عادل دهنيممن عنوانها اللافت وغلافها الأنيق، تُشعرك مجموعة الشاعر الشاب علي سباع ‘بأبواب المدينة كلها’ (دار الغاوون) بأنك ستُمضي وقتاً ممتعاً في قراءتها. وهذا ما حدثَ تماماً معي. وإذا أضفتَ الدهشة التي تتوالد بعد الانتهاء من قراءة كل نص فيها، ستشعر بعد قراءة المجموعة أنك في حاجة ماسة إلى قراءتها مجدّداً.
جاءت المجموعة في 96 صفحة من القطع المتوسط من غير إهداءٍ إلى أحد، على غير المشهور. مما أعطى حدساً أنّ الشاعر أراد أن يهديها إلى كل الموجودات، فحذف الإهداء عامداً كي لا يشعر القارئ أن هذه المجموعة ليست له. غير أنه استبدل الإهداء بمدخلٍ هو أشبه بالأحجية: ‘فسدَّ الأبواب إلا بابه، وقال: أنت مدينة التموز’ في اقتباس متعمِّق من النص الديني المشهور ليعطيك دلالة من أنك ستقرأ ظاهر النص فقط، أما باطنه فلك أن تؤوله كيفما تشاء من غير أن تلزمني بما أوَّلت.
احتوت المجموعة على ثلاثة فضاءات متباينة. الفضاء الأول كان ‘صندوق بريدٍ’ وغلفه بـ ‘حمأ لم يوصله الهدهد لأنبيائه’، وهي رسائل أرسلها نثراً في فضاء كوني يتمازج فيه الزمن المتناثر بالمكان الذي يبحث عن حكايته.
الفضاء الثاني عنونه بـ ‘عتبات مهملة’ وهو نص واحد طويل بثلاثة أجزاء جاء به منظوماً بتفعيلة واحدة.
أما الفضاء الثالث فهو الأرحب والأعمق، فكان هو جسم المجموعة بل دعني أقول هو المجموعة. أنه فضاء أبواب المدينة، وكانت أحجية الأبواب: ‘خمسة عشر ماتوا من أجل صندوق’ وكما هو لافت، فقد حذف الشاعر تمييز العدد ‘خمسة عشر’ ربما لأمر في نفس يعقوب، وربما أن لا تميز للعدد هنا ليذكر، إذ أنَّ التمييز شيء واحد فقط وهو ‘أنا’، خمسة عشر أنا ماتوا من أجل صندوق. مما يجعلنا نعيد صياغة عنوان المجموعة بهذا التفكيك، ‘بأبواب المدينة كلها؛ أنا’! لمدينة الشاعر إذاً خمسة عشر باباً مغلقاً، رتبها ترتيباً تصاعدياً تخللتها أبواب وهمية. وهي أربعة نصوصٍ نثرية بنفس المسمى جاء كل نصٍ منها بعد كل ثلاثة أبواب حقيقية متعاقبة مما يوحي بهندسة من نوعٍ ما، أو ربما تناظر متناسق له أبعاده الزمانية.
ويبقى السؤال حاضراً أبداً، لماذا ينظم الشاعر هنا، ولماذا ينثر هناك. ما الشيء الذي بداخله يقول له: هنا لا يستقيم وجودي بتفعيلةٍ هي أشبه بالسجن، فلا بد أن أكون طيراً طليقاً في فضاء المعاني اللامتناهي. وهنا أنا أريد أن أتقولب بقالبٍ يغنيني أو أغنيه. سؤال لطالما حيرتْ النقاد إجابته، وأظنها ستحيرهم طويلاً طالما كان هناك شاعرٌ ينظم وينثر وهو نفسه لا يدري لمَ.
فالمبدع متحينٌ أبداً لحالة الإبداع التي لا يدري متى وأين تومض في روحه فتكهربه على المستويين الروحي والعقلي. فإن جاءت مروراً سريعاً كما يمرُّ السحاب، فلا يفكر المبدع أي الطريقين يسلك. فهي ـ أي حالة الإبداع ـ أقوى حضوراً من المبدع حال تجليها، وتفرض عليه شروطها التي قد تكون مجحفة في حق المبدع، وهو يقبل بهذه الشروط المجحفة خوفاً من ذهاب لحظة التجلي هذه، لأنها بطبيعتها بطيئة الرجوع أو ربما لا تعود.
أعود لأبواب الشاعر الخمسة عشر لمحاولة دخولها رغم الأقفال الكثيرة التي تعمَّد الشاعر قفل هذه الأبواب بها لكي لا يلجها أي أحد. وسأتحدث عن قفلٍ واحدٍ ومفتاحٍ واحدٍ لعليِّ أستطيع بهما الدخول لهذه المدينة المغلقة. وقد اخترتهما لترجيحي أن القفل هو أحد أهم الأقفال التي أحكم الشاعر اغلاق مدينته بها، والمفتاح هو أيضاً أهم مفتاح نستطيع به فتح عدة أبوابٍ معاً.
القفل الأهم من أقفال شاعرنا هي تقنية ‘سرد التَّداعي الحر’ وهي تقنية عادة ما تستخدم في النثر. فالشاعر بهذه التقنية عموماً يترك لأفكاره حرية التسلل عبر وجدانه بصورها المطلقة للخروج من مخابئها الضيقة، ودهاليزها المعتمة، بدون أن يفلترها بأي نوع من الفلاتر المنطقية أو الزمانية أو المكانية ويكتفي بإلباسها ألفاظاً تتناسب مع هذا المطلق المراد.
