قراءة في فيلم صورة في ساعة : الصُّورة بوصفها إيهاماً للحقيقة تحيّز الإنسان في تخليد لحظاته
مازن حبيبقراءة في فيلم صورة في ساعة : الصُّورة بوصفها إيهاماً للحقيقة تحيّز الإنسان في تخليد لحظاتهيحيل عنوان الفيلم الأمريكي صُورة في ساعة One-Hour Photo (2002) إلي المدّة الشّائعة التي تستغرقها معامل التّحميض في طباعة الصّور الفوتوغرافية خلال ساعة من الزمن. ويُعد هذا الفيلم العمل السّينمائي الأوّل للمخرج الأمريكي مارك رومينيك كتابةً وإخراجاً. من المعروف عن مارك رومينيك تصوير وإخراج كليبات غنائية لنجوم كبار من أمثال مادونا ومايكل جاكسون. غير أنه ينحو، بكتابته وإخراجه للفيلم، منحيً مختلفاً ومغايراً للمسار الإبداعي الذي انتهجه من قبل، وخيراً فعل في هذا الخيار.الفيلم من بطولة الممثل الأمريكي المعروف روبن ويليامز الذي اشتهر بتقمّص أدوار كوميديّة صاخبة تتطلّب مهارات وإيماءات جسدية تعبيرية عالية. إلا أنّه، وعلي عكس معظم أدواره الأولي، يتقمّص في هذا الدّور شخصيّةً مُضطربةً أقل صخباً، وأكثر عمقاً، في اختيار فنيّ مغاير لتجربته السّابقة، وحسناً فعل بدوره أيضاً.تدور أحداث الفيلم، كما قد يوحي عنوانه، حول شخصية ساي مُحمِّض الأفلام الفوتوغرافية المُتـقِـن لعمله إلي درجة الهوس. يتحلي ساي بشخصية انعزالية هادئة لكنها ودودة وحذرة، حيث لا تُبدي أكثر مما تبتغي أن يظهر منها، ولا ترغب في أن تمنح الغرباء من حولها أكثر مما يتوقعونه منها. يتعلّق ساي بحكم عمله وبشيء من الفضول بحياةِ عائلةٍ صغيرةٍ مكوّنة من زوج وزوجته وابنهما الصغير، حيث تواظب الزوجة في تلك العائلة علي تحميض أفلامها لديه خلال تسع سنين.تضمّ الصّور الفوتوغرافية الملوّنة تفاصيل حياة العائلة المختلفة طوال تلك السّنوات وتقتنص لحظات ولادة الطّفل وأعياد الميلاد العديدة، وهي تمثّل في الوقت ذاته تاريخ تلك العائلة وأيامها السعيدة، حيث تبدو العائلة في الوهلة الأولي للنّاظر إليها من الخارج عائلةً مثاليةً.من خلال تلك اللحظات المُلتقطة تتشكل بعض آراء ساي المتعلّقة بالرّغبة التي تدفع النّاس إلي التقاط صور فوتوغرافيّة. يقول ساي : إن النّاظر لحياة أحدنا من خلال ألبوم صورهِ، سيخلُصُ إلي أن حياتهُ ليست أقل من حياةٍ مليئةٍ بالسعادة والفرح، ذلك أننا نطوّع الصور لتلتقط اللّحظات الجميلة منها. لا يلتقط أكثرنا صورةً فوتوغرافيّةً لشيء يودّ نسيانه . ستتخذ الصّور بعداً وجودياً، بالنسبة لـ ساي ، حين يصل إلي أنها تؤكّد حضور صاحبها ووجوده من خلال بقائها حتي بعد فناء الإنسان.تُرسّخ التّراكمات البصريّة للعدد الهائل من الصّور المُلتقطة في حد ذاتها صورةً انطباعيّةً وذهنيّةً عامّةً عن حياة العائلة، وهي كما أسلفنا صورة مثالية. إلاّ أن التأزم يبلغ ذروته لدي بطل الفيلم، حين يكتشف بالصدفة من خلال صور إحدي زبائنه بوادر خيانة من الزّوج لزوجته. تداعيات الخيانة من شأنها أن تخدش وتشوّه من الصّورة الانطباعيّة الجميلة المتشكّلة في مخيّلة بطل الفيلم، حيث تبدو تلك العائلة كل ما لا يملك هو المتوحّد الحزين. إنّها الحياة الكاملة التي يُكبرها في العائلة، وهي الحياة التي يتوق لعيشها أيضاً. بينما تأتي الخيانة لتشكّل شرخاً صارخاً في تلك الصّورة الذّهنيّة.تتسارع الأحداث في النّصف الثّاني من الفيلم وتتفجّر انفعالات ساي العاطفيّة المخبّأة في داخله اثر هذه الصّدمة. إنه يأخذ علي عاتقه كشف أمر خيانة الزوج عن طريق إيداع الصّور الفاضحة مع الصّور التي طلبت الزّوجة تحميضها منه كي تكتشف هذه الأخيرة أمر خيانة زوجها بنفسها. لكنّها حتّي حينما تكتشف ذلك، تتصرّف مع زوجها وكأن شيئاً لم يكن. من هنا توحي الأحداث اللاحقة في النّصف السّاعة الأخيرة من الفيلم أن ساي المتفجّر سخطاً وغضباً والمتعاطف مع الزّوجة والطّفل سيُقدم علي فعل أمرٍ مروّع حتماً.. الاحتمال الذي يبقي قائماً ومتاحاً إلي نهاية الفيلم. إن مجرد انفعال ساي وتصرفه بهذه الطريقة في حد ذاته يظهره في صورة مغايرة للصورة الأولية التي تأسست في ذهن المشاهد. ليس ذلك فحسب، بل يخرجه من دائرة الحياد الصارمة من موظف يقوم بما يتطلبه عمله بحرفية إلي إنسان متعاطف يتخذ موقفاً أخلاقياً صريحاً مما يجري حوله وحول الآخرين الذين يشعر بالانتماء إليهم. يتميّز الفيلم برؤيةٍ بصريّةٍ مُلفتةٍ وأنيقةٍ حيث تظهر عدة مشاهد علي شكل لقطات متوسّطة ثابتة مُتّخذة من نوافذ السّيارات والمرايا والجدران إطاراتٍ مُحدّدة لتفاصيل المشهد. هذه الإطارات تشكّل جزءاً من مساحة الشّاشة السّينمائية التي تمثّل بدورها إطاراً أكبر لها، وبالتّالي تمنح فرصة استبصار الفيلم كصورة فوتوغرافيّة ساكنة أحياناً ومتحرّكة في أحيان أخري من منظور حياتي أوسع وأكثر شموليّة.كما أن للسينماتوغرافيا دوراً بارزاً في تشكيل شخصيّة ساي وتمثيل جوانبها بصورة متجانسة بصرياً. ساي ، كشخص متوحّد ومنعزل، يبدو مختفياً تماماً (هل كان المغزي أن يبدو مُتخفياً بصورة لا شعورية؟). إنه يظهر بالأحري ذائباً في خلفية المكان المحيط به حين تتوافق ألوان ملابسه مع تلك البيئة المحيطة به سواءً في شقّته أو مقر عمله. استخدم الماكياج بشكل مُميّز لمحاولة طمس الملامح المألوفة للممثل روبن ويليامز ، وكان لذلك دور موفق في إظهار شخصية ساي بشكل مستقل عن الممثل، وعن الأدوار الكثيرة الأخري التي تقمصها في السّابق.أشار المخرج في معرض حديثه عن الفيلم في برنامج شارلي روز الي أنّ فريق العمل كان يعيش في مناخ حقيقي من المرح والضّحك أثناء التّصوير علي مدي ثلاثة وأربعين يوماً. يأتي ذلك المناخ، للمفارقة الطّريفة، عكس الأحداث المتوتّرة المُتصاعدة في قصّة الفيلم. يعود الفضل في ذلك إلي روبن ويليامز الذي تبرز طاقة شخصيته الكوميديّة الجامحة خلال استراحات التّصوير وبين المَشاهد، في حين يتمكّن خلال مدّة وجيزة من كبح جماح ذلك الجانب، لتنكمش تلك الطاقة وتتقلّص بصورةٍ كبيرةٍ أثناء تقمّصه لدور ساي بحيث لا يظهر منها ما لا يتّفق مع رسم الشّخصيّة في قصّة الفيلم.قُوبل العمل بترحيب وقراءات إيجابية من معظم النّقاد بشكلٍ عام. التفتَ معظمهم إلي التقمّص المقنع للشّخصيّة وإلي الأداء الدرامي الجاد والمتميّز لـ روبن ويليامز من جهة، كما امتدحوا التّجربة السّينمائيّة الأولي للمخرج مارك رومينيك القادم من خلفيّة إخراجيّة غير سينمائيّة، ومغامرته النّاجحة في كتابة سيناريو الفيلم من جهةٍ أخري. إلا أنَّ الفيلم كان غير مقنع أحياناً لبعض النّقاد. تشير النّاقدة ريتشل جوردن إلي أنَّ الفيلم قاصر في تقديم ما هو مثير واستثنائي في الطّبيعة الإنسانيّة. إنّه، أي الفيلم، بعد البداية الواعدة التي يقترحها يتّبع المسار الخطّي المألوف للقصور البشري وللزلات الإنسانيّة، ويقع بنفسه فريسةَ بعض المشاهد المُملّة. بذلك لا يوفّق الفيلم، في رأيها، في مواصلة كافة التّعقيدات العديدة التي يحاول جاهداً تحقيقها.وتضيف النّاقدة ريتشل جوردن أن الشّخصيّات المُحيطة بـ ساي لا تُمنح الفرصة والمساحة الكافيتين للظهور بغير الصّورة الأحاديّة البُعد. تبدو هذه الشّخصيات في صورةٍ سطحيّةٍ باهتةٍ، بينما يستحوذ البطل بشكلٍ كبيرٍ علي حضور شبه دائم في الشّاشة. بمعني أنه علي الرّغم من كون ساي الشّخصية المحوريّة في الفيلم، إلاَّ أن ذلك لا يبرّر بشكلٍ كليٍّ خفوت الشّخصيّات الأخري، وعدم أحقّيتها في الإسهام في تعزيز الجوانب المتعدّدة من القصّة. إذاً خلال ساعة ونصف يقدّم فيلم وان أور فوتو فكرته الأساسيّة التي ترتكز علي أن الصّور الفوتوغرافيّة، وإن كانت تجسّد جزءاً مهماً من حياتنا، إلا أنها لا تخبرنا الكثير عنها كما قد نتوهّم. إنَّها صور مُتحيّزة للحظات نتخيّرها سعياً منا إلي تخليدها. وبالتالي فإن الصّورة الفوتوغرافيّة لا تمنح النّاظر إليها الصّورةَ الكاملة للحقيقة- إذا افترضنا أن ثمةَ حقيقةً كاملةً في حياتنا- بل تكشف فقط ما ترغب الصّورة نفسها في أن نعرفه عنها لا أكثر، أو كما عبّر فلاديمير نيلسن عن هذه الحقيقة الكامنة في أدبيات الصورة الفوتوغرافية من زمن حين قال: ليست الصّورة الفوتوغرافيّة أبداً انعكاساً كلياً ومتكاملاً للواقع. الصّورة الفوتوغرافيّة تمثّل فقط هذا الاختيار أو ذاك من مجموعة الصّفات الفيزيائيّة للشيء المصوّر .لا يملك المرء أن يغالب رغبة جامحة تدفعه إلي أن يلقي نظرة خاطفة علي أقرانه من مرتادي الصالة أثناء مشاهدة الفيلم، خصوصاً في الجزء الأخير منه، ويتساءل لو أن أحداً منا ترك صُورهُ للتحميض في إحدي المحلات قبل دخوله الصالة بقليل، ليلتقطها بعد مشاهدة الفيلم، فماذا يمكن أن يُفكر حقاً في تلك اللحظة الحاسمة حين تلتقي عيناه بعيني الشخص الذي قام بتحميض صوره عند استلامه لها!قاص من عُمان