يعتبر إبراهيم حريري من الروائيين المغاربة، الذين يتقنون النبش في تاريخ وقضايا المغرب المعاصر، وإعادة سرد الصور التي سقطت من مؤلفاته بلغات الحكاية وتقنياتها، التي تجعل الماضي ــ القريب أو البعيد ــ يستعيد حقه ودوره في التعبير والتصحيح والنقد والمساءلة.
تناول حريري في روايته الأولى «شامة أو شتريت»، قضية الأثر السلبي للأيديولوجيا، والفكر الديني المتطرف، والوسائل الإعلامية التجارية والإشاعة على العلاقات الاجتماعية، وقدرتها على توليد مختلف أشكال العنف والصراع والزيف، التي تعيق إرساء قيم التسامح والتعايش والاختلاف، كأسس لاجتماع بشري متحضر.
أما روايته الثانية «محجوبة» فكانت نبشا فنيا عميقا في تاريخ المغرب في القرن الماضي؛ تاريخ المقصيين والمهمشين بكل مآسيه وآلامه وآماله، ذلك التاريخ المنسي تجاهلا أو جهلا، وَمَنَحَ الكلمة للقرويين، لإعادة رسم صورة البادية المغربية، وتوثيق ما عرفته من تحولات عنيفة، وكتابة تاريخها المجيد ومقاومتها الشرسة لما لحقها من قسوة بالقوة أو بالفعل. في ما تتشكل حكاية رواية «أحلام»، آخر روايات حريري، الصادرة عن دار سليكي أخوين في 222 صفحة، وترتسم صورتها الكلية، وتتطور أحداثها، في منحيين سرديين متوازين، يتوسل أحدهما لغة الوجدان في سرد معاناة الأسرى وعائلاتهم، في ما يتوسل الثاني لغة العقل والحق والقانون، لتقليب قضية أسر المعتقلين في سجون البوليساريو على وجوهها المختلفة، والنظر إليها من زوايا مغايرة، وما يتولد عنها من أفكار فرعية وقضايا مرتبطة بها، وتقدم الرواية تبعا للمنحيين من جهة مرافعة في بيان حق الأسرى في الحرية، وحق أهاليهم في معرفة مصائرهم، ومن جهة ثانية توجه الرواية تارة بلغة محجبة وأخرى صريحة نقدا للدبلوماسية السياسية الفاشلة في التعامل مع القضايا الوطنية، وتبني تصورا جديدا للدبلوماسية، يتأسس على المعرفة والثقافة؛ دبلوماسية ثقافية.
أحلام
تسرد رواية «أحلام» حكاية محمد بن صالح الطيار المغربي الذي أُسقطت طائرته في حرب الرمال، وتم اعتقاله، وظل لما يقارب خمسا وعشرين سنة في معتقل البوليساريو «الرابوني 2»؛ معتقل يتغير مكانه كل مرة في أطراف الصحراء ومساحاتها اللامتناهية، بدون أن يتغير اسمه وسجَانوه، أما سُجناؤُه فيتناقص عددهم وتتغير صفاتهم وملامحهم الخارجية والداخلية بين اللحظة والأخرى، غير أن الرواية منحت لأحلام محمد بن صالح، ولدورها في تحرير الأب الذي غيبه عنها الاعتقال، فظلت تنتظر عودته حاملا هدية عيد الميلاد منذ طفولتها، ولمعاناتها ومعاناة أمها التي رفضت رغم طول سنين غياب الزوج محمد بن صالح قبول لقب الأرملة، المساحة الأوسع في الحكي والمساهمة في تطور الحدث، بدل أن تركز على تصوير أشكال التعذيب والتحقير، الذي لحق الأسرى، مثلما نجد في روايات أخرى تنتمي إلى دائرة روايات «السجن السياسي»، التي يطغى عليها تصوير معاناة السجين في تغييب شبه مطلق لمعاناة الأهالي، والرواية بذلك تنحت لنفسها فرادتها، وتسوغ لعنوانها (أحلام)، وتُؤكد بُطُولَتها في المقاومة والمرافعة وتمنح لاسم أحلام دلالته ومعناه، وتجعل من أحلام تلك التي تتحقق أحلامها كل مرة لا بمحض المصادفة، بل برهان التحدي والمواجهة والإرادة «وتحقيق انتصارات متتابعة».
