قراءة في ‘ فورم’ صورة بطرس حرب

حجم الخط
0

عناية جابر صورة بطرس حرب، النائب في البرلمان اللبناني وزعيم عائلته، التي نشرتها الصحف هذا الأسبوع واحتلت صدارة، واهتماماً وانتشاراً هائلين على مواقع التواصل الإجتماعية. نرى من المفيد قراءتها في الشكل بغّض النظر عن مدلولاتها السياسية ونياتها المبيّتة والمعلنة بالطبع، فالصور اصدق انباء من الكتب!! صورة تُظهر النائب اللبناني بطرس حرب مستقبلاً جيفري فيلتمان المسؤول الامريكي في الشرق الأوسط بحضور السفيرة الأمريكية في بيروت كونيللي. موضوع التداول الأشهر للصورة هو انحناءة حرب الأكروباتية أمام الضيف الامريكي الى درجة كادت ان تُفضي به راكعاً أمامه.

هذا التعاطي الفاقع (وهو غير فريد وغير جديد هنا) مع المسؤول الأجنبي كما تدلنا عليه الصورة يستحق ان يطرح عديد التساؤلات وعديد الأسئلة على وجه اكثر تحديداً.

لناحية تبّصر أو احتواء العين للصورة من حيث الشكل على الأقل، وبعيداً عن أية قراءة سياسية وإن كانت هذه الأخيرة تحضر معطوفة على ‘الفورم’ شئنا أم أبينا.

ما الذي يدفع مسؤول سياسي، لبناني او عربي الى إظهار كل هذا التبجيل لممثل دولة اجنبية؟

ما الذي يدفع مسؤول سياسي لبناني يتمتع بشرعية إنتخابية الى الإنحناء الى هذا الحد أمام مجرد موظف أجنبي أو ممثل لحكومة أجنبية مهما علت رتبته أو دنت، فيما الأخير لا يتمتع بأي شرعية إنتخابية ولا يعدو ان يكون موظفاً لدى دولته؟

هذا التبجيل (والكلمة مضحكة هنا في نهاية الأمر) المفرط لمجرد موظف في إدارة دولة اجنـــــبية ولن ندخل هــــنا في باب توصيفها، هل يعبّر عن غباء أو عــــدم دراية ومعــــرفة بكيفية وطبيعة تركيب السلطة في الغــــرب؟ لاسيما أنه بإمكان أيّ مواطن على دراية بديهية ومبتدئة بشؤون السياسة الغربية، معرفة أن الموظف يبقى مجرد موظــف، ودوره بالتالي مُحدّد سلفاً كما فـــــترة بقــائه في منصبه مرهون بزمن لا يلبث أن ينتهي مع تغيير هرمية السلطة ليعود الموظف موظفاً عادياً إن لم يُحل الى التقاعد.. والعوض بسلامتكم على كل ذلك الإنحناء المجاني.

هل لا يعرف النائب حرب أو سواه من العرب المبجلين بكسر الجيم أن هذا الموظف لا يمتلك شرعية سياسية انتخابية في بلاده تسمح له (اكراماً وتماهياً مع عملية التبجيل المفرط) إبداع أو منح أو إعطاء أو التأثير في قرارات إدارته؟ هل لايعرف حرب أو سواه أن فيلتمان مجرد موظف تُملى عليه القرارات التنفيدية من ادارته المنتخبة وان حركة انحناء مبالغا بها أو عادية سوف لن تؤثر ولا قيد انملة في هذا القرار أو ذاك وان كل شيء مرسوم ومدروس ومبرمج ومقرّر سلفاً انحنينا أم لم ننحن.

هل عدم الفهم ناتج عن طبيعة المسؤول العربي، اللبناني تحديداً الذي يستمد شرعيته من تمثيله لعلاقات قرابة سياسية أكثر من تمثيله لشرعية إنتخابية مؤقتة ومشروطة لفترة زمن إنتخابه، بحيث ان زعيم العصبية القبلية أو الطائفية تسبق الإنتخاب وتليه؟

هل يعتقد النائب بطرس حرب ان فيلتمان يمثل عشيرة بيت فيلتمان في تنورين امريكا مثلاً؟ كما يمثل مثلا بيت الأسد العلويين في سوريا، او مثلاً بيت الحريري السنة في بيروت، او نبيه بري الشيعة في لبنان؟

أياً يكن هذا الموظف ومهما كان وزنه واهمية دوره في تنفيذ سياسات الدولة التي يمثلها ونشير هنا بالطبع الى ان فيلتمان ليس مجرد موظف عادي، هل يعــــتقد الزعيم اللبناني او العربي ان هذا النوع من التبجيل الشرقي، العاطفي، الرومانسي، الفروسي!! أن مطلق عقل غربي قد يُقدّرهُ أو يفهمهُ؟ وهل يعتقد حرب ان فيلتمان قد يرّف له جفن أو يُعدّل في المهمة الموكلة إليه بعد تلك الإنحناة الشهيرة التي لن تفعل سوى كسر ظهر صاحبها؟

العقل الغربي يا سادة ياكرام لا يعمل على ما هو معروف ومُجرّب وفق الإنحناءات الهزلية التي لامكان لها في النظام العقلاني الغربي. الإدارة الامريكية كما نُمي إلينا والى سوانا وخبرناها بأمّ العين، تبني حساباتها وفق سيناريوهات تعكس مصالح هذه الدولة في هذه البقعة من العالم وتلك. كما أنها تتعاطى مع الشخصيات السياسية الغربية وفقاً ايضاً لإعتباراتها الخاصة فما من مراهنات إذن خارج اللعبة هنا.

هذه الصورة بالمحصلة، ليست مجرد استقبال من احد عربي لمسؤول سياسي كبير في الإدارة الامريكية. إنها في الحقيقة خلاصة العقل العربي في فهمه للآخر الاجنبي، فهو هنا يحاول تطبيق عاداته ومفاهيمه وإرثه المتخلف على ثقافة سياسية وحضارة مغايرة تماماً ومن نوع آخر.

كيف نثق كمواطنين بمسؤول عربي يتعاطى مع الدول العظمى بدون فهم لطبيعة مفاهيمها وأخلاقها وحساباتها؟

مازة التبولة والحمص والكبة النية لا تبني سياسة مع هذه الدول…. وكان الله يحب الفهمانين!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية