قراءة في كتاب الصورة السردية لشرف الدين ماجدولين: في البحث عن جماليات جديدة لبلاغة السرد

حجم الخط
0

د. رشيد برهون

الناقد والصيرفي ومسقط الرأس المتعدد قد يقال الكثير عن وظيفة النقد والدور المنوط بالناقد، ولكن لا مناص للنقد أيا كانت منطلقاته من أن يتصل من بعيد أو قريب بالمعني اللغوي الوضعي للفظة الناقد أي الصيرفي الذي يميز زائف العملة من سليمها، فالناقد غالبا ما يتناول نصوصا أحبها ويريد من الآخرين أن يقاسموه متعة قراءتها، إنه هنا يشير ضمنيا إلي ما يراه عملة سليمة في سوق التداول الرمزي. وهو وإن لم يصرح بذلك يختار متونا ليغري الآخرين بالاطلاع عليها، ولنتذكر بورخيس وهو يشير علي طلبته ألا يقرأوا إلا النصوص التي يحبونها. كل كتابة نقدية إذن هي محاولة لنقل عدوي القراءة وتقوية مملكة القراء بمواطنين جدد وبحدود أرحب. وفي هذا الإطار الفسيح، يندرج كتاب شرف الدين ماجدولين الصورة السردية في الرواية والقصة والسينما الصادر مؤخرا عن دار النشر رؤية للنشر والتوزيع بالقاهرة (2006). إنه تقليد محمود أصبح معه الكتاب العربي يختار مسقط رأسه بعيدا عن الانتساب القطري الجغرافي الضيق، فلربما شكل ذلك وسيلة لتحدي عوائق النشر والانتقال بين أقطار العالم العربي. اختار شرف الدين إذن نصوصا أحبها، ولم يقبل أن يحتكر متعة قراءتها، فكان هذا الكتاب يجر معه عربة محملة بالأسماء والمؤلفين والمؤلفات: شموس الغجر لحيدر حيدر، إنانة والنهر لحليم بركات، بريد بيروت لحنان الشيخ، المصري لمحمد أنقار، هذيان لأنتونيو توباكي، زمن عبد الحليم لمحمد أنقار، صمت البحر لعلي القاسمي، فيلم سارق الفرح لداود عبد السيد. الرهان الأوليطالعنا عنوان الصورة السردية في الرواية والقصة والسينما فتتبادر إلي الذهن مجموعة من الأسئلة تشكل فرضيات قراءتنا، ليكسب الكتاب بدءا رهانا أول، رهان توسيع دائرة القراءة لينضاف إليها قارئ جديد. تمتد الرحلة بهذا القارئ بين دفتي الكتاب عبر فصول ثلاثة تحمل عناوين ليست سوي انشطار لبنية العنوان الرئيسي: في الصورة الروائية، في الصورة القصصية، في الصورة السينمائية. ويتضمن كل فصل مجموعة عناوين فرعية يقتطع منها الفصل الأول حصة الأسد، ولا غرو، فالناقد شرف الدين ماجدولين عاشق للرواية، وقارئ نهم للنصوص الروائية، لا ينفك يقرأها ليغري الآخرين بقراءتها، حبا في الأدب وانتصارا لمبدأ الجمال. ويظل كتاب الصورة السردية وفيا لإحدي قناعاته المنهجية المتمثلة في اعتبار أي كتاب كونا متفردا وعالما فذا مخصوصا، ووفق هذا القانون لا يمكن أن تجد كتابين متطابقين، ولا يمكن أن تعفيك قراءة هذا الكتاب عن قراءة أي كتاب آخر، يقول شرف الدين محتفيا بالصورة المتحققة في أجناس القول المختلفة: الصورة التي تؤلف بين هذه السمات والمكونات في وضعية أسلوبية فريدة لا يمكن أن تنجز إلا مرة واحدة، وفي سياق واحد (ص.16). لا ننسي أن المقصود هنا ليس أي كتاب بل ذاك المؤلف الذي وقع عليه اختيار الناقد نتيجة عشق ومحبة، إننا لا نقرأ إلا الكتب التي نحبها. ولكن وإن كان أي كتاب كونا متفردا، فإن القارئ يحتاج مع ذلك إلي قراءته مرات ومرات مستزيدا من متعة التعرف مستلذا باتساع مسافة الاكتشاف، يقول شرف الدين عن رواية شموس الغجر لحيدر حيدر: رواية لا نظن القارئ يخرج من تقليب صفحاتها دونما قلق عذب يغري بمعاودة القراءة مرات ومرات (ص. 34). بلاغة الخطابكيف تسني لشرف الدين أن يجمع بين الرواية والقصة القصيرة والسينما؟ أليس ثمة مجازفة باختلاق متعسف لروابط محتملة؟ إلي أي حد تفضي هذه العملية إلي محو الفوارق وإهمال خصوصيات التعبير النوعية؟ أين تخصص الناقد؟ أهو زعم بموسوعية المعالجة، أم أن هذا التناول له ما يسنده ويسوغه منهجيا وفكريا؟ يقول شرف الدين: في الحقيقة، فإن النقد المعاصر في شقه المختص بدراسة الصور سينهض أساسا علي محاولة التقريب بين الصيغ المختلفة حيث ان مجموعة من المفاهيم النظرية حول الصورة من مثل التكوين و الرؤية و التشكيل و التمثيل و العمق و الخلفية و المحيط و الجزئي و الكلي و الأثر الجمالي، صارت ذات دلالة قاعدية مشتركة بين الفنون التصويرية المختلفة، وإنما يكمن الاختلاف في طبيعة الاشتغال، ووظائف الأداء، ما بين أصناف الصور المختلفة. وبوعي هذا المعطي النقدي، نستطيع استيعاب تلك الخطابات النقدية الساعية إلي رصد تداخلات قيم البلاغة والتشكيل الصوري بين الرواية والسينما مثلا، أو بين الرسم والقص، أو بين الفوتوغرافيا والدراما… وغيرها من ضروب المقارنات (هامش ص.131). وهنا نفتح قوسا للإشارة إلي توظيف شرف الدين خطاب الهوامش التي تضطلع بشكل محسوب بوظيفة إضاءة النص الرئيسي دون إخلال بتسلسل القراءة وانسجامها. بل إن النظر في الهوامش وتحديدا في عناوين المراجع، يوقفنا علي مصطلح تكرر بكثرة في عناوين المؤلفات، وهو مصطلح الخطاب. وأحسب أن هذا المفهوم يختصر مراد الكاتب وهو يتحدث عن المشترك بين الصيغ التعبيرية المختلفة، ولكن ضمن بلاغة مخصوصة تنهض علي نوع من التراتبية اللاقيمية أي أنها لا تقوم علي التفاضل بين فنون التعبير، فيما هي تسعي إلي تمييز النوعي المتفرد: وسيلة الصور القصصية، علي سبيل المثال، في الاختزال والتكثيف والإيحاء لا توازي طاقة الصور الروائية في التمديد والاسترسال الوصفي والمشهدي، ولا تماثل في شيء قدرة الصور السينمائية في استبطان الفعل واستدعاء المؤثرات البصرية، من خلفية وحركة وإضاءة وزاوية نظر (ص. 14). هكذا تتوزع الأجناس محملة بخصوصيتها، ولكنها منشدة إلي مطلق القول والخطاب، يجمع بينها مفهوم الصورة السردية كمعيار أصيل للقراءة، يجعلها: مفتوحة علي مطلق التعبير الأدبي، تتشكل بطاقة الجدل الوظيفي بين الآليات الضابطة لنظام القول العام… تنتج متنوعات صورية محكومة بالمغايرة التخييلية والاختلاف النصي (ص. 15). يقتضي هذا التصور الذي يستدعي أساسا مفهوم الخطاب إعادة تعريف البلاغة ابتعادا عن معناها المدرسي الضيق كما هو شائع مترسخ في الكتب التعليمية إنها آلة للخلق و ليست نسقا معياريا من شأنه إكساب النصوص شرعية الانتماء إلي أكوان جمالية مميزة، وهي تدل علي فهم مختلف لأسباب التشكيل الجمالي، يسعي إلي استحضار مقومات أسلوبية أخري غير صيغ المجاز في استكناه أصول التبرعم الصوري، مقومات تتخطي نطاق الجملة إلي السياق النصي والتقاليد الجنسية والنوعية المتحكمة في صنعته التخييلية الفريدة (ص. 149)، إننا إذن أبعد ما نكون عن مفهوم الأبواب المفردة التي تحصر البلاغة في دور الزخرفة والتنميق اللفظي والتوشية الخارجية. ولنمثل لذلك بالمعني الذي يتخذه الطباق ضمن هذه البلاغة المخصوصة. يقول شرف الدين عن وظيفة الطباق في رواية هذيان: تقنية الطباق تتخطي حدود اللفظ المفرد، غير المتعدي، لتطول مبني التصوير (ص. 79)، وهو بقدر ما يتضمن المقابلة فإنه يوحي بالتراسل، مما يجعله قريبا من مفهوم الطباقية التي استعملها إدوارد سعيد في معرض تحليلاته للنصوص الروائية ذات المنحي الاستعماري (هامش الصفحة نفسها). ومن المفاهيم المنتجة الخصبة التي أبانت عن نجاعتها ضمن البلاغة النوعية المشغلة في هذا الكتاب، نجد مفهوم المغايرة بمعناه الواسع. ترتبط المغايرة ببعد الفرادة حيث يغدو كل نص كونا فذا نسيج وحده، يحتاج إلي بلاغة مخصوصة تحسن الإنصات إلي ذبذباته وتجيد التسلل إلي مساربه، من هنا أفعال النقد التي يزخر بها هذا المؤلف: التغلغل والتسرب والنفاذ وغيرها من حركات التنبه الدقيق. إن الناقد يؤسس تحليله علي إقرار بسيط مفاده أن النص هو حيز وامتلاء دلالي وجمالي، يقرأه الناقد علي أن لا مكان فيه للاعتباطية. تحل المغايرة في قلب ذلك الامتلاء قادمة من كل الجهات انطلاقا من ثنائيات هنا وهناك، والذات والآخر، والجزء والكل، وغيرها من عناصر بفضلها تكشف القراءة عن بنية التعاضد والانجدال والتلاحم والترابط ( وهي كلها مصطلحات وردت في الكتاب) لخلق كل دلالي منسجم. هكذا ترتسم أمامنا صورة ناقد ـ لا ننسي أن الكتاب هو أولا احتفاء بالصورة، بدءا بصورة الناقد نفسه- دائم الذهاب بين أقطاب المغايرة، فالغير سواء كان فردا أو تشكلا اجتماعيا أو مقابلا جنسيا أو عرقيا، وسواء عبر عن هوية قومية أو عقيدة فكرية، فالمفترض أن يمثل في جميع الأحوال علامة نأي وسمة تنابذ، وقاعدة سجال، وحدا عليا يخط مسافة ذهنية مع الوعي الذاتي (ص. 35). ضمن هذا المنظور، تتأسس الكتابة النقدية علي مفهوم المسافة تلك، لينطلق الناقد من النصي المتحقق ليستشرف قدرة الصورة السردية علي التوليد والتخييل ومضاعفة العالم. فالموت مثلا هو غياب، ولكن الكتابة تجعله موضوعا لتخليق الصور والخيالات والرموز، وتنقله من الحيز البيولوجي الضيق إلي فضاء التداول الرمزي، لأن الإبداع الحق يجعل الموت منطلقا لجماليات تعبيرية تعيد إنتاج الفناء العضوي في صور فنية، تحول الموت إلي حياة رمزية، وإلي درامية مصنوعة بالكلمات (ص. 74). القراءة فالقراءة ثم القراءةما هو معيار اختيار شرف الدين النصوص التي يتضمنها كتابه؟ لماذا هذه النصوص دون غيرها؟ يبدو أن فعل المحبة هو الذي أملي علي الناقد اختياره هذا. فالناقد يؤمن أن الأعمال العظيمة تضطلع بدور كبير في تشكيل الوعي واستشراف الحقيقة المنفلتة -لحسن الحظ: إن العمل الروائي حين تكتمل فيه شروط الإبداع، يتحول إلي رؤيا كاشفة، بغيابها يضحي وجه كبير من الحقيقة التي تهم حياتنا وسلوكنا وأنحاء نظرتنا للأشياء محكوما عليها بالغياب الأبدي في أطواء الذاكرة. ويبقي إدراكنا لتناقضات الواقع واختلال أنظمة التفكيروالممارسة داخله علي قدر كبير من التشوش والغموض (ص. 37). من هنا تحسر الناقد أن كثيرا من النصوص لم تكتب مع أن فجوات العالم كثيرة لا تحصي، مع أن تعلات الكتابة موجودة قائمة، يقول عن رواية هذيان إنها: رواية تجعل القارئ يتحسر علي عشرات النصوص المفتقدة التي كان بالإمكان أن تجعل الفناء العضوي المستشري حولنا منفذا إلي عالم تخييلي واسع، يعيد طرح الأسئلة الوجودية الخالدة عن الموت والحب والحرية.. والتعبير الفني (ص. 85). لتأمل خطاب شرف الدين وهو يدعو إلي إعمار العالم نصوصا، لنتخيل كل موت، كل نأمة حياة نصا، كم سيغدو عدد النصوص حينها؟ تتراءي بين سطور الكتاب صورة قارئ نهم، يقرأ النص الواحد ليتذكر نصوصا لا تعد وتحصي، يقرأ حليم بركات فتنثال علي ذهنه أسماء ستاندال ودستويفسكي ونجيب محفوظ وحميدة نعنع. ويقرأ حنان الشيخ، فلا ينسي استدعاء عبد الرحمن منيف ورضوي عاشور وأمين معلوف ونجيب محفوظ وإيفو أندرتش وغيرهم. أحسب أن هذا القارئ النهم يسعي إلي أن ينقل عدوي القراءة، وعدوي الكتابة أيضا، أليس العالم مليئا بالفجوات والغيابات؟ إن العالم إذن تعلة للكتابة، وفي البدء كانت القراءة. ناقد من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية