قراءة في علي انفراد للشاعر حسن نجمي: مهنة الشاعر.. أو في الخط الأمامي من المواجهة
يحيي بن الوليدقراءة في علي انفراد للشاعر حسن نجمي: مهنة الشاعر.. أو في الخط الأمامي من المواجهةتقودنا المجموعة (الأخيرة) علي انفراد لصاحبها الشاعر حسن نجمي إلي أن نصل بينها، ومن وجوه كثيرة، وبين مجموعته السابقة والمفصلية حياة صغيرة التي كان قد نشرها قبل عشر سنوات وعلي وجه التحديد عام 1995، وكل ذلك داخل المتصل / متصله الشعري الذي كان قد افتتحه بعمله الأول اللاهب لك الإمار أيتها الخزامي (1982) الذي كان قد أطلقه في سياق ثقافي كانت تبرره المرحلة وفيوض الإيديولوجيا التي لا تعدو أن تكون قيمتها الآن، وعلي صعيد الثقافة ذاتها، مجرد قيمة تاريخية بالنظر إلي الرجة أو الخلخلة التي مست، وجذريا، أنساق التصور والتفكير، مما حتم علي الشعر أن ينهج أنهاجا مغايرة في سياق الالتباس بالدلالات الجذرية للإبداع بمعناه المطلق.وعلي هذا المستوي فقد تمكن حسن نجمي من أن ينسج لصوته حضورا مميزا داخل المشهد الشعري العربي في أحد تجلياته الأكثر تداولا واتساعا… ونقصد، هنا، إلي قصيدة النثر في نماذجها الدالة علي انخراط الشعر في الآفاق الثقافية الرحبة والمنخرطة بدورها في مواجهة الأنساق الثقافية المفترسة . ومصدر ما سلف إصرار الشاعر علي أن ينأي بقصيدته عن لغة المختبر و مطرقات تدمير اللغة التي كثيرا ما أفضت باصحابها، ومن غير النتشويين حتما، إلي تلك اللغة المجوفة أو المتكلسة التي لا ترقي إلي محاذاة هالات دفق الإبداع . فلم يكن يراود صاحب علي انفراد أن تأخذ قصيدته بـ كل فهم غريب كما قال الشاعر العربي القديم، وهو قول انجرف معه بعض شعرائنا لكن من دون أن يتمكنوا من تسريب تلك الكهربة التي تذيب الفواصل ما بين النظري و الشعري وعلي أرض النص ذاته لا أرض أو بالأدق أراضي التسويق الباذخ عبر تلك المقالات التي تكتب قبل أن تكتب والتي، وبالقدر نفسه، وهذا مآلها، تقرأ قبل أن تقرأ. غير أن ما سلف لا يفيد أننا ندعو إلي قصيدة بدون سند معرفي، لأنه بدون هذا السند لا يمكن للقصيدة إلا أن تكون ضامرة أو شاحبة لكي لا نقول مائلة . هذا بالإضافة إلي ما يشترط في مثل هذا العمق المعرفي من تضافر مع النبض الوجودي وإلي الحد الذي بموجبه تمحي الفواصل ذاتها التي تصل ما بين الطرفين. وفي هذا الصدد يمكن أن نفهم احتفاء علي انفراد بـ المعرفي من خلال مستويين: مستوي أول يتمثل في تصدير نصوص عديدة من المجموعة بأقوال شعراء عالميين سعيا من الشاعر إلي الكشف عن مرجعيته بل والتأكيد عليها. وقد تبدو هذه الاستراتيجية، في أحيان، غير ذات كبير أهمية ولا سيما إذا بلغت حد التكديس الذي يكبح جماح القراءة. غير أن الاستراتيجية ذاتها، وعلي مستوي آخر، أو في المقابل مما سلف، لا تخلو من أهمية ولا سيما حين تفارق معناها الهاجسي وترقي ــ بالتالي ــ إلي الإضاءة : إضاءة المراكز الدلالية ودورات هذه المراكز علي أرض النصوص ذاتها وفي إطار من الرغبة في الانخراط في قارة الإبداع التي يقيم فيها شعراء من لغات مختلفة وجغرافيات متنوعة. ومستوي ثان لا يقل أهمية عن المستوي الأول إن لم نقل يفوقه، وهو قرين نوع متعين من مفهوم الشعر المتسرب أو المندغم في النصوص ذاتها وعلي مدار امتداد المجموعة. وهذا المستوي الثاني هو الذي يفضي إلي ما تنعته التفكيكية (بمعناها الموجب لا السالب) بـ قوة النص التي تشرعه علي القراءة التي تبلغ حد الصراع (Conflict) إذا جازت عبارة بول ريكور. وكما أن قراءة من هذا النوع جديرة بإنتاج خطاب يصل ما بين نص الشاعر و نص القارئ ــ الناقد وفي إطار من التناص المعرفي/ الأنطولوجي (الموجب)، وجديرة بأن تبرهن علي الانتماء إلي الشعر لا الانتماء إلي الخواء اللغوي أو التأتأة و السفسفة و الشقشقة .و علي انفراد عنوان مستمد من نصين في المجموعة أعزل في الضوء (ص 14) و أسري (ص 96)، ولا يخلو من نبرة قوامها، وعلي المستوي الظاهري أو السطحي، دلالات الانغراس (العمودي) في مسالك الوجود . ثم إن لوحة الرسام المغربي الأصيل أحمد الشرقاوي ((1934 ــ 1967) بدورها تعمق، وبألوانها الثقيلة، أو بالأدق رؤيتها الصباغية ، الانفراد أو الصمت. لقد آثر الشاعر أن يتعالق معه، لكن من خارج دائرة العلامات أو الرموز التي اشتهر بها هذا الأخير والتي سعي من خلالها، وداخل الرؤية الصباغية ذاتها، إلي تمثيل الهوية المغربية. والأهم أن العنوان سالف الذكر، وفي ضوء قراءة المجموعة ككل، يبدو خادعا أو ماكرا مكر الشعر ذاته؛ ثم إن الشاعر لا يبدو منفردا ، لأنه يقيم وسط جوقة من المبدعين والشعراء والبسطاء.كما أن عتبة الإهداء إلي موتاي لا تخلو بدورها من خداع أو مكر وإن كان بغير حدة مكر العنوان. أجل إن المجموعة تحفل بـ الموتي وجميعهم من المبدعين، غير أن نظرة الشاعر لا تسير في اتجاه تعميق درامية الموت ولا إلي ما يقابلها من إصرار علي فك أو نفي لهذه الدرامية، ولا تذهب إلي ما هو أبعد من ذلك كأن تدعونا إلي أن نموت مع الشاعر أو بدلا منه. ويلخص الشاعر قائلا: ولا أحب الموت مع أنه من الحياة (ص 75). إنها المواجهة من بعيد أو من داخل المخايلة التي توشح العناصر الدلالية الحاسمة للمجموعة.وتتوزع المجموعة علي أربعة أقسام موزعة بدورها علي نصوص تتراوح ما بين 8 و29 نصا، وهي: امتثالات ، و مرايا: تصريح بالتطابق ، و تاريخ الليل ، و شذرات . والأقسام متفاوتة فيما بينها وسواء علي مستوي النظرة التي يسعي الشاعر إلي تسريبها أو علي مستوي اللغة التي تستوعب النظرة، وكل ذلك في المنظور الذي يصل ــ وإذا جازت لغة اللسانيين ــ ما بين الدال و المدلول وفي إطار من الكتابية التي تتسرب بدورها في النصية التي يحرص الشاعر علي أن يبسط كلامه فيها. ومن هذه الناحية يمكن أن نشير، وفي مستوي أول، أو علي مستوي المراكز الدلالية، إلي تمجيد العماء و مديح اليومي و رسم البورتريه و الليل الذي ما بعده ليل و المنفلت و الارتحال … إلخ. والفرق ما بين الأقسام الثلاثة الأولي والقسم الرابع (والأخير)، وعلي مستوي الأداة هذه المرة، هو ذات الفرق ما بين النثرية المطردة أو المسترسلة و الشذرة البارقة أو الخاطفة في سعيها إلي التقاط أكبر دلالة ممكنة. ثمة، إذا، نوع من التشظي علي مستوي النصية الذي هو تشظي الذات ذاتها، هذا وإن كان هذا التشظي لا يبلغ ــ وعن قصد ــ حد الشقوق والفلول أو حد التصدع الذي هو قرين التمزق الوجودي الجارف. فالشاعر يواصل، هنا، ما كنا قد أسميناه، وفي كتاب مستقل حول الشاعر شعر الرؤية ، تجربة الذات من حيث هي مفترق طرق والتي كان قد نهجها منذ حياة صغيرة ، وهي تجربة تجترح لنفسها موقعا من خارج دائرة الذات المفلولة أو المطلقة التي تقابل هذه الأخيرة.غير أن التنوع سالف الذكر يظل، وعلي الصعيد الدلالي ذاته، مشدودا إلي نوع من التوحد الذي بموجبه تتأطر المجموعة وضمن ما يمكن نعته بـ القصيدة السيرــ ذاتية التي تسعي إلي التقاط الأشياء والوجوه والأمكنة من جهة و استقطار الذات من جهة موازية، وكل ذلك عبر مصفاة الذات ذاتها حتي وإن كانت هذه الأخيرة تتواري في أحيان ــ وداخل اللغة ــ لفائدة نوع من التداعي الصقيل للأشياء.ويحرص الشاعر، ولا سيما في اللوحة الأولي، وعلي صعيد القصيدة السيرــ ذاتية، علي التلويح بـ كائنه المعرفي الذي ينسج علاقات مع المبدعين من الأجداد الفنيين الكبار. وفي هذه اللوحة يبرز، وأكثر، خورخي لويس بورخيس (1899 ــ 1986) الذي تبللت كل قصائد الدنيا بمائه (ص 18)، ولذلك يخرجه (الشاعر) من جسده ومن مكانه وزمانه (ص 15) طالما أنه أنبأه بأنه يحب القصائد الأوطوبيوغرافية (ص 16). فالشاعر يورطه في دنيا الإبداع، ومن ثم ومع أنه لا يري الضوء يقول إن الفجر بشع (ص 18). فبورخيس الذي كثيرا ما ألح علي انتفاء المبدع، بل والتأكيد علي أنه غفل (Anonyme) يغدو في لوحة أو عوالم امتثالات ذاتا تسعي إلي الامتلاء الذي هو، وفي النظر الأخير، امتلاء الذات/ ذات المبدع في سعيها إلي التسامي داخل الإبداع. هكذا يري بورخيس بعين الشاعر المغمضتين بدورهما.وإذا كان الشاعر يسعي إلي الارتقاء ببورخيس نحو المطلق حيث تمجيد العماء فإنه ينزل رولان بارت (1915 ــ 1980)، وفي نص معنون بـ رولان بارت (Incidents) ، إلي فضاء اليومي المتشقق و المتصدع حين يدفع به إلي التجول في مدن مغربية مركزية وأخري هامشية ليري ما يريد الشاعر له أن يراه وإلا ما الذي كان وراء تغييب تلك الحانة من الحانات التي تعد طنجة مكانها المثالي حيث الموسيقي والكؤوس وأصوات الكراسي واللغات الأجنبية…إلخ. تلك هي فطنة بارت السيميولوجية التي لا يرغب الشاعر لها أن تفارق مناط رؤيته البصرية التي تتشكل بناء علي آليات المطابقة في استنادها إلي الحرص علي تفعيل الحضور المرئي للأشياء.إجمالا تحفل النظرة الناظمة للمجموعة بسيل من المبدعين والنقاد والبسطاء، وهي جميعها تنوس بين السعي إلي الارتقاء إلي تلك النقطة العليا والنزول إلي وهاد اليومي الناتئة. هذا بالإضافة إلي ما يتخلل اليومي من إيديولوجي لا يمكن للشاعر أن يتخلص منه بسبب من ماضيه الذي يشهد له بالانخراط فيه ومن خارج دائرة المثقف الملحمي الذي توارت أسطورته . وفي هذا الصدد يجد كاتب هذه السطور نفسه مخاطبا عبر نص الجثمان السياسي الذي يهديه له الشاعر؛ وهو النص الذي يسخر فيه صاحبه، وبطريقة مداورة، وداخل الإبداع، من الجثث السياسية ببلادنا أو ما يمكن نعته بـ الوحوش السياسية القديمة/ الجديدة التي صارت علامة علي النشاطية السياسية (الإجرائية الموبوءة) غير المأسوف علي الانسحاب (المعلن) منها. إن الأسماء لا تعدو أن تكون مجرد مرايا للذات في دوائر الإبداع والاحتمال، وبما تتيحه المرآة من ملاذ و احتماء ولا سيما في تلك اللحظة أو اللحظات (لحظات الانفراد ) التي تبدو فيها المرآة ذاتا تجيد الإنصات. يقول الشاعر: رمميني أيتها المرآة التي ترأف بالوجوهتشظيت كثيرا كثيرا (ص 56).