وهي أشبه بعملية العصف الذهني في ميكانزم التدفق الفكري، وتختلف معها في أن عملية العصف الذهني تُجرى لموضوع واحد فقط في جلسة واحدة فقط، وبذلك فإن الوعي يتدخل في العصف الذهني واضعاً فلتر العلائقية بالموضوع، فإن كانت ذات علاقة به مررها، وإلا أغلق عليها أبوابه المحكمة.
أما في التداعي الحر فلا موضوع معين يحدده الشاعر ليجعل أفكاره تتداعى وتتوالد وهو بذلك يلغي فلتر العلائقية تماماً مما يسمح له بإلغاء دور الوعي. أضف لذلك الإطار الزمني، فلا إطار زمني يؤطر القصيدة، فقد تتباعد أجزاء القصيدة الواحدة بالتداعي الحر بزمن طويل جداً، وقد تجيء دفقة واحدة في عدة دقائق.
والأفكار هنا تخرج حسب ولادتها، لا حسب ترتيبها المنطقي أو العلائقي. وتقنية السرد هذه تتعمد اعتماداً كلياً على تهميش الوعي والإدراك وإعطاء الزمام كاملاً لـ ‘اللاوعي’. فالوعي بوظيفته الإدراكية دائماً ما يبحث عن التراتبية والعلاقات المنطقية بين الأفكار ويفلترها زمكانياً.
فالزمن لابد أن يكون متسلسلاً متصلاً تصاعدياً أو تنازلياً، والمكان لابد أن يكون متناسقاً بلا فجوات في معادلات اتصاله. أما اللاوعي فهو عالم آخر، هو أشبه بالحلم، فالزمان مبعثر، والمكان مشتت، ومن خلال هذا الأزمنة المبعثرة والأماكن المشتتة، تتداخل الصور مكونة أبعاداً لا متناهية أشبه بالبرادوكس (paradox). غير أن اللاوعي يستطيع تجميد بعض أو جزء من هذه الصور على شكل أفكار يخرجها السارد كما هي بشكلها الخام، وبانتقالات غير انسيابية بين الصور مما يشكل صدمة للقارئ، وهنا تكمن جمالية هذه التقنية في السرد وصعوبتها أيضاً. وفي رأيي أن الباب الأول (ص 31) هو أفضل مصداق لهذه التقنية.
علي سباع أحبَّ هذه التقنية في السرد فكررها تقريباً في أبوابه الخمسة عشر كلها إلا ما ندر من أجزاء يتضح فيها تحكم الوعي بزمام القصيدة شيئاً ما، فنرى التراتبية والمنطقية والتسلسل الزمني والوضوح المكاني والانسيابية في الانتقال بين الصور، غير أنه سرعان ما يلتفت لذلك ليعود ليسلم الدفة لـ ‘اللاوعي’ ولعل في الباب الحادي عشر (ص 76) شواهد على ذلك.
أما المفتاح الذي نستشفه من بنائية المجموعة فهو الأنا المتضخمة. ولا أقصد هنا بالأنا المتضخمة بمعناها السيكولوجي بمعنى الغرور والتكبر وعدم الاعتراف بالأخر أو حتى رؤيته، بل بمعناه الفلسفي العام، ‘أنا سر الموجودات ومركز الصورة’. إذ أن الأبواب كلها تدور في فلك الشاعر وحده وتعبر عنه كشخصية محورية بذواته المتعددة في جميع القصائد بلا استثناء. ولن تستطيع أن تلج نصوص المجموعة ولوج متعمقٍ، وخاصة الأبواب ما لم تعِ أنها هي الشاعر نفسه، وأن كل شيء فيها له علاقة خاصة جداً بالشاعر، وتفسره ويفسرها وأنه هو الرابط المنطقي الوحيد بين جميع أجزائها، والجسم الذي تتحد معه كل أطرافها.
وبرأيي أن كل هذه الأبواب على – هذه القراءة – هي ذوات متداخلة للشاعر، ذوات لا تتشابه في عمقها، ولا تتكامل في مجموعها، ولا تتفاضل في ما بينها، وقد تتنافر في سلوكها، لكنها تبقى ذوات لشاعرٍ واحدٍ نثرها جميعاً لنا. ويخيل لي أيضاً أن المدينة هنا هي الشاعر نفسه وله أبواب خمسة عشر هي كما أسلفت ذواته المتنافرة التي حاول جاهداً أن يعطي لكل منها حريتها في الخروج من مكنوناته، وثقوب أخيلته لنقرأها، لا لنحكم عليها فلسنا مخولين بذلك!
أعود لـ ‘الأنا’ المتضخمة في المجموعة، ففي كل هذه الأبواب ستجدون – وبشكل ملفت للنظر – الضمائر التي تدل على الأنا والملكية، حتى لأنك تزعم حتى ضمير الغائب/الغائبة يعود على الأنا في شكلٍ من أشكال تفكيك النص. جميع الصور الملقاة في المجموعة هي صور للشاعر مع موجودات وكائنات أخرى، غير أنه هو وحده القابع في منتصف الصور وهو محور جميع الأحاديث، وكل الأحداث وإن لم تكن حادثة له فهو المتأثر بها أو المحرك من ورائها.