تنتهل أعمال الفنان التشكيلي مولاي الحسن حيضرة الحروفية من التراث الحضاري المغربي العربي الإسلامي كل مقوماته الأساسية، حيث تتبدى تجربته الرائدة في المجال الحروفي وفن الخط العربي، غنية بعدد من المقومات الحضارية العربية، حيث طبع في بداياته الأولى مجال الفن التشكيلي بإيقاع الخط والزخارف والمنمنمات العربية الأصيلة. وبامتزاج الخطوط العربية بأساليب فنية راقت العديد من المتتبعين وذوي الاختصاص في أوروبا والمغرب والعالم العربي، لأنه ارتكز في أعماله على العلامات والمنمنمات المقابلة لبعضها، إنها ثنائية ابتدأت لديه من عملية البناء الفضائي وأفضت إلى مسلك إبداعي بديع، بثنائية تسبح في المثل والقيم التي يكشف عنها المنحى الدلالي.
إن أعمال الفنان مولاي الحسن حيضرة في مجملها، خلال هذه المرحلة، تملكتها سلطة الخط ورونقه وبهائه، وحكمها الالتزام بطبيعة الألوان المنتقاة بدقة وعناية فائقة. يفصح عن ذلك التركيب الجمالي المدجج بأنواع الخطوط المقيدة ببعض الضوابط الممتدة في الفضاء، خصوصا منها خط الثلث والخط الأندلسي والخط الكوفي والخط المغربي، وهو ما كان يؤشر مباشرة إلى أن المبدع يتقيد ببعض الضوابط المتعارف عليها في الخط العربي للحفاظ على جمالياته الطبيعية التي ورثها عبر أزمنة خلت. إنه التزام أخلاقي يجعل الحرف العربي سيدا داخل الفضاء حيث تخضع له الألوان والأشكال أثناء عمليات التركيب، وهو ضرب من التجديد في نطاق التناسق بين الأشكال والخطوط، والمادة اللونية المعاصرة. وإن أهم ما طبع هذه المرحلة هو التثبيت المحكم والمنظم للخط داخل الفضاء. وهو ما يحيل إلى أن قلم المبدع كان رهينا بالمسار التقليدي الكلاسيكي، على الرغم من التوظيف الجمالي للألوان واكتساح المساحات بتنظيم معصرن، إلا أن الشحنات التراثية والتسطيرات والخطوط والشكل وعملية التنظيم الفارقي، هي عناصر تدعم القاعدة الكلاسيكية للخط العربي. ويظهر أن هذا التأطير يأتي في سياق التجربة الفنية للمبدع التي تروم المجال التقليدي باستعمالات خطية ذات جمال ومغزى، وهي تجربة تضطلع بتقاطعات ـ وإن كانت في وضع خطي ساحر- فانها تتغيى الالتزام بالقيود، وهو ما ينم عن استحضار المشروع الفني للمبدع مولاي الحسن، فليس من السهل المزج بين مفارقتي التداعيات الوجدانية بسحرها الجمالي المرصع بنشوة التراث الثقافي الأصيل بمنمنماته القديمة، ووضع من الأشكال والألوان المتجددة المدججة بالتقنيات الحديثة.
فحِرفية الفنان ورؤاه الفنية منحت القارئ في هذه المرحلة تحويلا خلاقا، يتمثل الكلَّ الخطي، ويجمع المفردات الخطية، ويبدد الغموض، ويخترق بعضا من المساحات. إنها مرحلة أسس من خلالها مولاي الحسن حيضرة لبنة قوية للانطلاق نحو الحروفية من بابها الواسع، فجعل من رمزية الحرف وسحره رمزا يسبح في فضاء غير محدود، وبذلك مكنه من الظهور بسلطة أقوى في الفضاء، وطرح وجوده ضمن سياق التعبير بالحرف داخل اللون، وجعله يأخذ مركز الصفوة ويطفو فوق السطح، بارزا برمزيته في بؤرة تشكيلية قوامها اللون المتجانس مع الحرف.
إنها تجربة رائدة قادت المبدع مولاي الحسن إلى عوالم حروفية عربية، طرح أعماله في نطاق تعدد الرؤى الفنية والجمالية وتقوية الأساليب الرمزية للحرف، فقد جعل من هذه المرحلة قاعدة لبث عدد من الأشكال والعلامات والحروفيات، داخل الفضاء اللوني وفق وهج فني متعدد الدلالات، وهو إنجاز يمتح من التعبير بالتعددية الفنية. وينم عن تجربة عالمة من حيث عمليات التوظيف الضوئي والرمزي والعلاماتي، وأيضا من حيث تدبير المجال الجمالي، في ما يخص تناسق الألوان وشكلية مزج الحروفيات والدوائر والمربعات والمستطيلات وفق رموز وعلامات أيقونية تروم التجاور والتمازج والتماسك، الذي يصنع التوازن بين كل العناصر المكونة لأعماله، وينتج التنغيم والتباين والتكامل والانسجام. إنه مسلك حروفي فريد طبع الساحة الفنية المغربية والعربية والعالمية بنوع من التجديد في المجال الحروفي. وهو ما قاده إلى الدخول إلى المرحلة الثالثة بقوامة التجريد فيتفاعل مع أنساق لونية مختلفة ومتباينة بتوظيفات خاصة، لكن بوجدانية وواقعية إيحائية، تدعم القوة التعبيرية المعاصرة لديه. ويعطي انطباعا بأنه يعمل وفق تصورات ورؤى مركزية، يوزعها وفق طريقته التي تفصل بين ما هو حرف له رمزيته المضمرة في الفضاء؛ وبين ما هو شكل طليق في الفضاء، الشيء الذي يدخله ضمن المنطق الجمالي، وهو يحوله بطريقة إبداعية إلى أشكال دلالية تحمل مفرداتُها الفنية أبعادا فلسفية ورؤية خصبة في التعبير، تُشكل هي الأخرى قيمة أساسية في أعماله الفنية. وهذا لا يتأتى إلا بتنظيم المادة التجريدية، وفق معايير فنية دقيقة، وتطويع الألوان وفق ما يتلاءم والتركيب الجمالي الذي يقتضيه التجريد في الفضاء الذي يشكله، وفق جماليات متنوعة وصيغ لونية وشكلية مختلفة، ما يجعل أعماله تنبض بالحركة وتعج بالسمفونيات وتتمظهر فيها مختلف التفاعلات. فهو ينجز طبقات صباغية خفيفة وبعضا من الطلاء، بنوع من التبسيط بانتقاء وتسويغ تحكمه التجربة والخبرة، فيتراءى عليها الدال الخطي مضمرا، لتتوارى في أسمال التستر والاحتجاب، وهو بعض من التذويب المطلق للرؤية البصرية التي تستجلي غالبا دلالات إضافية. وهذا يحيل إلى أن مولاي الحسن حيضرة يبني فضاءه على ميزان فني معرفي مركّب، يغلِّب المجال الحسي على المجال البصري، لكنه مليء بالطاقة التعبيرية، ويروم إبراز الملامح الجمالية للفن العربي داخل جمال اللون. إن تقطيع الفنان للفراغات التي تتزاحم فيها الأشكال المنحنية البائنة، والأشكال المتنوعة والألوان المتدرجة، وإحداث تفاعل بين مختلف العناصر الفنية، يشكّل تصميما مفتوحا على بلاغة ودلالات تمنح أعمال المبدع جماليات قيمية وروحانية، بعيدا عن كل تأويل أو أيقونية.
إن أعماله في هذه المرحلة تنبني على دمج الشكل في اللاشكل، سعيا إلى إنجاز عمل منظم ومدقق يراعي الخصائص الفنية بنوع من التحرر من كل القيود، ليكشف تدريجيا حجب المضامين التي يشتغل عليها، مع التقليل من التمثلات الزائدة، ليتجاوز المحدودية ويتجاوب مع المطلق – وهو أمر مطلوب في التشكيل المعاصر، لأنه يحاكي العالمية ويروم الارتقاء نحو التجديد- كما أن بعض الكتل الفنية الخفيفة في أعماله تطاوع التأويل، لأنها تصب في مضامين غير مباشرة، تتعدى التجريد إلى الانزياح، نحو التعبير بلغة التشكيل مما يفصح عن تجربة عالمة في التدبير الفني والتوظيف الشكلي، وتحقيق توليف بين وحدة الشكل والبناء والتصور والأسلوب.
إنه تناغم فني في عمليات التركيب والوضع التشكيلي، وتجسيد التقنيات الفائقة التي يتوفر عليها المبدع مولاي الحسن حيضرة، وهو المالك المتحكم في عمليات توظيف مفردات الثقافة الحروفية وثقافة اللون والخبير بثقافة التشكيل، لأن زاده المعرفي خصب وثقافته موسوعية، لذلك فتجربته الفنية حظيت بالعديد من المكتسبات والمستجدات مما جعل حضوره قويا في المنتظم الفني العالمي.
وبذلك ففي المنظور الفني يتبدى أن القاعدة التشكيلية لديه هي فن يحقق به أشكالا جديدة، يبتعد من خلالها عن كل القيود، إذ يبتكر ويبدع وينوع في الشكل وفي الكثافة والتموقع اللوني، علويا وسفليا، داخل الفضاء. وهي مكونات تترسب في ذهن الفنان فيطبقها بقدر ما يستدعيه العمل. وهذا من مميزات الخط في التشكيل العربي المعاصر فضلا عن العلاقة المضمرة بين جماليات الخط وجماليات التشكيل والتعبير. وفي هذا المنحى نجد نوعا كبيرا من التوازن الإبداعي لدى الفنان مولاي الحسن حيضرة بين المجال الخطي والتشكيلي، وهذا ينم عن بلاغته الفنية وقدرته الإبداعية ومرونته في التفاعل مع الأنماط التعبيرية الحرفية واللونية وأيضا ينم عما أنتجته تجربته خلال عقود من الزمن، حتى أضحت أعماله قيمة جمالية قائمة بذاتها. إن أعماله تحمل خصائص جمالية فريدة وبلاغة نوعية، وذلك ناتج عن استلهامه من عناصر الفن كل الغايات الإبداعية المفيدة، ومن جماليات الخط كل أساليبه الفنية. فهو يدرك عن جدارة كل خصوصيات عمليات التوظيف التي يتطلبها كل مجال في كل مرحلة على حدة، لينتج الإبداع الفني الرائد، ويبدي الجماليات في نسق حسي بديع.
إن تجربته تحولت إلى خبرة بما حققته من التعابير التي حددت مجموعة من العلائق بقيم متنوعة في المشهد الحضاري المغربي والعربي والعالمي، وفي الوعي الفني باعتباره أسمى قيمة ترسم أنبل الأهداف. وبناء على كل ذلك تظل هذه التجربة الرائدة غاية في الإبداع والجمال، بجمال روح صاحبها الذي نحييه ونتمنى له طول العمر والمزيد من العطاء.