قراءة في كتاب اللغة والحجاج : نحو حجاج مُعمم

حجم الخط
0

قراءة في كتاب اللغة والحجاج : نحو حجاج مُعمم

عمر العسريقراءة في كتاب اللغة والحجاج : نحو حجاج مُعمميسعدني اليوم أن أقدم الكتاب الجديد الذي أصدره الدكتور أبوبكر العزاوي سنة 2006 بدار العمدة في الطبع تحت عنوان اللغة والحجاج.والدكتور أبوبكر العزاوي صاحب مشروع علمي يفتح أفقا جديدا للدراسات الحجاجية واللغوية، وذلك بحكم انفتاحه علي المشاريع والنظريات والمناهج الغربية، ويغنيهما بوعي علمي دقيق وبالطريقة التي تسمح بإثراء الخطابين الحجاجي واللغوي المعاصرين، وتطوير أسئلتهما، وتدشين مباحث جديدة تعمق وعينا بعدة مفاهيم. ونشدد هنا علي مفهوم الحجاج خاصة.يتألف مشروع الدكتور العزاوي من دراسات وأبحاث وترجمات، بعضها يعتبر قراءة نسقية للمدارس اللسانية والحجاجية Argumentation et ژnonciation وبعضها دراسات مقارنة غاية في الأهمية تعقد حدود التداخل والتخارج بين الحجاج والحوار واللغة: الخطاب والحجاج، والحوار والحجاج والاختلاف، واللغة والحجاج، وبعضها يخلق حوارا بين اللغة وبعض المفاهيم الزلقة مثل: الفضاء في اللغة.قد يعطي هذا التصنيف الانطباع كون الباحث لا يفصل فصلا مطلقا بين الحجاج واللغة والخطاب، وأنه يدرس ما هو حجاجي دراسة خطابية لغوية تداولية، والواقع أن الأمر بعيد عن هذه البساطة، لأن دراسة الحجاج في الخطاب تأخذ بعين الاعتبار الدور الذي يقوم به المكون التخييلي التداولي في الإقناع، والباحث يستعين بنظريات عدة في دراساته علها تسعفه في تحديد آليات التأثير والإقناع.واليوم يأتي كتاب اللغة والحجاج، للبحث في المنطقة البينية التي يتقاطع فيها اللغوي بالحجاجي، وهو بذلك يعيد البحث البلاغي البكر الي الواجهة باعتباره بحثا علميا يهتم بالخطاب في كليته.عرض الكتابيتكون الكتاب من مقدمة وأربعة فصول، وخاتمة، ويتكون الفصل الأول من خمسة مباحث.يفتتح الأستاذ العزاوي المبحث الأول من الفصل الأول بتحديدات أساسية، منها أن نظرية الحجاج ليست مقرونة بالبدايات الكلاسية للبلاغة الأرسطية، أو حتي لدي القراء الجدد لأرسطو، وأن أساس هذه النظرية، أي نظرية الحجاج اللغوية، مجهودات أوستين وسورل اللذين قدما أبحاثا حول مفهوم الأفعال اللغوية التي اتخذت بعدا ارتقائيا مع جهود ديكرو.ويسجل الباحث أن المراد من مفهوم الحجاج هو ما أسس علي بنية الأقوال اللغوية وعلي تسلسلها واشتغالها داخل الخطاب (اللغة والحجاج، ص.17.). يمكن اعتبار هذا الفصل المهاد النظري والإطار العام الذي نري من خلاله الباحث يفصل مفهوم الحجاج عن المقاصد الأرسطية والبلاغة العامة، مفضلا الاحتكام إلي اللغة عوض المستمعات Auditoires. ويظل هدف الحجاج اللغوي هو الإقناع؛ أي الحصول علي قبول وفق سلم حجاجي خاضع لتراتبية الحجج، وهذا ما أثاره الباحث في الفصل الثاني، ذلك أن السلم الحجاجي، وهو آلية لتقنين الحجج وتوجيهها حسب قوانين النفي أو القلب أو الخفض، يمكننا من تحديد قيمة القول الحجاجية، التي لا يحددها إلا هذا السلم الحجاجي، الذي يمكن عده تصريحا، أو معلما يشتمل علي بعض الروابط والعوامل الحجاجية، لأن كل هذه المحددات يتم استنتاجها من اللغة (ألفاظ، مفردات، سياق، وخطاب).وينتقل الباحث في المبحثين الثالث والرابع إلي إثارة موضوع الروابط والعوامل الحجاجية ومدي تعلق ذلك بالمبادئ الحجاجية. واختار الباحث أدوات: لكن، بل، إذن، حتي، لا سيما، إذ، لأن، بما أن…..الخ، كروابط وعوامل حجاجية، بيد أن الفرق بين العوامل الحجاجية والروابط الحجاجية قد تبدي بشكل جلي فيما قدمه الباحث من أمثلة أسلوبية. وقد خلص العزاوي إلي اعتبار العوامل الحجاجية les opژrateurs مجرد مؤشرات وأدوات حجاجية تقوم بحصر وتقييد الإمكانات الحجاجية التي تكون لقول ما، علي خلاف الروابط الحجاجية les connecteurs التي تربط بين قولين أو حجتين أو أكثر، وقد لا يكفي ضمان سلامة العملية الحجاجية تحت هذه الروابط والعوامل الحجاجية إلا بتحديد مبادئ حجاجية يتمثل دورها في القيام بعلاقات حجاجية أولا، وثانيا في الربط بين الحجة والنتيجة. إن هذا الضامن هو ما يعرف بالمبادئ الحجاجية les topoi وهي مجموعة من المسلمات والأفكار والمعتقدات المشتركة بين أفراد مجموعة لغوية وبشرية معينة، والكل يسلم بصدقها وصحتها . (ص.33.)وفي المبحث الخامس، تناول الباحث بعض النظريات الدلالية التي تتعارض ونظرية الحجاج في اللغة، مقتصرا في عرضه علي التيار الوصفي والتيار اللاوصفي، وأيضا النظرية الحجاجية الضعيفة. غير أن المشترك بين هذه التصورات كونها تبحث في المعني وتحاول أن تحدد طبيعته ومجاله، وقد تصل إلي نتائج حجاجية دونما قصد؛ فالأقوال، التي غالبا ما كانت محط دراسة وتأمل، لا تخرج عن معنيين: الأول حجاجي، والثاني إخباري، ولكن القيمة الأساسية تميل جهة المكون الحجاجي الذي يستأثر بالتركيب علي خلاف المكون الإخباري، الذي يظل هامشيا. ولكن لم هذه الحظوة الكبري للمعني الحجاجي؟ يجيب الباحث: لأنه مكون أساسي، وأنه هو الذي يحكم اشتغال الأقوال داخل الخطاب . (ص.44.).انطلاقا من القضايا التي أثارها الباحث، وبالنظر إلي حجم التمثيل الأسلوبي، فإن في كل مرحلة استدلالية يبين ذلك التعارض بين المعني الإخباري، والمعني الحجاجي، ولكن الذي يُعتمد عليه في بناء الخطاب وتوالي الأقوال، وتسلسل الجمل هو القيمة الحجاجية التي للقول؛ فهي التي توجه الخطاب وتحدد المسار الذي ينبغي أن يسير فيه.أما الفصل الثاني فقد عمد فيه الباحث الي دراسة بعض الروابط الحجاجية في اللغة العربية، لأن شرط إمكان تحقق الحجاج هي هذه الروابط اللغوية. وقد اقتصر علي بل و لكن و حتي ، متوقفا عند جوانبها الحجاجية والتداولية، ومراهنا أيضا علي كون اللغة الطبيعية تحمل من المعالم الحجاجية الشيء الكثير، فالحجاج، حسب الباحث، نجده في المعني والاستعارة، ونجده في الروابط والأدوات، وفي ظواهر لغوية عديدة.يسجل الباحث إذن، عدم الفصل بين الحجاج واللغة الطبيعية، لأن هذه الأخيرة تستبطن مؤشرات حجاجية تترجمها الروابط والعوامل الحجاجية. والأمر الجوهري في ذلك كون الخطاب، والحوار اليومي حجاج بامتياز، يشغل هذه الروابط اللغوية التي تتماهي مع المعني الضمني والمضمر implicite.وجاء الفصل الثالث تحت عنوان الاستعارة والحجاج، وقد هدف الباحث من خلاله الي مقاربة الاستعارة من منظور نظرية الحجاج في اللغة علي نحو ما جاء في مقال ميشال لوغرن الاستعارة والحجاج ، غير أن الإضافة النوعية لهذا الفصل تمثلت في تبين لغوية الاستعارة المفضية إلي أهداف حجاجية، بل تمثل الاستعارة قوة لغوية ومجازية وحجاجية. وخصوصية التركيب الاستعاري أنه يرفض الإبطال ولا يتقيد برابط لغوي لأن لكن و بل توقعان الكلام في الإبطال، أو التعارض الحجاجي، غير أن القوة الحجاجية التي تتمتع بها الاستعارة وخاصة الاستعارة الحجاجية تجعلها ذات مميزات أهمها:أ ـ أنها وسيلة لغوية،ب ـ أكثر تداولا،ج ـ ترتبط بمقاصد المتكلمين،د ـ نجدها في اللغة اليومية،ه ـ نجدها في الكتابات الرسمية، والأدبية، والصحافية…جاء الفصل الرابع كتمثيل إجرائي للجوانب الحجاجية في اللغة العربية، وذلك من منظور لساني تداولي، وخاصة في إطار نظرية الأفعال اللغوية التي أرسي مبادئها أوستين، وقد سمي هذا الأخير مبحث الجمل الإنشائية في علم المعاني العربي بالأقوال الإنجازيةles performatifs، وهي أقوال موجهة تحدد وتعين مواقف المتكلم، بل وتمكنه من ترجمة أفعال كلامية تطرح السؤال، وتصدر الأمر أو التهديد، غير أن الرأي البارز عند التداوليين هو القطع مع التصور الذي يري في اللغة مجرد وسيلة تمثيل للواقع أو الذهن، إنها علي عكس ذلك جهاز يمكن من إنجاز أفعال من نمط معين حصرها الباحث في الأمر والوعد والنهي والاستفهام والنصح والتطليق والتعميد والتعجب والتهديد وغيرها من الأفعال الكلامية العديدة.والمتفق لدي هذا التصور هو كون الأقوال التي ننتجها في حياتنا اليومية لها جانبان جانب لغوي، وجانب فعلي، إنها أقوال وأفعال، أو هي أقوال يمتزج فيها القول بالفعل . (ص. 117.)المهم أن كل عبارة صادرة عن متكلم هي قول وفعل سيما إذا اقترنت بفعل إجرائي، وهذه الوظيفة تقلل من اعتبار الإخبار الوظيفة الوحيدة للغة كما ذهب إلي ذلك كثير من اللسانيين. يقول العزاوي: إننا نستعمل اللغة لإنجاز أفعال عديدة، ولتغيير الواقع أو تغيير علاقتنا معه وللتأثير في الغير وفي الأشياء .(ص. 126).هكذا يتأتي للكلام وللكلمات قوة حجاجية مضاعفة من خلال طرق الاستعمال، وأدوات الربط، وآليات الاستقصاء.خاتمةتتحدد قيمة هذا الكتاب في عناصر أساسية من أهمها:ـ أنه دراسة علمية تغني مبحثا جديدا يساهم فيه الغربيون بدراساتهم منذ أواسط القرن الماضي إلي اليوم؛ بلاغة الخطاب الحجاجي التداولي، وما يجعل من مساهمة الأستاذ العزاوي إغناء لهذه الدراسات أنها تستفيد من الدرس اللغوي العربي، وخاصة مبحث معاني الحروف الذي كان يهتم بما هو محتمل دونما إبراز لعناصر التأثير والإقناع.ـ أنه دراسة لامة ومنفتحة علي مختلف وجهات النظر التي كتبت في الموضوع، فحتي وإن بدا الكتاب لا يتعدي 160 صفحة إلا أنه أثار وجهات نظر متعددة، وحاور أفكارا أخري خارجية. ـ اللغة والحجاج دراسة تعمل من أجل صياغة مصطلحات جديدة توسع مجال نظرية الحجاج في اللغة، ومن مثل هذه المصطلحات لفظ الانسجام الحجاجي، وتعالق الروابط، والاستراتيجية الخطابية.ـ أن اللغة والحجاج دراسة تجمع بين التنظير والتطبيق، بل تستأثر بتجريب ذلك علي الأساليب والتراكيب المتداولة في الخطاب اليومي، أو الخطاب السياسي، أو الخطاب الصحافي، والواقع أن الجمع بين التنظير والتطبيق خاصية لا تخفي أهميتها خاصة عند الذين لم يجدوا في الدراسات الحجاجية السابقة سوي أفكار مستقاة من الدرس الحجاجي الغربي دونما تمثيل لهذه الأفكار بما يتمشي والبيئة العربية.هكذا، يمكن اعتبار الحجاج ظاهرة متجسدة في اللغة، ومنفتحاً علي عناصر لسانية، وأسلوبية، وتواصلية، ومن نتائج هذا الأمر، أن مقاربة هذه الظاهرة مقاربة دلالية تحدد الجوانب الحجاجية في اللغة المستعملة، وعلي نحو ما تبدي في أبحاث أزفالد ديكرو، وغدت حاليا مسألة طبيعية إن لم تكن ضرورية.باحث من المغربملاحظة: ألقيت هذه الورقة في إطار تقديم الكتاب الجديد للدكتور أبو بكر العزاوي، الذي نظمته الجمعية البيضاوية للكتبيين بفضاء مندوبية وزارة الثقافة بالدار البيضاء ـ المغرب.QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية