيون الذين يبنون الطرق السيارة في المغرب لتحديد الطريق الذي ينبغي أن يسير فيه الإعلام المغربي، لدينا وقائع متباعدة تخدم الخط نفسه: 1 ـ أولا ســمح لجرائد سعودية بأن تطبع في المغرب. 2 ـ اشتري سعوديون مجموعة ماروك سوار المقربة من السلطة، وقد حسنوا الخدمة الإعلامية للمجموعة دون أن تغيير خطها التحريري الممجد للنظام في المغرب. 3 ـ تم التراجع عن الترخيص لجريدة القدس العربي بالطبع في المغرب، وقد تأسف رئيس تحريرها عبد الباري عطوان لأن التراجع تم تحت ضغط خارجي، والمعروف أن عطوان متهم بالعداء للسعودية.4 ـ اضطرتْ قناةُ الجزيرة المغربَ ليحسن علاقته مع قطر، كي لا تكون القناة منبرا للبوليساريو. 5 ـ أنشأت قناة MBC فرعا مغاربيا لها، وبدأت الجزيرة تقدم نشرة من الرباط، الإعلام المغربي عاجز عن عولمة المشاكل المحلية، لكن القنوات الفضائية الخليجية تتكفل بذلك، وقد جاءت لتستفيد من الفقر الإعلامي المغربي.6 ـ عاد الإعلامي عبد الرحمان العدوي من الإمارات ليستثمر في الإعلام السمعي البصري في المغرب، وسيجلب معه رؤوس أموال خليجية. 7 ـ تم اتخاذ تدابير عقابية في حق مسؤول في الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة لأن إ ت م لم تنقل مهرجانا للأغنية جري في قطر. 8 ـ أسواق السلام لا تبيع المشروبات المحرمة، وسبب ذلك أن أصحاب الرأسمال يفضلون الحلال. 9 ـ تحسس الشيخ يوسف القرضاوي ضعف الفتوي السريعة في المغرب فتدخل ليحل مشكلة السكن للمغاربة، بأن أجاز لهم أخذ قروض الربا من أبناكهم، وقد اعتبر علماء المغرب هذه الفتوي إهانة، لكن عليهم أن يستعدوا للمزيد من الفتاوي لتعويض صمتهم، فالفقه لم ينج من العولمة. ثم ان مجلس علماء المغرب احتج علي الفتوي ولم يكذبها، لكن والي بنك المغرب أخذ بها ووعد بتقديم منتوج بنكي إسلامي. سيموله الخليجيون طبعا. 10 ـ اتهم حزب العدالة والتنمية وزارة الثقافة بمنع عرض كتب إسلامية صادرة عن مطابع سعودية في المعرض الدولي الثالث عشر للكتاب الدار البيضاء. لكن المركز الثقافي السعودي بالرباط أصدر بيانا يكذب ادعاءات حزب العدالة والتنمية، وقد نشرت جريدة الاتحاد الاشتراكي هذا البيان الذي يبرئ محمد الأشعري. من المتوقع أن تشكر الوزارة المركز علي خدمته. 11 ـ انتقد الكويتيون ملف نيشان عن النكت التي يتداولها المغاربة حول الدين والجنس والسياسة. يقول موقع إيلاف كشف مصدر حكومي مغربي مطلع أن قرار منع مجلة نيشان المغربية جاء نتيجة ضغوط خارجية ، مشيرا إلي أن الوزير الأول المغربي إدريس جطو لا يد له في الموضوع ، رغم أن القرار صدر باسمه وباسم الحكومة… وأكد المصدر نفسه لـ إيلاف ، أن عددا من الوزارء لم يعلموا بالقرار قبل صدوره، وأنهم تلقوه من خلال وسائل الإعلام كباقي المواطنين ، مبرزا أن أيادي خارجية وراء تحريك الملف في المغرب .هذا درس يبين اتجاه الريح في المستقبل، المغرب بحاجة إلي البترودولار، إذن يجب عليه أن يحترم الخطوط الحمراء للتقوي، وهذا ما يجري، إذ بعد تولي محمد السادس، الملك الحداثي للسلطة، تجاهل الخليجيين، وراج حديث عن برود العلاقات المغربية ـ السعودية، الآن يبدو أن السلطات العليا في المغرب قد أعادت تقدير أهميتهم، فملايير الدولارات أنفع للحكومة من أفكار محمد سبيلا عن التحديث، وهكذا كثرت زيارات القادة الخليجيين للمغرب وزار محمد السادس عدة دول خليجية وأصبح صديقا لملك البحرين، وسيتعزز هذا الاتجاه أكثر لأن نسبة النمو في دول الخليج تتراوح بين ستة وعشرة في المئة… سيزداد وزن الخليجيين وسيتدخلون، سيتدخلون أكثر، سيصير المغرب حديقتهم الخلفية، استثماراتهم الضخمة مضمونة وصوتهم سيرتفع شيئا فشيئا، سيملكون منابر هنا، فالمغرب قريب من أوروبا وبناته أجمل، وكل هذه علامات تجعل المغرب يستقبل المزيد من الاستثمارات والمستثمرين… لذا لن يكتفي نمط حياة النفط باسترجاع مواقعه، بل سيعززها بسهولة في المشهد المغربي، المصيبة أن الفكر النفطي منفصل عن ضرورات الواقع، وقد شخصه عبد الرحمان منيف بشكل عميق في خماسية مدن الملح ، هذا الفكر لا يملك أي حس نقدي، بل يعادي كل حس نقدي، بعيد عن قيم الجهد والإتقان والاستحقاق، فكر يمجد الشهامة والنخوة الشكلية، فكر قروسطي، محافظ جدا، يعتبر كل محدثة بدعة، لا يتناغم مع الخطاب الحقوقي، يروج لنمط حياة استهلاكي مبالغ فيه، الأولوية للمظاهر وليس للمحاسبة، لأن الثروة هبة لا حصيلة عمل، فكر يعتبر المرأة مصدر لذة، ترتدي الحجاب وسروال الجينز، غير مؤهلة للعمل، فهي لا تستحق حتي قيادة سيارة.هذا الفكر مدعوم بقوة إعلاميا وماليا، وهو يؤثر سلبا علي الأجـــيال الشابة، يقدم لها قدوة فاسدة، يروج لخطاب سطحي غير مسيس، خطاب متناقض، يتخذ شيوخ الفتاوي السريعة وراقصات الفيديو كليب وسيلة للتأثير، مما سينتج أجيالا مدجنة… وهكذا سيجد المجتمع المدني واليسار المغربي الفقير نفسه في مواجهة خطاب رجعي مدعوم ماليا بشكل فادح. وهذا ما سيوفر عـــوائق جديدة في وجه قيام المجتمع الحداثي الديمقراطي المغربي، فبجانب الإسلام السياسي والقبلية، انضاف عائق جديد: عقـلية مجتمعات النفط المحافظة فكريا والمبذرة اقتصاديا. ما العمل؟ ہ كاتب من المغرب [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية