قراءة في تاريخ تبادل الأسري بين العرب وإسرائيل:
16 عاما من المفاوضات والاتفاقيات فشلت في حل مشكلة الأسري وأعدادهم في تزايد مستمرإسرائيل تتعامل مع جنودها حسب أوامر هنيبعل : جندي ميت أفضل من جندي أسيرقراءة في تاريخ تبادل الأسري بين العرب وإسرائيل:فراس أبو هلال سلطت عمليتا تبديد الوهم و الوعد الصادق ، اللتان نفذتهما المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية الضوء علي أسلوب خطف الجنود الإسرائيليين كأحد الحلول الممكنة لمشكلة الأسري الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال الإسرائيلي. فمنذ اشتعال الصراع العربي الإسرائيلي، وحتي هذا اليوم شكلت قضية الأسري أحد أهم المشكلات التي تؤرق الشعب الفلسطيني وقوي المقاومة الفلسطينية والعربية، بسبب الأعداد المتزايدة لهؤلاء الأسري والأحكام العالية التي تتخذها المحاكم الإسرائيلية بحقهم، إضافة إلي صعوبة الإفراج عنهم وفق موازين القوي التي حكمت المعركة بين العرب وإسرائيل منذ قيامها عام 1948.إن الاختلال في موازين القوي لم يدفع المقاومة الفلسطينية لليأس، بل جعلها تبتكر أساليب للإفراج عن الأسري، ومن أهمها عمليات خطف الجنود والمستوطنين بغرض مبادلتهم بمعتقلين فلسطينيين وعرب.ولم تقتصر عمليات الخطف وتبادل الأسري علي الفلسطينيين، بل كانت امتدادا لعمليات تبادل قامت بها الدول العربية التي خاضت حروبا مع إسرائيل كمصر والأردن ولبنان وسورية. وتشير الإحصائيات التي تصدرها وزارة شؤون الأسري والمحررين الفلسطينية إلي أن أكثر من 9800 شخص ما زالوا رهن الاعتقال في سجون الاحتلال، كما تؤكد الإحصائيات المتتالية أن عدد الأسري في ازدياد دائم في ظل غياب قانون إسرائيلي عادل، وانعدام القدرة لدي الفلسطينيين علي إيجاد حل لهذه المشكلة. لقد فشلت 16 سنة من المفاوضات والمعاهدات والاتفاقيات مع إسرائيل في وضع حد للازدياد المستمر في عدد الأسري، إذ بلغ عدد الأسري في سجون الاحتلال عشية اتفاقية أوسلو عام 1993 حوالي (12500) أسير فيما يتجاوزون الآن 9800 أسير، وهو ما يعني أن عدد الأسري ظل يراوح مكانه، خلال أكثر من عقد ونصف من المسيرة السلمية التي تتقدم حينا وتتعثر حينا آخر.إن الفشل الذي أثبتته المعاهدات السلمية في وضع حد لتفاقم مشكلة المعتقلين، جعل من عمليات الاختطاف وتبادل الأسري عنصرا مهما في استراتيجية المقاومة الفلسطينية وخصوصا حماس التي أعلن مؤسسها الراحل الشيخ أحمد ياسين: أن خطف الجنود الإسرائيليين هو الأسلوب الأهم في سياسة حماس لإطلاق سراح معتقلين ، مؤكدا فشل المفاوضات في إطلاق سراحهم .وقد توافقت رؤية الشهيد عبدالعزيز الرنتيسي قبل اغتياله مع هذا الرأي، خصوصا فيما يتعلق بمحاولة الإفراج عن أصحاب الأحكام العالية، إذ رأي الرنتيسي أن حركة حماس أمام خيارين: إما أن تعتقل جنودا صهاينة لإنجاز عملية تبادل أو أن تترك المعتقلين في القيد إلي الأبد مؤكدا أن حماس شطبت الخيار الثاني من جدول أعمالها مما يعني أن خيار اختطاف الجنود لمبادلتهم بالمعتقلين هو خيارها الوحيد. وبالرغم من الصعوبات التي تحيط بعمليات الاختطاف، والنتائج القاسية التي تترتب عليها إلا أن المقاومة ظلت تؤمن بهذا الخيار، بل ان حماس أعلنت خلال حملاتها للانتخابات التشريعية التي أجريت في 25/1/2006، أن عمليات الخطف ستكون أحد أشكال المقاومة التي تتمسك الحركة بها، فقد أكد محمود الزهار في أحد المهرجانات الانتخابية ان حماس لم يعد أمامها خيار إلا خطف جنود إسرائيليين لمبادلتهم بالأسري والمعتقلين في سجون الاحتلال ، مشددا علي أن هذا الخيار ترسخ لدي الحركة بعد فشل المفاوضات في إطلاق سراحهم وإخراجهم من الأسر.أوامر هنيبعلحاولت إسرائيل دائما تجنب تبادل الأسري مع فصائل المقاومة الفلسطينية، نظرا لما تشكله هذه العمليات من إهانة لجيشها الذي لا يقهر ، وخوفا من تشجيع المقاومة علي شن المزيد من عمليات الخطف أملا في تحرير معتقلين من سجون الاحتلال، ولكن هذا لم يمنع نجاح بعض العمليات في تحقيق أهدافها، وإن كان الكثير منها انتهت بحل عسكري يؤدي إلي قتل الرهائن والخاطفين.إن تاريخ عمليات الاختطاف التي تعرض لها جنود إسرائيليون، وطريقة تعامل الإسرائيليين معها، يؤكد ما ذهب إليه رئيس كتلة السلام اليهودية يوري افينري الذي يطلق علي العقلية التي تتعامل بها حكومات إسرائيل مع مثل هذه الأحداث اسم أوامر هنيبعل . وتتلخص أوامر هنيبعل – وهو قائد قرطاجة العظيم- بالعبارة التالية: جندي إسرائيلي ميت أفضل من جندي إسرائيلي أسير .!إن أوامر هنيبعل التي تلقاها الجنود الإسرائيليون أثناء حرب لبنان كأوامر شفوية من قادتهم في البداية، تحولت فيما بعد إلي أمر رسمي، وما زالت تتحكم في لا وعيهم ويتصرفون بموجبها حتي هذا اليوم، حسب صحيفة (هآرتس).وتشير بعض المصادر الأمنية الإسرائيلية إلي وجود قرار لدي الحكومة يمنع تمرير أي صفقة تبادل مع منظمات محلية مهما كانت العواقب، لأن ذلك يشجع علي المزيد من خطف الجنود كما أنه سيضع الحكومة تحت الابتزاز الدائم .إن هذه العقلية التي تنظر إلي تبادل الأسري مع الفلسطينيين باعتباره خضوعا للإرهابيين ، تميل عادة للحل العسكري الذي يؤدي في النهاية إلي هدم المعبد فوق الجميع، وهو المبدأ الذي اتبعته إسرائيل فعلا في غزة ولبنان منذ أسر الجندي جلعاد شاليط في 25/6/2006 وعملية الوعد الصادق الذي نفذها حزب الله في 12/7/2006، إذ أنها ظنت أنها تستطيع بتهديدها أن تزحزح فصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله عن مواقفهما مع أن التجارب أثبتت دائما أن لهذا الأسلوب نتيجة واحدة: هي الفشل. انقسام إسرائيليتشكل العمليات التي تنفذها المقاومة الفلسطينية ضد أهداف عسكرية، وخصوصا عمليات اختطاف جنود، ضربة كبيرة لوحدة الصف الإسرائيلي، بعكس العمليات الاستشهادية ضد مدنيين التي توحد كافة التيارات الإسرائيلية في العداء للفلسطينيين والرغبة في انتقام عسكري. وقد أدت عملية الوهم المتبدد إلي انقسام كبير بين السياسيين والمعلقين والصحافيين في إسرائيل، إذ شن الكثير من كتاب الصحف هجوما لاذعا علي الحكومة، وانتقدوا موقفها المتشدد وميلها للحل العسكري في التعامل مع أزمة اختطاف جلعاد شاليط، فيما دعا آخرون إلي المزيد من التشدد والعنف مع المقاومة الفلسطينية.أما في ما يتعلق بالتعامل مع الأزمة الناتجة عن عملية حزب الله، فإن الشارع الإسرائيلي يبدي حتي الآن تماسكا ودعما لموقف الحكومة، ولكن هذا الموقف مرشح للانقسام مع ازدياد الخسائر البشرية من الإسرائيليين حسب تحليلات المراقبين.وفي إطار التعليق علي موقف الحكومة من قضية جلعاد شاليط، اتهمت صحيفة هآرتس الحكومة بفقدان الصواب في تعاملها مع حماس لإطلاق سراح الجندي مقابل أسري فلسطينيين. ولم تقتصر حملة التنديد بالحكومة علي صحيفة (هآرتس) فقط، بل شاركت بذلك صحيفة يديعوت أحرونوت التي أكد مراسلها العسكري أليكس فيشمان أن إسرائيل مستعدة لدفع ثمن لقاء إطلاق سراح الجندي، علي عكس ما يقوله رئيس حكومتها ووزرائها.وخلافا للآراء السابقة ساندت صحيفة (معاريف) اليمينية موقف الحكومة، ودعا الكثير من كتابها الحكومة إلي إبداء المزيد من القوة في حربهم ضد الفلسطينيين، لاستعادة هيبة الجيش الإسرائيلي الذي اهتزت صورته جراء عملية الوهم المتبدد .وكما انقسم السياسيون في آرائهم حول كيفية التعامل مع الأزمة، انقسم الجمهور الإسرائيلي بدوره، إذ أيد 53 بالمئة من الإسرائيليين التفاوض مع الفلسطينيين للإفراج عن الجندي المختطف وفق استطلاع للرأي أجرته كبري صحف إسرائيل يديعوت أحرنوت، فيما رأي 43 بالمئة من المستطلعين أن العمل العسكري هو الحل لإنهاء هذه الأزمة.تبادل الأسري بين الدول العربية وإسرائيلعرف تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي العديد من عمليات تبادل الأسري بين إسرائيل والدول العربية، ويبدو أن التشدد الذي تنتهجه الحكومة الإسرائيلية إزاء التفاوض مع خاطفي الجندي جلعاد شاليط أو مع حزب الله هذه الأيام، يستند إلي الاختلال الكبير في موازين القوي، إضافة إلي الرمزية التي يحملها خضوع اسرائيل لحركة مقاومة تعمل في أرض تحت سيطرة جيشها، فإسرائيل التي ترفض التفاوض الآن، بادلت الكثير من أسراها الذين احتجزوا لدي الدول العربية بأسري هذه الدول المحتجزين في السجون الإسرائيلية عبر صفقات تستعرض السطور التالية أهمها:أولا: احتجزت مصر 156 جنديا إسرائيليا أثناء حرب 1948، فيما احتجزت الأردن 673 جنديا إسرائيليا، وسورية 48 جنديا، ولبنان 8 جنود. أما إسرائيل فقد اعتقلت 1098 مصريا و25 سودانيا و24 يمنيا و17 أردنيا و36 لبنانيا و57 سوريا و5021 فلسطينيا. وقد عقدت صفقات لتبادل الأسري بين إسرائيل والدول العربية كل علي حدة، وكان آخرها صفقة التبادل التي عقدت مع سورية في تاريخ 21/7/ 1949.ثانيا: أفرجت إسرائيل عن 41 أسيرا سوريا، مقابل الإفراج عن أربعة جنود إسرائيليين اعتقلهم السوريون أثناء تنفيذهم لمهمة خاصة في الجولان في كانون الأول عام 1954. وقد تمت عملية التبادل بعد 15 شهرا من الاعتقال بتاريخ 30/3/1956.ثالثا: استرجعت مصر 5500 أسير مصري، احتجزتهم إسرائيل أثناء العدوان الثلاثي عام 1956، مقابل الإفراج عن أربعة جنود إسرائيليين في شهري كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) من عام 1957.رابعا: أفرجت سورية عن 11 جنديا ومدنيا إسرائيليا، بتاريخ 21/12/1963 مقابل الإفراج عن 15 أسيرا سوريا من سجون الاحتلال.خامسا: وقع 12 أسيرا في أيدي القوات العربية (مصر، سورية، العراق، لبنان) في حرب حزيران (يونيو) 1967، فيما احتجزت إسرائيل 4338 جنديا و899 مدنيا مصريا، و533 جنديا و366 مدنيا أردنيا، و367 جنديا و205 مدنيين سوريين، وقد أجريت صفقات لتبادل هؤلاء الأسري العرب مع الأسري الإسرائيليين بين شهري حزيران (يونيو) 67 وكانون الثاني (يناير) 68.سادسا: أفرجت إسرائيل عن 12 أسيرا أردنيا في 2/4/1968، واستلمت من الأردن جثة جندي مفقود وتابوتين مليئين بالتراب!!سابعا: أفرجت إسرائيل عن خمسة ضباط سوريين في 9/6/1972 مقابل استعادة ثلاثة جنود إسرائيليين أسرتهم سورية في عام 1970.ثامنا: أفرجت إسرائيل عن 46 سورياً مقابل الإفراج عن ثلاثة طيارين إسرائيليين بعد أسرهم لمدة ثلاث سنوات.تاسعا: أسر المصريون 242 جنديا إسرائيليا في حرب عام 1973، وأسر السوريون 68 جنديا، فيما احتجز اللبنانيون 4 جنود، أما إسرائيل فقد أسرت 8372 جنديا مصريا، و392 جنديا سوريا، و6 من المغرب، و13 عراقيا. وقد عقدت صفقة التبادل بين مصر وإسرائيل في تشرين الثاني (نوفمبر) 1973، ثم أفرجت سورية في حزيران (يونيو) 1974 عن الأسري الإسرائيليين مقابل الإفراج عن السوريين والعراقيين والمغاربة.عاشرا: أفرجت إسرائيل في 28/6/1984 عن 291 جنديا و13 مدنيا سوريا، وسلمت 64 جثة لسورية، مقابل الحصول علي 5 جثث لجنود إسرائيليين بالإضافة إلي الإفراج عن ثلاثة جنود تعتقلهم سورية. 17نيسان (ابريل) /1974… أول عملية تبادل للأسري مع المقاومة الفلسطينية:بعد انطلاق الثورة الفلسطينية في عام 1965، نفذت حركة فتح التي تصدرت العمل الفدائي في ذلك الوقت عددا كبيرا من العمليات ضد الجيش الإسرائيلي، مما أدي إلي اعتقال أسير فتح الأول (محمود بكر حجازي) بعد جرحه بتاريخ 8/1/1965 أثناء تنفيذه لعملية (بيت جبرين).ولعل الإفراج عن هذا الأسير يحمل رمزية كبيرة، إذ أنه الأسير الأول للمقاومة الفلسطينية وهو كذلك الأسير الأول الذي أفرج عنه بعملية تبادل بين إسرائيل وفتح، إذ أفرج عنه في 17 نيسان (ابريل) 1974 مقابل الإفراج عن الحارس الإسرائيلي (شيموئيل روزلفاستر) الذي اختطفته قوات حركة فتح في أواخر عام 1969. إن هذه الدلالة التي حملتها عملية الإفراج عن (محمود بكر حجازي) جعلت المجلس الوطني الفلسطيني في ذلك الوقت يتخذ قرارا باعتبار 17 نيسان (ابريل) من كل عام يــــوما للأسير الفلسطيني، وهو اليوم الذي يحييه الفلسطيـنيون حتي الآن.منظمة التحرير الفلسطينية…. عمليات بارزة:تعتبر عمليتا النورس و الجليل اللتان نفذتهما الجبهة الشعبية – القيادة العامة وصفقة التبادل التي أبرمتها فتح في 23/11/83 أبرز عمليات تبادل الأسري في تاريخ الثورة الفلسطينية. عملية النورس 1979: أوقع مقاتلو الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة شاحنة عسكرية إسرائيلية في كمين قرب منطقة صور اللبنانية في 5/4/78، وقتل في الكمين أربعة جنود إسرائيليين وأسر جندي واحد هو ابراهام عمرام.وبعد إعلان الجبهة عن أسر عمرام، حاولت إسرائيل الخروج من هذا المأزق من خلال التفاوض مع بعض الدول العربية للضغط علي الجبهة، أو محاولة قتل الجندي الأسير بواسطة عملاء، أو تنفيذ عملية عسكرية لتحريره، ولكن هذه الخيارات لم يكتب لها النجاح، وهو ما دفع إسرائيل للتفاوض مع الجبهة الشعبية عبر الصليب الأحمر الدولي.حاولت إسرائيل فرض شروطها في بداية التفاوض، إذ أخبرت الجبهة الشعبية بواسطة الصليب الأحمر بأنها ستفرج عن 19 مناضلا فلسطينيا اخطتفتهم إسرائيل من جنوب لبنان عام 1968 مقابل الإفراج عن الأسير الإسرائيلي، ولكن وفد الجبهة رفض قبول العرض الإسرائيلي، وأبلغ الصليب الأحمر الدولي أن الجبهة ستفرج عن (عمرام) مقابل الإفراج عن قائمة من الأسري تحددها الجبهة وليس إسرائيل.وفي مواجهة الإصرار الذي أبدته الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، اضطرت اسرائيل بعد مفاوضات شاقة استمرت لثلاثة أشهر ونصف للموافقة علي الإفراج عن 76 معتقلا فلسطينيا مقابل إطلاق سراح الأسير عمرام بتاريخ 19/3/1969.وقد اشتملت قائمة الأسري المفرج عنهم كافةالأطفال والنساء الأسيرات، إضافة إلي المعتقلين القدامي وقيادات الفصائل المختلفة المعتقلين لدي إسرائيل وعلي رأسهم سمير درويش من الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة؛ وسكران سكران من منظمة شباب الثأر. عملية تبادل الأسري بين فتح وإسرائيل عام 1983:اختطفت مجموعة عسكرية مشتركة من مقاتلي حركة فتح والجبهة الشعبية – القيادة العامة ثمانية جنود إسرائيليين من منطقة بحمدون في الجنوب اللبناني بتاريخ 4/9/1982، وهم: الياهو أفولفول، داني جلبوع، رافي حزان، روبين كوهين، إبراهام مونتيليسكي، إبراهام كورنفلد، يوسف غروف، ونيسليم شاليم.وقد احتفظ مقاتلو الجبهة الشعبية بأسيرين، فيما نقل الستة الآخرون إلي مواقع فتح لأسباب ميدانية، وهو ما جعل التفاوض علي تبادل هؤلاء الأسري مشتركا بين قيادتي فتح والجبهة الشعبية.ومع انطلاق المفاوضات التي بدأها الوفد الفلسطيني مع الوفد المبعوث من الصليب الأحمر الدولي والمستشار النمساوي السابق، قدم الوفد الفلسطيني المشترك مطالبه الخاصة للإفراج عن الأسري الثمانية. وقد شملت هذه المطالب الإفراج عن كافة معتقلي سجن أنصار الذين يتجاوز عددهم 3500 أسير، وعن 1250 أسيرا من سجون الداخل، إضافة إلي إعادة الوثائق التي نهبتها إسرائيل من مركز الأبحاث الفلسطيني ببيروت.وعلي الرغم من بداية التفاوض بوفد فلسطيني مشترك إلا أن قيادة حركة فتح برئاسة الراحل ياسر عرفات أجرت صفقة سرية أعلن عنها بتاريخ 24/11/1983. وقد أفرج بموجبها عن 63 معتقلا من سجون الداخل ومعتقلي أنصار باستثناء 200 أسير، كما استرجعت وثائق مركز الأبحاث الفلسطيني في مقابل إطلاق سراح الأسري الإسرائيليين الستة المحتجزين لدي فتح. عملية الجليل في أيار (مايو) 1985: بعد الإعلان عن صفقة التبادل التي أبرمتها فتح مع إسرائيل، توقفت المفاوضات مع الجبهة الشعبية – القيادة العامة، ثم ما لبثت أن استؤنفت من جديد برعاية الموفد النمساوي هربرت إيمري . وعلي الرغم من تعثر المفاوضات أكثر من مرة بسبب رفض إسرائيل الاستجابة لشروط وفد الجبهة الشعبية، إلا أنها أسفرت عن عقد صفقة بين الطرفين بتاريخ 20/5/85.وقد أدت الصفقة التي أطلقت عليها الجبهة اسم عملية الجليل ، إلي الإفراج عن الجنديين الإسرائيليين المحتجزين لديها وعن الرقيب أول حازي شاي الذي كان قد اعتقل من قبل مقاتلي الجبهة في منطقة البقاع. وبمقابل الأسري الثلاثة الذين أفرجت عنهم الجبهة، أطلقت إسرائيل سراح 1150 أسيرا فلسطينيا، منهم 150 معتقلا من سجن أنصار، و879 أسيرا من سجون الداخل، و121 أسيرا من سجن عتليت. ولعل الإنجاز الأهم في هذا الاتفاق هو السماح لـ 537 أسيرا من المفرج عنهم بالرجوع إلي ديارهم في غزة والضفة الغربية، بناءا علي بنود الصفقة التي نصت علي تخيير الأسري بين البقاء داخل فلسطين المحتلة أو الخروج إلي دول أخري بعد الإفراج.حزب الله … عوامل استراتيجية ساعدت في تحقيق الإنجاز: لعبت الظروف التي عمل فيها حزب الله أثناء مقاومته لاحتلال الجنوب اللبناني دورا هاما في نجاح الحزب بعقد صفقات نوعية لتبادل الأسري مع إسرائيل .فالإمكانيات العسكرية التي يملكها حزب الله، والقدرات البشرية الهائلة التي تعمل في صفوفه، و العمق الجغرافي الذي يمثل حاضنة مهمة لعملياته، شكلت كلها عوامل أساسية في قدرة الحزب علي تنفيذ عمليات اختطاف لجنود إسرائيليين أحياء أو جثث لجنود قتلي، استخدمها فيما بعد لعقد صفقات تبادل مع إسرائيل عبر وسطاء دوليين. وفيما يلي استعراض لأهم صفقات التبادل التي عقدها الحزب مع إسرائيل:أولا: سلم حزب الله في 1/7/96 رفات الجنديين يوسف فينك ورحميم الشيخ لإسرائيل مقابل استعادة رفات 123 لبنانيا، كما أطلق الحزب سراح 25 جنديا من جيش لبنان الجنوبي مقابل 25 سجينا لبنانيا من معتقل الخيام. ثانيا: أفرجت إسرائيل عن مجموعة من الأسري اللبنانيين وعن رفات عدد من شهداء حزب الله في 25/6/98، مقابل الحصول علي جثة الجندي ايتمار ايليا الذي احتجز مقاتلو حزب الله جثته بعد مقتله مع أحد عشر ضابطا وجنديا من الكوماندو الحربي الإسرائيلي أثناء تنفيذ مهمة في الجنوب اللبناني في 5/9/97 .ثالثا: نفذت الصفقة الأبرز لتبادل الأسري بين إسرائيل وحزب الله بتاريخ 29 و30/1/2004، بعد مفاوضات طويلة عقدت برعاية الوسيط الألماني أرنست اولاو.وقد أفرج بموجب هذا الاتفاق عن ثلاثة جنود أسرتهم قوات حزب الله علي الحدود اللبنانية بعد أشهر من تحرير الجنوب، كما أعاد حزب الله العقيد المتقاعد الحنان تننباون الذي استدرجته المقاومة إلي بيروت واعتقلته بتهمة تنفيذ أعمال استخباراتية، بينما قالت إسرائيل أنه مجرد رجل أعمال.وفي مقابل تسليم الإسرائيليين الأربعة، أطلقت إسرائيل سراح 400 أسير فلسطيني، وسمحت بعودتهم للضفة الغربية وغزة حسب الاتفاق، كما أفرجت عن 12 أسيرا عربيا ( ليبي واحد، ثلاثة مغاربة، ثلاثة سودانيين، وخمسة أردنيين)، وعن الألماني ستيفان سمارك المعتقل لدي إسرائيل بتهمة التعاون مع حزب الله.وإضافة للأسري العرب والأجانب، فقد أفرج بناء علي هذه الصفقة عن 23 أسيرا لبنانيا، علي رأسهم الشيخ عبد الكريم عبيد والشيخ مصطفي الديراني، كما استعاد حزب الله رفات 59 شهيدا لبنانيا وفلسطينيا قتلوا أثناء تصديهم للاحتلال الإسرائيلي في فترات مختلفة قبل عام 1982. حماس: عمليات نوعية وتعنت إسرائيلي:انفردت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعمليات اختطاف الجنود الإسرائيليين منذ انطلاق الانتفاضة عام 1987 وحتي الآن. وتعتبر حماس الحركة الفلسطينية الوحيدة التي مارست مثل هذا النوع من العمليات داخل الأراضي المحتلة إذ اقتصرت عمليات الاختطاف التي نفذتها فصائل المقاومة الأخري علي الخارج.وعلي الرغم من أهمية العمليات التي نفذتها حماس، إلا أنها اصطدمت دائما بتعنت إسرائيل ورفضها للتفاوض، فقد اعتمدت إسرائيل في تعاملها مع هذه العمليات علي الحل العسكري مستندة علي فارق القوة الهائل بين جيشها المدجج بالسلاح وبين حركة حماس التي تحارب في أرض محتلة مكشوفة وبسلاح بدائي لا يقارن بالقدرات التسليحية للجيش الإسرائيلي .إن الإهانة التي شكلتها عمليات الاختطاف التي نفذتها حماس لجيش الاحتلال أدت إلي مزيد من التعنت الإسرائيلي في التعامل مع هذه العمليات، إذ أن موافقة إسرائيل علي تبادل أسري مع حركة فلسطينية تعمل داخل الأراضي المحتلة وتحت سيطرة قوات الاحتلال، تشكل صفعة كبيرة للنظرية الأمنية الإسرائيلية وقهرا للغرور المبني علي القوة.وتفصل السطور التالية أهم العمليات التي نفذتها كتائب عزالدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس:أولا: نفذت الخلية 101 ـ وهي الخلية العسكرية الأولي لحركة حماس – عملية نوعية بأوامر مباشرة من الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، وقد أدت العملية إلي قتل جنديين إسرائيليين هما إيلان سعدون وأفيس سبورتاس، ثم قامت الخلية التي ترأسها محمد نصار باختطاف الجثتين والاحتفاظ بهما في مكان آمن.لقد قامت إسرائيل بعد العملية بحملة اعتقالات واسعة طالت الشيخ أحمد ياسين والشيخ صلاح شحادة وعددا كبيرا من قيادات حركة حماس، وحكمت بالسجن المؤبد علي الشيخ أحمد ياسين وعلي محمد شراتحة، فيما تمكن محمد نصار من الفرار خارج فلسطين. وعلي الرغم من احتفاظ الكتائب بجثة سعدون لمدة سبع سنوات، إلا أن إسرائيل رفضت تنفيذ صفقة تبادل للأسري، حتي تمكنت من كشف مكان الجثة بمساعدة من الأجهزة الأمنية الفلسطينية في عام 1995.ثانيا: أسرت كتائب عزالدين القسام الجندي الإسرائيلي ألون كرنفاني في مخيم البريج وسط قطاع غزة، في أيلول (سبتمر) 1992، ولكن قوات الاحتلال هاجمت الخاطفين وتمكنت من إنقاذ الجندي الذي جرد من سلاحه وتعرض لعدة طعنات علي أيدي خاطفيه.ثالثا: تسللت مجموعة عسكرية من كتائب عزالدين القسام إلي داخل الخط الأخضر وتمكنت من اختطاف الجندي الإسرائيلي (نسيم طوليدانو) واخفائه في الضفة الغربية، ثم أعلنت حركة حماس عن رغبتها بإجراء صفقة تبادل للأسري تشمل الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين، مهددة باغتيال الجندي إذا رفضت إسرائيل ذلك. وبدلا من التفكير بهذا العرض الذي تقدمت به حماس، عملت إسرائيل علي نشر الآلاف من جنودها للبحث عن الجندي وداهم جنودها عشرا ت القري ومئات المنازل، وفضلت إسرائيل الحل العسكري علي مبدأ التبادل، مما دفع الخلية التي كان يترأسها زاهر جبارين إلي قتل الجندي وإلقاء جثته بعد انتهاء المهلة التي حددتها حماس لإجراء تبادل الأسري. وقد أبعدت إسرائيل ما يزيد عن 400 شخص من قيادات حماس والجهاد الإسلامي إلي مرج الزهور في جنوب لبنان ردا علي هذه العملية، ثم اضطرت إلي إعادتهم بعد الضغط الدولي المستمر وبعد رفض المبعدين والحكومة اللبنانية دخولهم إلي لبنان.رابعا: نفذت حماس العديد من المحاولات لاختطاف جنود لمبادلتهم مع أسري فلسطين في عام 93 و94، ولكن هذه العمليات فشلت بسبب مقاومة الجنود مما أدي إلي قتلهم كعملية اختطاف الجندي يوهوشع فريدبرغ في آذار (مارس) 1993، والملازم شاهار سليماني مــــن قوات المستــــعربين في نيسان (ابريل) من العام نفسه، وعملية اختطاف العريف يارون حيميس في آب (اغسطس) 1993، وعملية اختطاف الرقيب يهودوك والعريف إيلان ليفي في تشرين الاول (اكتوبر) 1993، وعملية اختطاف الجندي آرييه فريتكال في تموز (يوليو) 1994.خامسا: اختطفت حماس الجندي نخشون فاكسمان في 9/10/1994 بواسطة الخلية التي تضم صلاح جادالله وعبدالكريم بدر وحسن تيسير النتشة. وقد قامت الخلية بإخفاء الجندي في منزل في قرية بير نبالا في الضفة الغربية، وطالبت حماس بإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين وعن عدد من الأسري مقابل الإفراج عنه، ولكن إسرائيل رفضت ذلك وعملت علي تتبع الخاطفين ومعرفة أماكن اختبائهم من خلال مراقبة الاتصالات التي جرت بينهم وبين محمد ضيف قائد العمل العسكري في غزة، ثم هاجمت وحدة إسرائيلية خاصة المنزل مما أدي إلي مقتل الجندي ورئيس الوحدة المهاجمة وجرح عدد من الجــــنود واستشهاد المقاومين الثلاثة.لقد سربت الصحف الإسرائيلية في ذلك الوقت أقوالا نسبت إلي رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحاق رابين والذي أصر علي استخدام الحل العسكري لإنقاذ فاكسمان، بحجة أن إسرائيل لا تريد أن تتحول إلي لعبة في أيـــدي العصـابات الفلسطينية، ولا تريد أن تفتـــح عليها بابا للابتزاز علي حد قوله.سادسا: توجه مقاومون من خلية صوريف التابعة لكتائب القسام بسيارة تحمل لوحات إسرائيلية في 9 أيلول (سبتمبر) 1996 إلي محطة باصات بجانب معسكر صريفين، وعرضوا علي الجندي شارون أدري أن يصعد معهم في السيارة لتوصيله إلي منزله، فصعد أدري مقتنعا أنهم إسرائيليون، ولكنه اشتبه بعد قليل بأنه تعرض للاختطاف فقتله قائد الخلية رائد أبو حمدية أثناء مقاومته للخلية.سابعا: خطفت وحدة تحرير الأسري التابعة لكتائب القسام ضابط المخابرات الإسرائيلي شاباك (ساسون نورائيل) من منطقة (ميشور ادوميم) بتاريخ 21 أيلول (سبتمبر) 2005. ولم تفكر إسرائيل بإيجاد حل سلمي للأزمة، بل قامت بحملات اعتقال واسعة في صفوف حركة حماس، مما أدي إلي قتل الضابط والتخلص منه تحت هذه الضغوط الأمنية الشديدة.وبعد انتهاء العملية نشرت كتائب عزالدين القسام شريط فيديو يظهر الضابط وهو يستنجد برئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك آرييل شارون للإفراج عن أسري فلسطينيين بهدف إطلاق سراحه مما يدل علي أن هدف الخلية المختطفة كان إجراء تبادل أسري مع إسرائيل، وهو ما حالت سياسة إسرائيل العسكرية دون حدوثه.7