صوت الضحايا
جعل الكاتب من روايته مجالا ديمقراطيا مفتوحا لمناقشة قضايا الخصومة والعداوة والنزاعات، وسمح بالتعبير عن الرأي فيها لأولئك الذين لم يأخذوا حقهم في ذلك من قبل؛ ضحايا تلك الخصومات والنزعات، والذين ظلوا في الهامش بصمت التاريخ عنهم، أو نتيجة القمع والإقصاء والهيمنة وسحب الكلام منهم، والذين إن تحدثوا، فإنهم لا يتحدثون لغتهم الخاصة، بل لغة غريبة تم فرضها عليهم. وتفسح الرواية كذلك المجال للذات الأنثوية لتعبر عن رأيها، وتثبت قدرتها على الصمود أمام أشكال الإضعاف والإخضاع والإذلال والقمع، وهي بذلك تنتصر للفعل الأنثوي وقدرته، لا على مواجهة الفكر الذكوري وهيمنته، بل المواجهة معه وإلى جانبه، إذ رغم الحضور القوي والمهيمن لرأي وتأثير شخصية فريد لزرق في إيجاد حل لقضية الأسير محمد بن صالح، فإن لأحلام بن صالح دورا في صناعة هذا الحل لا يقل عن دور لزرق، حتى بدموعها أمام البشير زعيم البوليساريو. مثلما لجميلة الوافي الزوجة المحرومة من زوجها وحنانه، التي تركها وهي في عنفوان شبابها، وما زالت في حاجة إلى الحماية والمساعدة في تربية طفلتها، بإخلاصها ووفائها ومقاومتها لظلم الأهل وقسوتهم، والمؤمنة بأن محمد بن صالح حي ما لم تر جثمانه، ونقلت لابنتها إيمانها المطلق وأملها في عودته وصبرها في انتظاره، دور أساسي في الكشف عن مصيره والسعي إلى تحريره.
فالرواية في تصور حريري عالم حكائي يسرد هموم الجماعات الإنسانية، ومحال ديمقراطي لتداول الأفكار ونقدها، ومرآة للتحولات وخطابا يراهن على التغيير بالسياسة القائمة على المعرفة والثقافة.
أنسنة الصراع
منحت الرواية للأسير في شخصية وحكاية محمد بن صالح وشهادته أمام مجلس البرلمان الأوروبي، حقه في الكلمة بعيدا عن الصراع، ليعبر نيابة عن الناجين من «احتفالات التعذيب ومشاهد الرعب» وصنوف التحقير، عن رفضهم أن يكونوا مثلما تعتبرهم الأنظمة آثارا جانبية لصراع سياسي أو اقتصادي، وللعداء المستمر الذي تكرسه هذه الأنظمة بسياستها القائمة على إذكاء التفرقة بين المغربي في المغرب، والمغربي تحت سلطة الجبهة، وانتصاره للتسامح والوحدة وتخليق النزاع وأنسنته. وقد أفشلت شهادة محمد بن صالح أمام البرلمان الأوروبي بذلك مسعى طرفي النزاع، إيمانا منه بأن الوحدة والحل يقوم على نشر التسامح، والإيمان بأن الطرف الآخر «البوليساريو» أيضا أسير، ويحتاج إلى حل للعودة والاتصال بالأهل. يقول محمد بن صالح في شهادته «أود أن أقول لكم بأنني أسامح الجميع. لا أحمل بين ثنايا وحنايا فؤادي أي إحساس بالانتقام.. بعد كل تلك السنوات التي قضيتها عند العدو، اكتشفت أنهم ليسوا أعداء، كانوا خصومنا.. سيصيرون من الـ»نحن». منذ الآن أنا أعتبرهم من هذا الـ»نحن» مع الاختلافات الحاصلة في المواقف.. ساد صمت ثقيل في مبنى البرلمان الأوروبي. الوفد المغربي أصيب بإحباط كبير. كان ينتظر من محمد بن صالح شهادة تدين جبهة البوليساريو. في حين كان ناشطو البوليساريو ينتظرون شهادة صادمة في حقهم ويردون عليها بشهادات صادمة عن التعذيب الذي يلحق بمنتسبيهم».
الحق في العودة
تطرح الرواية بصيغة إبداعية سؤالا مهما سبق أن طرحه ميشيل فوكو في تناوله «لقضايا السجون» هو: «أليس من الممكن حل المشاكل بدون حجز؟ وتضيف أسئلة أخرى تتعلق بالذات الإنسانية وما يعتمل في دواخلها؛ مثل سؤال محمد بن صالح وهو على متن طائرة العودة إلى أهله، هل يحق للأسير أن يعود بعدما مات؟ هل له الحق فعلا في العودة؟
ولا تخفي الرواية إدانتها الواضحة للسياسة التي تنهجها الدولة المغربية بمختلف أجهزتها في معالجة هذه القضية، والوصول إلى حل نهائي لها؛ فالنص الذي تقرأه أحلام بن صالح «مدينة النحاس» وأسطورة أو أوهام اليهود بإعادة اكتشاف المدن، والزحف على التاريخ في سبيل تحويل الحلم والأسطورة إلى حقيقة وواقع هو إدانة واضحة لمزاعم الجبهة بأحقيتها، مثلما هو تفنيد للأطروحة الصهيونية، غير أن المسرحية التي تود أحلام كتابتها هي تلك المسرحية التي تنتصر لحلول أخرى لهذه القضية، تتأسس على المعرفة والتاريخ والثقافة والفن والنقد والإقناع بالحجة، بدل الحرب والتسلح والتفنن في التعذيب والتسويغ للنظام العقابي التأديبي وتفريع مساطره، والاجتهاد في إخفاء آثاره.
السلمية المطلوبة
وتوازي رواية حريري بين سعيها إلى أن تكون مجالا للديمقراطية بمنح الكلمة لجميع الأطراف المعنية بها؛ المؤسسية والمجتمعية العامة، ورؤيتها الانتقادية، ولربما يمكن القول إن ديمقراطية الرواية، تقوم على الحق في التعبير والنقد؛ فقد فسحت الرواية المجال للبشير زعيم الجبهة، باعتباره ليس طرفا في النزاع وممثلا لجماعة محددة وحسب، بل باعتباره صاحب حق في التعبير عن رأيه وتصوره، وانتقدت في المقابل دبلوماسية مثلتها شخصية «الأستاذ ربيع» في لقائه بفريد لزرق، واعتبارها لجماعة البشير شرذمة، مثلما مَثلَ للرؤية الانتقادية للرواية بشكل أوضح قضية وخطابا وفعلا؛ المناضل الأممي الحقوقي الإنساني فريد لزرق الممنوع من دخول المغرب ورؤية أمه، المغربي الذي ينظر إلى القضايا الإنسانية بعين الحق والقانون والقيم؛ «الرجل العقلاني» كما تصفه أحلام بن صالح.
تعكس شخصية فريد لزرق في خطابها ومواقفها باعتبارها صوتا سرديا شفافا واضحا وعقلانيا مهيمنا، يرى بأن وجود تيارات تخفف من وطأة الحروب بين الدول العربية، أو داخل الدولة العربية الواحدة ضرورة آنية وذلك «لأنسنة الصراعات وتخليق النزاعات كمرحلة أولى في انتظار نضج أكبر من أجل طرح الحلول القصوى المتمثلة في ضد التسليحية، واختيار اللاحرب كأيديولوجية دولة» لتحقيق ما أطلق عليه «السلمية المطلوبة».
وتعكس ثانيا؛ في رفض فريد لزرق وانتقاده لسياسة المغرب ودبلوماسيته في معالجة قضايا الوطن وتدبير شؤونه، الإدانة والدعوة الصريحة للتغيير؛ وإذا كانت الإدانة واضحة، ليس في رفض لزرق لما تقدمت الإشارة إليه في حواره مع «الأستاذ ربيع»، ولكن في موقفه وطلبه بعد السماح له بالعودة إلى المغرب، وزيارة أمه التي ملكه شوقها، لاعتقاله خطأ واستنادا إلى ملفه القديم، بمجرد أن وطئت قدمه مطار فاس سايس، فقد اكتشف أن ما كان يناضل من أجله من النظام والحق والقانون الذي لا يخضع للعبث والارتجال وسلطة الأوامر العليا، واقع ما زال قائما وفضل العودة إلى منفاه الباريسي قبل الخروج من مبنى المطار رغم شوقه إلى فاس، وإلى سبو وشجر الفلين وقبلها جميعا إلى أمه يقول السارد «قبل أن ينسحب العميد أحمد حريث نحو مكتبه مرة ثانية قال له لزرق: سيادة العميد، هل من الممكن أن أطلب من سيادتك خدمة صغيرة؟ نعم بكل سرور، على الأقل تكون بمثابة اعتذار. أريد العودة بسرعة إلى باريس».
فالرواية في تصور حريري عالم حكائي يسرد هموم الجماعات الإنسانية، ومحال ديمقراطي لتداول الأفكار ونقدها، ومرآة للتحولات وخطابا يراهن على التغيير بالسياسة القائمة على المعرفة والثقافة.
كاتب مغربي