إنها الرغبة في التجوهر أو التجدد ومن داخل إسار التشظي وإطار من المرآة أو الفكر المرآوي وبما يتيحه هذا الأخير من استبطان للذات في دنيا المعرفة والوجود. فالعملية أشبه بـ الاستغراق الجذري ونفي الصداقة الذي شدد عليها الناقد والفيلسوف الألمعي فالتر بنايمين أثناء الحديث عن الروائي الفرنسي الشهير مارسيل بروست.وعلي مستوي آخر ربما توجبت الإشارة إلي أن الأسماء لا تعدو أن تكون مجرد تعلة أو شرارة لـ دفق الإبداع عدا نصوص قليلة كنص الإحساس بالموت المكرس للفنانة فاطمة شبشوب التي باغتها الموت، النص الذي يلتبس فيه الشعر بـ تقنية الاستعادة . وفي ضوء ما سلف لا يبدو غريبا أن يفارق الشاعر استراتيجية التسمية (إذا جاز تحوير عنوان أو مفهوم مطاع صفدي) نحو التعالق العاري مع الوجود أو الزمام الوجودي كما نقرأ في نصوص كثيرة وخصوصا نصوص اللوحة الثالثة تاريخ الليل التي لا يدافع فيها الشاعر عن شيء ضد آخر (كما جري الأمر في التاريخ) من غير الليل الذي ما بعده ليل كما قال أحد مجايلي الشاعر من العرب والمقصود نوري الجراح في ديوانه طفولة موت (ص 23) الذي كرس صاحبه جانبا مهما منه لـ الليل . ومن ثم يغدو الليل فضاء للعراء والتجسدن والفحش (غير المبتذل) والتكثيف والعماء/ الاستبصار. كما أن التعالق سالف الذكر قرين، وعلي مدار الشذرات في اللوحة الرابعة، السعي إلي القبض علي المنفلت والزئبقي… أو محاولة إنقاذ البحر من غرق أكيد (ص 115). وقد سعت نصوص أخري، وفي سياق استراتيجيا التنويع الدلالي، إلي نوع من التأسيس الأنطولوجي للوجود، وذلك من خلال المحاورة المعكوسة أو من خلال السعي إلي إعادة ترسيم خرائطي مغاير للعلائق التي تصل ما بين الأشياء من جهة والكائنات من جهة موازية، وعلي النحو الذي لا يفارق دلالات ذلك التساؤل الذي هو قرين ما كان قد نعته أندري مالرو بـ الشق الإلهي في الإنسان . يقول الشاعر في نص يوسف : (…)وقلتُ: لماذا يا يوسف؟لماذا من لا بد من جب. وقاع عميقة. وإخوة غادرين؟ لماذا كل هذا الدمع. وهذا الأب المفجوع. يعمي الانتظار عينيْهِ. وتمر عليه القوافل بلا أخبار…؟هل فقط، كيْ تعيد تكوينَكَ قصيدةٌ لا يوسفُ لها؟هل فقطْ، لا تغدرْ بكَ الكلماتُ؟ (ص 49).سلفت الإشارة إلي الجانب السيري البارز الذي يشغل فضاء الدلالة، ولا سيما في لوحة مرايا: تصريح بالتطابق . ولأننا لسنا، هنا، في حاجة إلي أن نستعيد جميع تمظهرات هذا الجانب فإنه يمكن التشديد علي حرص المجموعة علي التلويح (المراوغ) بصورة الشاعر المُعَوْلَمْ التي هي، وفي جانب مهم منها، صورة الشاعر المعاصر المترحل . وفي هذا الإطار أمكننا فهم إشارات الشاعر العرَضية إلي الفضاءات الأوروبية التي حط فيها: إيطاليا وفرنسا ويونان وتونس… وعلي إيقاع مبدأ المتنبي غني عن الأوطان لا يستفزني/ إلي بلد سافرت عنها إياب . كما أن هذه الصورة المعولمة جديرة بأن تفسر لغة الشاعر المُكَسرة والمُهَجنة بل والمُرقمة. وحتي إن كان الشاعر لا يوغل في هذه اللغة… فلا مجال، وهو ما تكشف عنه نصوصه ابتداء، لـ نقاء اللغة و صفاءالشعر ، بل لا مجال لـ صفاء الهوية أو الهوية الكبسولية . يقول الشاعر في واحد من النماذج الدالة علي ما سلف: […] ورأيتُكَ تدخل سامقا لتسْخَرَ من شاعرٍ لم يذقْ طعم النبيذ، ــ ثم لنتأمل معا ما يجمعنا، أنا وأنتَ:1 ــ نُدْبةُ أُوليسْ.2 ــ شرفتنا المفتوحة علي الأبيض المتوسط.3 ــ ماركس.. وإخفاق الممكنات.4 ــ صراخنا بحياة الوطن حين تنتصر شبيبتنا في الأولمبياد.5 ــ إخفاقنا في شق الطريق بين الجثث؟6 ــ والشعْرُ ــ نحاول أن نجدَ به عذرا للموتي . (ص 24).ويتجاور الجانب السيري مع التذويت الذي يطال الوجوه والأمكنة والكائنات جنبا إلي جنب المساحات التي يفسح فيها الشاعر للأشياء (المرئية لا الشبحية) لكي تتجاور بدورها علي أرض نوع من الدلالة النسقية وكل ذلك في المنظور الذي يوازي بين اليومي المتفاوت والأنطولوجي الغالب بل والمتسرب في اليومي ذاته. ومن هذه الناحية يظهر أن الشاعر لا يثق، وسواء علي مستوي اللزوم أو التضمن، في الحلم، ولا يخاف من الارتباط ــ ولو عبر خيوط العنكبوت (الواهية) ــ بالوجود.ثم إن التداخل سالف الذكر وسواء عبر مبدأ رامبو الأنا آخر أو مبدأ سارتر الآخر أنا و التخارج الذي يقابله والذي يفارق جدلية الأنا والآخر نحو التعالق العاري مع الشيء/ الأشياء… لا وجود لهما، ومعا، من خارج مركزية الذات المتدافعة والمندغمة في نثرية الإيقاع المتسربة في نصية المجموعة. وضمن هذه المركزية تتكشف مرجعية الشاعر التي قوامها الرسم الذي يعرض له في نص غبطة الشاعر الذي أصبح رساما وقبل ذلك نص فن الشعر الذي يدخل فيه الشاعر في حرب مع الألوان. هذا بالإضافة إلي فن العيطة التي يوجز الحديث عنها: أحب غناء العيطة علي قبري (ص 61). العيطة التي كان الشاعر قد خصها من قبل بنص دال في مجموعته المستحمات (2002)، وبعذ ذلك بدراسة لافتة فن العيطة (2007) تعد الأولي من نوعها داخل ما يمكن نعته ــ وتجاوزا ــ بـ النقد الثقافي بالمغرب. ثم السياسة التي صارت تجارة أو مجالا اثيرا لما ينعتهم الشاعر بـ الأنذال (ص48، 50). ودون أن نتغافل، ضمن المرجعية ذاتها، عن مُكَون الصداقة رغم التآكل الذي أصابها بسبب من تصدع الأنساق و القيم وبسبب من الإصرار علي استخراج الإنسان من قفاه. غير أن ما سلف ذكره من مركزية، ومرجعية داعمة لها، وتفرغ، وبالكلية، للشعر، لا وجود له من خارج دائرة القصيدة ولا كمجرد وسيط نوعي بين المبدع والإبداع فقط وإنما كـ مسكن معرفي/ أنطولوجي آثر الشاعر أن يندس فيه اعتدادا بنفسه وقبل ذلك نجاة بالذات من سرطان المرحلة و صدأ الواجهة وكل ذلك عبر أرض الثقافة باعتبارها موقعا للمقاومة . وحتي إن كان الشاعر لا يرغب في الانتساب إلي حلقة الشعراء الملاعين فإنه لا يتواني عن السعي في التصعيد باللحظة الشعرية إلي مصاف المواجهة الصامتة . وكل ذلك في المنظور الذي يضع مهنة الشاعر في الصف الأمامي من المواجهة سالفة الاذكر، ولا سيما علي مستوي التصدي لما كان الناقد العربي القديم ينعتهم بـ الأنذال والأراذل . ناقد من المغرب وهذا نص الكلمة التي ألقيناها في المقهي الأدبي بفندق زيليس احتفاء بمجموعة الشاعر حسن علي انفراد ، وذلك يوم الخميس 8 شباط (فبراير) 2007.QMK0