قراءة في مجموعة الكرسي الأزرق لعبد الله المتقي: الخيط الرفيع بين السرد والشعر

حجم الخط
0

قراءة في مجموعة الكرسي الأزرق لعبد الله المتقي: الخيط الرفيع بين السرد والشعر

إبراهيم الحجريقراءة في مجموعة الكرسي الأزرق لعبد الله المتقي: الخيط الرفيع بين السرد والشعرعبد الله المتقي، كما نعرفه، ذاك الكائن الذي يعيش بالكتابة وعليها وفيها، يفضل أن يطل علي الحياة من كل الشرفات، لذلك لا يكفيه أن يكتب بلغة واحدة، ولا يرضيه أن يري دائما من حيث تأتي الشمس، فتجده يتتبع عورات النصوص آخذا بناصيتها، راميا إياها، في جحيم النص، طحينا بلا جعجعة. لذلك تظل الكائنات النصية تسيل مثل لعاب المشتهي تلهث خلف نصوصه، تتربص هنيهة من حياة مداده، تعشق أن تدفن هناك لتنال شرف الأبدية، فبعد ديوانه الأول الصادر عن منشورات وزارة الثقافة ـ الكتاب الأول ـ أصدر مجموعته القصصية الأولي عن منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، وفضل أن يمنحها عنوانا بوسم براق، مراوغ يلوح للقارئ بطبيعة المكتوب، فـ الكرسي الأزرق فضاء، علي صغر حجمه، يبعث في النفس الإحساس بالأنس الذي يتيحه للمخيلة والذاكرة، نظرا للترابط القوي الذي يصله بعوالم فضائية أخري كالمقهي والشارع والمدينة والمتخيل والحلم والحديقة وغيرها، فمن هذا المكان شبه الثابت تكاد تطل علي الحيوات بأكملها، الجامدة منها والمتحركة، الحقيقية والمجازية. الكرسي الأزرق مكان، وسيلة تبعث علي المضي بعيدا في الاسترخاء وبسط النفس والتأمل، ومنه تنطلق النفس لتلج مفاتن الذات في تواشجها العميق مع العوالم المحيطة بها.والمنجز هذا، يحمل بين دفتيه قصصا قصيرة في الحجم، عميقة في الرؤية إلي الواقع والذات والأشياء، غائرة في الرؤيا، تختزل الواقع النصي والمحيط العياني معا في مقولات مكثفة تجسد حنكة القاص، وتجلي عذاباته في اقتناص عوالمه وحصر لحظاته السردية، التي غالبا ما تستدعيها الذاكرة أو يرصدها الحلم اليقظ المسلح بالعين البصيرة.وتراهن الكتابة هنا علي اللقطة الصغيرة ذات الأبعاد القوية التأثير والحضور في الشخصية، والتي غالبا ما تنتهي نهاية مفاجئة. الميكروقاص يدخل العوالم والكائنات يتربص بإشراقاتها الدفينة مسلحا بحدسه الصوفي ولغته المركزة ونبضه العميق ومكاشفاته الخاصة التي تنفذ إلي الأعماق، مركزا علي دواخل الشخوص، منقبا عن الالتماعات المعتمة فيها، وعن البؤر المتصدعة التي تقدر علي خلخلة المفاهيم الإنسانية المحفزة.والمتأمل لنصوص المنجز يلفي أن هناك هوسا يقض مضجع الراوي ويؤرق حياته السارية، وهو الخوف من هروب الحكاية وتخفي لحظة القبض علي المحكي، وسواء كان الدال علي ذلك موت الجدة أو موت الكاتب، فإن المدلول يبقي واحدا؛ وهو قلق الذات الكاتبة من عدم اليقين والرغبة المتجددة في امتلاك أكبر لسر النص والمزيد من بهائه.وتفرض طبيعة تكاثف النصوص وعمقها علي اللغة أن تفتح أحضانها للغريب وغير الفصحي لتغتني وتتجدد وتتمرد. إن اللغة، هنا، لا تعبر فقط بصورها التي لا تخلو من شعرية، بل تعبر أيضا بحواسها، بهيكلها العظمي، بشكل تمددها علي الورق الخائف. اللغة تتوسع قليلا لتضم إليها العامية أو الدارجة؛ ولتقحم الغريب الذي يصبح كائنا عضويا وعنصرا وظيفيا لا محيد عن الالتزام بعضويته وفعاليته: تهران ـ بلوزة ـ السوليما ـ الساكن ـ الخامجة ـ تفو ـ الماجي ـ القحبة ـ بيجامة ـ خانزة …تحضر في المنجز بعض نتف محكيات الذات أو لنقل السير ـ ذاتي، بوعي أو بغيره، وتحتكر مساحات مشتتة عبر البياض النصي، معلنة عن الانكسار، وتتعدد اللحظات التي تجسد حضور الذاتي والذهني، سواء أكان ذلك في توظيف المقروء ققنس مثلا أو في حضور طقوس الكتابة نفسها.ويلاحظ عبر التجربة طغيان ثقافة الآخر وسلطته الرمزية، وذلك عبر اشتغال المتخيل في صنع المسارات السردية والأوصاف للشخصيات، وبرامجها المصطنعة التي تغيب وتحضر: إدمان الشخصيات علي شرب الخمرة، حياة التسكع، المقاهي، القراءة، الكتابة، تدخين السجائر الغريبة، العيش الحلمي في فضاءات متخيلة أو متوهمة، مما يعزز هيمنة المقروء علي المكتوب، فكأنما تتبع عبر المحكي عند المتقي شخصيات: كافكا، كريستي، هيمنغواي،… ففي النصوص، تصبح الحياة البوهيمية المتطرفة هي البديل المقنع للشخوص، وتغدو خيارات التمرد علي قيم الثقافة المؤسسة للهوية، ديدن الكائن النصي، ولا وجود لحياة الالتزام والمهادنة والانخراط والاندماج.كثافة القصة القصيرة جدا واختصاراتها المرحلية المحبوكة بإحكام وإحراقها الشديد للمسارات الوصفية والحكائية واستغناؤها الكبير عن الكثير من التفاصيل المهمة، أشياء تجعل النص الأهم لا يكتب علي الورق، بل يكتب علي الخلفية، ذاك الوجه الثاني للنص، الذي، بالضرورة، يجب أن يكتبه المتلقي بنفسه بطريقة ما، ولكن ليس أي متلق، إنه متلق أكثر معرفة من الكاتب نفسه، الكاتب في حاجة إلي من يعرفه بذاته، ذاته التي كالطفل، ذاته المبهمة التي تظل غائمة تماما كما السراب.تلعب السيولة الحكائية علي الموضوعات الهامشية والحميمية جدا، وبالأخص تلك التي تعتبرها الذات في المنظومة الثقافية عيبا أو عارا يجب سترهما. والأكيد أن الكاتب يلعب أيضا علي الافتراضي؛ خاصة حينما يطلق لرواته العنان كي يفترضوا ويحدسوا وينطقوا بالنبأ اللايقين، ولعل الكاتب هنا يستثمر بطريقة واعية مجال الإنترنت ليخصب تجربته الحكائية.إن المتقي الشاعر والقاص والإنسان، رحالة بطبعه، وكشافة بنصه، وبين النص والطبع ومض صغير وصمام كبير، وفي هذا الوصل تكمن خصوصية المكتوب عنده، والتي تتجاوز عقدة المهادنة بين الشعري والنثري، لتتأسس وفق رؤية فردية تتعلق بتذويت الكائن وتصريفه صوب عوالم الانزياح الساذج بالعوالم مثل الذي يفعله أي طفل. وثمة شيء ما يحرك نبض النص ويجعله يتقزم، أكثر من اللازم، كي يقول ما يريد قوله.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية