إبراهيم سعيد المجموعة القصصية: ‘القرية القرية، الأرض الأرض، وانتحار رائد الفضاء وقصص أخرى’، معمر القذافي / الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان 1424هجرية ـ سرت / ليبيا.
سلطة أدبيةبينما كنت أفتش عن كتب الصادق النيهوم المفكر العربي الليبي وأقتنيها من إحدى دور النشر التي لا أذكر اسمها، فاجأني وجود مجموعة قصصية للعقيد، وبدافع الفضول اشتريت الكتاب وقلت سأقرؤه. وبالفعل قرأته، ولم أر فيه حينها إلا نصاً بخطاب ثوري مسلح يستهزئ ويسخر من غيره ويظن نفسه قصة. وخلال الأحداث الأخيرة حين سمعت العقيد يقول في اتصال مع قناة الجماهيرية (أنا سلطة أدبية) قررت العودة للمجموعة لأنقب فيها وأعيد قراءتها مجدداً لأكتشف كم تحوي من الأسرار. تتكون المجموعة القصصية للعقيد من 13 نصاً، ورغم أنها حظيت بشهادة روائي ليبي مشهود له هو الروائي أحمد ابراهيم الفقيه، كتب قراءته للمجموعة وهي منشورة في نهاية المجموعة نفسها، وكما هو متوقع في دولة كليبيا تحت حكم العقيد هي خليط من ثورة بلا أهداف، وجنون العظمة، فإن قراءة الفقيه لم تخرج من إطار التفخيم والتعظيم لعبقرية العقيد الفذة، عبقرية استخدمت فن القصة كوسيلة للتخاطب مع الجماهير وتعليمها وتثقيفها. هكذا يحدثنا أحمد الفقيه عن انذهاله حين قرأ قصتي ‘الموت’ و’الفرار إلى جهنم’ بتفجير اللغة والتقنية.. الخ. يقول الفقيه: (وقفت ذاهلاً أمام هذا الإبداع الجديد)، ويقول عن العقيد: (هو قبل أن يكون قائداً ورجل ثورة إنما هو كاتب بارع، ومبدع له القدرة على تطويع ملكاته التعبيرية، والاستفادة من الأشكال الإبداعية التي تستجيب للأفكار والانفعالات والتأملات التي يريد تقديمها للناس عن طريق هذه الوسائط الأدبية)، فالعقيد بحسب الفقيه حداثي (لقد اختار القائد معمر القذافي أن يكتب قصة تنتمي إلى قصة الحداثة، وأن يستخدم ‘تقنية’ فنية متطورة.. بمثل ما هو قائد ثوري ممتلئ بهاجس تحطيم القوالب القديمة وتجاوز الأطروحات التقليدية في الفكر والممارسة) ص182و183. وعما تقدمه مجموعة القائد العقيد لفن القصة ص184 (إن الإضافة التي يقدمها القائد معمر القذافي لفن القصة إضافة كبيرة وخطيرة). لا شك في أن الفقيه مضطر لمثل تلك المجاملات لقصص العقيد، وليس بإمكانه، حتى لو أراد، أن يقول صراحة رأيه الفني في مجموعة العقيد القصصية، وقارئ المجموعة سيلاحظ من أول وهلة أنه ليس أمام قصص قصيرة عادية بل أمام نص يريد الهجوم على أهداف محددة بعينها. قراءة الفقيه تستخلص لنا بالضبط أفضل قصتين في المجموعة القصصية للعقيد وهما ‘الفرار إلى جهنم’ (ص61) و’ الموت’ (ص89)، لأن باقي القصص هي مواد إنشائية إما كرهاً للمدينة كما في ‘المدينة ص7، وحباً للقرية في نص القرية القرية 31، الأرض الأرض43، والسخرية من التيار الديني في عدة نصوص (عشبة الخلعة 79، افطروا لرؤيته 127، دعاء الجمعة الآخرة 141، انتهت الجمعة 157، المسحراتي ظهراً) وتتخللها السخرية من أمريكا ومن دول النفط في الجزيرة العربية والسخرية من الانهزام العربي امام اسرائيل، والإشارة إلى المقاومة الليبية لذلك الانهزام، وبني إسرائيل يحظون ببطولة قصة هي (ملعونة عائلة يعقوب ومباركة أيتها القافلة)113؛ والمجموعة في مجملها وظاهرها لا تحتوي على أية حبكة قصصية أو حتى محاولة لذلك، فهي مجرد ثرثرة تشبه في معظمها خطاب العقيد الذي نتابعه في الفضائيات بلا رابط ولا وحدة موضوعية.
قصة الموت 89 قصة الموت تبدأ بالسؤال عن جنس الموت هل هو ذكر أم أنثى؟! (فإن كان ذكراً وجبت مقارعته حتى النهاية، وإن كان أنثى وجب الاستسلام لها حتى الرمق الأخير)91، وهنا تتجلى بوضوح تلك الجنسانية النفسية للعقيد وهي تعلن وصفتها الفكرية للتعامل مع الذكر: بمقارعته، ومع الأنثى: بالاستسلام؛ لنرى الصدى النفسي لكل الخطابات الأخيرة للعقيد وهو يواجه الموت هذه المرة، تلك الخطابات التي يكرر فيها دعوته لخروج النساء، كمن يريد الاستسلام للموت الأنثوي ولا يرضى الاستسلام للموت الذكوري!
، ذلك بالضبط ما تدور في فلكه قصة ‘الموت’ التي هي باختصار حكاية العقيد عن معارك أبيه مع الموت، تلك المعارك التي تصور لنا انتصار الأب أمام الموت (الذكوري) في معركتين ضد الإيطاليين وضد جنود الملك السنوسي المواليين لهم، ففي المعارك يحاول الموت الذكوري أن يهزم الأب لكن الأب ينتصر على الموت في المعركة، وحين يتحول الموت إلى أنثوي يأتيه مرتين متقمصاً حية سامة تلدغه في المرة الأولى فيقاومها بطبيخ الشاي الأحمر، وفي المرة الثانية: (عندما مد يده إلى قش شجيرة ليوقد به النار، أمسكت به تلك الأفعى الثانية، وأفرغت لعابها القاتل في يده حقنة واحدة) 102، وبدل أن يموت الأب من لدغة الحية الثانية فإن العقيد يرفض هذه الميتة للأب بطل القصة، لذلك يلتف العقيد القاص حول النتيجة المنطقية بحبكة أن الحية الثانية بغبائها نسيت أنها حين لدغته قامت بتطعيمه ضد سم الأفاعي، (وهكذا لم تؤثر فيه اللسعة الثانية إلا تأثيراً خفيفاً مؤلماً، ولكنه غير قاتل)103، ولنا أن نلاحظ تناقض العبارة وتناقض المشهد، من أجل أن يطول عمر الأب بالقوة: (إن أبي يطول عمره، والموت يطول نفسه، أبي يستمر عناده، والموت لا يتوقف عن اصطياده)103، ومن أجل هذا الإخراج يناقض العقيد وصفه الحية بالأنثى ويعيد توصيفها بالذكورة بالعبارة التنظيرية التالية (فالحية السامة عدو لدود، وحيث أنها عدو، إذن هي في حكم الذكر)104! أخيراً يموت الأب وبلا سبب هذه المرة يستسلم بطل القصة للموت (تأكدت أخيراً من انه أنثى، لأن أبي قد استسلم لها حتى الرمق الأخير يوم 8 ايار / مايو 1985م، ولم يحرك ساكناً لمقاومتها). بلا سبب يموت الأب ولأنهُ مات حقاً فإن هذا دليل كاف في نظر القاص على أن الموت امرأة!
لصفحتين لاحقتين 105 و 106 يسهب القذافي في التخدير الغنائي للجماهير مقارنة بالتخدير الطبي للمرضى، ثم يعود لموضوعه ويستخلص النتيجة ص 107 (النتيجة هي أن الموت يفشل في المعركة في معظم الأحيان عندما يأتي في سحابة من النقع وألوية سوداء خفاقة في قلب العاصفة.. يظن أنه يركب جواد الرهان الرابح، وإنما يركب جواد الغرور، لأنه بهذا يدفع خصمه على التحدي والاستهتار، تجب مقاومته حتى النهاية) و (المرات الخطرة التي يصل فيها الموت إلى غايته بسهولة هي المرات التي يتحول فيها إلى أنثى، والأنثى يجب الاستسلام لها حتى الرمق الأخير). هكذا يجب، برأي القاص، أن نقاوم الموت الذكوري في المعركة، لكن يجب أن نستسلم للموت الأنثوي حين يأتي في أوقات السلم و (الاستسلام لا يوصل إلى النصر أبداً) إشارة إلى صورة الموت الذي يراود خيال القاص: موت يشبه الجنس، أو الموت في أثناء الجنس، أو بعده! ولنا أن نتخيل كمية ما في ذلك من مازوشية مرعبة.’الفرار إلى جهنم’ 63يصف العقيد قصته هذه (من أغرب القصص الواقعية، وأقسم لكم أنها ليست من صنع الخيال)69، وجهنم قد تبدو الجحيم، لأول وهلة، لكن جهنم هنا لا تشبه الجحيم في شيء، لا جحيم النصوص المقدسة ولا جحيم المعري، ولا جحيم دانتي. إنها جهنم مختلفة.
يصور العقيد نفسه في هذه القصة بدويا ً(والعقيد وصوره وأفكاره تستحوذ على كل أبطال مجموعته القصصية)، بدوياً تزعجه الجموع بطلباتها التي لا تنتهي (ينهشونني كلما وجدوني: ابنِ لنا بيتاً غير هذا، امدد لنا خطاً أرفع من ذلك، ارصف لنا طريقاً في البحر، إزرع لنا حديقة.. اقتل لنا كلباً، اشتر لنا هِرّاً) ولانزعاجه من طلبات الجموع يفر إلى جهنم. لن نحتاج طبعاً إلى قاموس مفردات كي ندرك مباشرة أن الجموع هنا هي الجماهير، وأن هذا البدوي ليس إلا: معمر البدوي، نفس العقيد المحاصر بتلك الجماهير في الواقع الآن، كما كان دائماً محاصراً بها في لا وعيه وعقله الباطن.
تبدأ قصة ‘الفرار إلى جهنم’ كأنها تصف اللحظة الراهنة منذ ثورة 17 شباط (فبراير): (ما أقسى البشر حين يطغون جماعياً!! يا له من سيل عرم لا يرحم من أمامه!! فلا يسمع صراخه، ولا يمد له يداً عندما يستجديه وهو يستغيث، بل يدفعه أمامه في غير اكتراث!)يرى العقيد القاص أن طغيان الفرد هين: (طغيان الفرد هو أهون أنواع الطغيان، فهو فرد في كل حال، تزيله الجماعة، ويزيله حتى فرد تافه بوسيلة ما) أما طغيان الجموع في نظره فهو الطغيان الحقيقي: (أشد صنوف الطغيان، فمن يقف أمام التيار الجارف، والقوة الشاملة العمياء؟!) أظن أن العقيد نفسه قدم لنا جواباً في قراراته المتأخرة، وأصبحنا من خلال الأحداث الراهنة اليوم في ليبيا نملك الإجابة على هذا السؤال القديم.(كم أحب حرية الجموع، ولكني أخشاها وأتوجس منها)63 لأنها تتقدم معلنة (الزحف المقدس) (أحب الجموع كما أحب أبي وأخشاها كما أخشاه)63. النص والعقل الباطن من خلفه يعقد مقارنة تبدو غريبة بين الجموع (الجماهير) والأب، مقارنة قد تغري السيكولوجيا لدراسة الحالة. ها هو العقيد يقيم الشبه ويعقد العلاقة رابطاً بين الجماهير والأب (من يستطيع في مجتمع بدوي أن يمنع انتقام أب من أحد أبنائه؟) ولنلاحظ إطلاق صفة الانتقام على فعل الأب الذي هو الجماهير هنا. هل ينتقم الأب من ابنه حقاً؟ ألا يحتاج ذلك لجريمة شنعاء كي يقدم الأب على قتل الابن العزيز؟
يستعين العقيد في ثنايا القصة بأمثلة تاريخية يحددها بالاسم 64 (هانيبال، باركليز، سافونارولا، داونتون، روبسبير، موسوليني، نيكسون) في صعودها على أعناق الجماهير وفي نهاياتها المهينة من البصقة والسم إلى المقصلة إلى جرجرة جثة الديكتاتور في الشوارع. وبإشفاق على الذات ورعب يستعيد القاص العقيد تلك النهايات فيستدرك: (يا للهول!! من يخاطب الذات اللاشاعرة كي تشعر؟! من يناقش عقلاً جماعياً غير مجسد في أي فرد؟ من يمسك يد الملايين؟! من يسمع مليون كلمة من مليون فم في وقت واحد، من في هذا الطغيان الشامل يتفاهم مع من؟! ومن يلوم من؟! ومن المن ذاته؟!) هذا التشوش هو نفسه يصف اللحظة الراهنة، والعقل الباطن قدم مسبقاً لنفسه وثيقة أدبية (بغض النظر عن قيمتها الفنية) تمكن الاستفادة منها في قراءة الحالة الراهنة، حين يعود الملك من ألقابه والعقيد من رتبه بدوياً راعياً يحاول طرد الخطر الذي يواجهه وهو لا يستطيع فهم الخطر واستيعابه، فيحاول بطريقته أن ‘يكش!!’ الخطر، بكل شيء حوله، بالمال، بالسلاح، بالكلام!! رغم أنه يدرك تماماً تلك النهايات الشنيعة، ويخافها ويرتعب منها، لكن ها هو الآن يزيدها ناراً كالغائب عن الوعي.
أدخل العقيد في قصته الشرطي كي يرمز به لأمريكا، واختلق شخصية أم الشرطي ليرمز بها إلى بريطانيا (عجوز كانت أماً للشرطي، تصابت وطمعت فيّ، وعندما رفضت حاولت أن تخلق لي المشاكل)67هكذا لا يجد البدوي حلاً ومهرباً من هذه الجموع / الجماهير إلا في الفرار إلى جهنم، وفي قراءة الفقيه التي أشرنا إليها سنعرف أن جهنم ليست إلا وادياً في بادية سرت: (هناك منطقة بين شعابها أطلقت عليها الذاكرة الشعبية اسم جهنم)187، تلك هي إذن جهنم التي يورد القاص العقيد ذكرها مؤكداً في ثنايا القصة على ما ذهب إليه الفقيه: (جهنم ليست كما تتوقعون) (أصفها لكم أنا الذي سلكتها بنفسي مرتين)70، وفي جهنم يجد القاص / العقيد / البدوي الراحة: (أجمل ليلتين في حياتي تقريباً هما اللتان قضيتهما في قلب جهنم بنفسي فقط). العقيد كامن هناك في شعب جهنم، هرباً من الجماهير الثائرة بطلباتها، ظاناً أنه قد خدع الجميع، ولا يمكن العثور عليه، مختبئاً ولائذا بالفرار في قلب وادي جهنم. هناك حيث يعثر على ذاته (ذبت في نفسي ونفسي ذابت فيّ، واحتمى كل منا بالآخر وعانق كل منا الثاني، وأصبحنا شيئاً واحداً لأول مرة)72 ، هكذا يهرب البدوي / العقيد في القصة من الجموع / الجماهير إلى وادي جهنم في بادية سرت، الهروب من جحيم الجماهير (جحيمكم لم يعطني فرصة لأخلو بنفسي) 73 إلى جهنم (ما أحلى جهنم على مدينتكم، أرغب في أن أسكن فيها. الذهاب إليها دون جواز سفر، أعطوني نفسي فقط).(حاولتم الحيلولة بيني وبين نفسي، ولكن بفراري إلى جهنم انتزعت نفسي منكم)73. لاحقاً يمر القاص على ذكر خوذة ذهبية، ومن الواضح أنه يرمز بها إلى السلطة، (خوذة صولجانية) و (خاتم شبيك لبيك) خوذة كخوذة هانيبال القديمة، وجدها في القاهرة، حيث تذكر الروايات أن جمال عبد الناصر قال له حين التقاه: (أنت تذكرني بشبابي)، ولا بد أن ذلك كان يعني في نظر العقيد شهادة اعتراف بجدارته لأول مرة.
الخوذة الذهبية خوذة السلطة (الذي يلبسها يصبح سلطاناً في التو والحين، ويستطيع الجلوس على كرسي الملك.. تنحني أمامه الملوك والرؤساء والأمراء، غصباً.. يستطيع إحياء كل الشهداء حتى عمر المختار، وسعدون، وعبد السلام أبو منيار.. الذي يلبسها تصبح بين يديه أربعة آلاف مليون دينار أو أكثر أو أقل بقليل،.. عموماً يصبح في يديه خاتم ‘شبيك لبيك’) تلك خوذة السلطة المطلقة، ولا يتعب العقيد من أوصافها فهي تجلب للابسها أنواع الأسلحة والصواريخ التي يتمناها، وبها يمكن حبس وإطلاق الانكليز حسب الهوى رغم أنف تاتشر، ويمكن للابسها النوم بكل كسل (حتى ولو رأيت الذئب يفترس غنمك أمام عينيك المفتوحتين) تلك رؤية العقيد الداخلية للسلطة، هكذا يشعر العقيد بالخوذة، وهو لابس الخوذة والصولجان، والذي لا يريد تسليمهما لأحد قبل أن يموت.
ومن سيسرق خوذة السلطة من العقيد هانيبعل؟ (سمعت أن إبليس حامل رقم ‘صفر زائد واحد’ قد استحوذ عليها مدعياً أنه ملاك وشهد له بذلك تشرشل وترومان. وصدقتم أنتم تلك الأكذوبة وانطلت عليكم الخدعة، وكانت عاقبتكم خسراً، إلى أن أحسست بحالكم، وسمعت خطيب الجمعة في مساجدكم يقول: إن حالنا لا يخفى عليك، وعجزنا واضح بين يديك، ولا ملجأ إلا إليك لبيك، لبيك). هكذا تنتهي قصة ‘الفرار إلى جهنم’، ولا بد ان القارئ يعرف أن 0+1 هو فتح خط أمريكا التي هي إبليس، وأن خطيب الجمعة هو خطيب الشعب يتوجه للقائد، بلبيك شبيك، فهل تلك هي النهاية حقاً للأحداث المتلاحقة؟
العقيدقراء الروايات يعرفون أن شخصية العقيد في الأدب الحديث منتشرة بكثرة، من الرواية الأوروبية القديمة والمعاصرة، إلى الروسية فأمريكا اللاتينية، فالعربية، ونجد شخصية العقيد دائماً ما تتكرر في الأعمال السينمائية بأكثر من صيغة وشخصية، حالات فنية كثيرة جداً لهذه الرتبة العسكرية في الأدب والفن، تستحوذ ربما على نصيب الأسد من بين الرتب العسكرية الأخرى، تستحوذ على نصيب الأسد. العقيد وكل تحويلاتها اللفظية في العربية (عقيد، عَقَد يعقدُ عقداً، ربط، العقدة، العقيدة، العقائدية)، (الكولونيل) وفي الإنكليزية حسب المورد(colonial كولونيل زعيم، colonial, colonialism مستعمر، استعماري) ونحن اليوم في عصر ما بعد الكولونيالية والاستعمارية حسب مدرسة فكرية مشهورة روادها إدوارد سعيد وأشهر ممثليها هومي بابا.
لكن لا بد هنا أن نذكر أننا انخدعنا ودخلنا في اللعبة الفنية حتى في خطاب الإعلام العالمي والعربي المنتشر لشخصية العقيد، فالمراسلون الأجانب والعرب يطلقون كما نفعل نحن أيضاً في هذه القراءة رتبة العقيد، ظناً منا أن العقيد لم يرقِّ نفسه لرتبة أعلى، ورتب ملوكية أعلى تجعله ملكاً على ملوك قارة بأكملها، وقائداً أممياً تتبعه جموع في كل قارات العالم، في تناقض مع شخصية البدوي القديم الذي كان في ‘الفرار إلى جهنم’. البدوي في الخيمة / القصر، الذي كان يرعى شياهه / الجموع / الجماهير يرغب في أن يترك في حال سبيله، فرداً في طغيانه دون أن يزعجه الأب / الجموع.
مفتاح العقدة، ثورة ضد الكولونياليةالأب / الجموع، الجماهير، هذا هو المفتاح الذي يشير إليه الروائي أحمد الفقيه، لكنه يهمله، والآن نستطيع أن نأخذه لنفتح به النصين. إن بطل قصة الموت (الأب) يمكن استبداله عبر هذا المفتاح بـ (الجموع) حيث وضع القاص العقيد الجموع مكان الأب، ليسرد مقاومة الجموع للموت في صورة معارك الأب، ولا يخفى أن المعارك هي معارك الشعب أصلاً، إذن فالموت يتربص بالأب / الجموع والأب يقاوم، ويؤرخ العقيد موت الأب النهائي في 1985 أي في سنوات حكم العقيد، إذ يموت الأب مسترخيا بالتخدير. ليس بتخدير الأغاني الذي يخدر الجموع والذي اقترحه العقيد، بل بالتخدير الطبي: التخدير بالقوة. الذي أصر عليه الطبيب، هكذا تتحول قصة الموت التي أراد منها العقيد تسطير تاريخ أبيه الشجاع إلى تسطير تاريخ الجموع / الجماهير/ الشعب وتخديره بالقوة. فالأب لا يموت في القصة بل يسقط في تخدير كالنوم، كالاستسلام لأنثى، فهو ليس موتاً في الحقيقة ولكنه تخدير بالقوة، بالإرهاب الطبي.
أما في ‘الفرار إلى جهنم’ فيعود الأب من موته ليتشكل في الجموع ليقوم بفعل محدد: انتقام، وليس أي فعل آخر. تلك إذن هي الحالة التي ينتقم فيها الأب / الشعب ممن خدره بالقوة وقتله لسنين طويلة، والعقيد يفر إلى وادي جهنم. ليكشش الخطر الداهم: (يا للهول!! من يخاطب الذات اللاشاعرة كي تشعر؟! من يناقش عقلاً جماعياً غير مجسد في أي فرد؟ من يمسك يد الملايين؟! من يسمع مليون كلمة من مليون فم في وقت واحد، من في هذا الطغيان الشامل يتفاهم مع من؟! ومن يلوم من؟! ومن المن ذاته؟!) 64ثورة الشعب، يا لها من قصة واقعية جداً تحدث في ليبيا. الحرس الشخصي الأنثوي مخصص للحماية من الموت الأنثوي المرتقب، والآن ينسى العقيد في هذه اللحظة أنه يعيش كابوسه الذاتي، ذلك الكابوس الذي كتبه بيده وتنبأ به لذاته، غارقاً في عماء السلطة، حيث أعماه كيل مدائح السلطة، ذلك المديح المدوخ الذي تزجيه أقطاب السلطة باستمرار لرأسها حتى يعمى الرأس تماماً عن رؤية ذاته وعن رؤية ما حوله، يعيش الرأس في عالم واهم تفسر فيه الأشياء بمنطق مختلف عن الواقع، يتحدث كمن يرى ويسمعه من حوله فيظنونها العبقرية وهي ليست إلا انعكاسها المباشر ونقيضها: الجنون المطبق. (الصخرة الصماء) التي تقف أمام ثورة الشعب بأكمله.’ شاعر من عُمان[email protected]