احمد منصورہ
منذ الطفولة ونحن في الشرق ـ سيما في لبنان ـ نتجنب الدولة التي لمسناها ـ وبالتوارث ـ تاريخيا كأداة قمع وتمييز، فلا غرابة ان لا نعلق اي امل عليها فيصبح الوطن وطن غربة ومعاناة، ويغدو الحوار معه حوار المتوازيات فتتقاطع بحبال السماء الطائرة او بأذيال امواج البحر المرتدة الي الشواطئ المجهولة، فيبيع الواحد منا حتي بيته ليستجنحه في مغامرة الاغتراب.
بمجرد الانتقال من المدرسة الي الحياة العملية تنتصب الفوارق والحواجز والخطوط الحمر فنكفر بكل شيء، فيرسم كل منا في افقه شعار: الخلاص في السفر الذي يعني في الواقع الانتقال من الوطن الغربة الي الغربة الوطن.
ايها الشباب:
أنا من الذين في العاشرة من عمري وما بعد لم اكن اعبأ بالاعلام ولا بالسياسيين بشكل عام، ولا بكل ما له علاقة بالمؤسسات الرسمية، لقد انتظرت سن الرابعة عشرة حتي اطلق البلد بالثلاثة الانكشارية فجهزت نفسي للاقلاع الي باريس عرين الثورة الفرنسية، فاستنفرت العائلة اركانها ووقف الجميع بوجهي صارخين: أمن المعقول ان يذهب ولد وحده الي اين؟ الي باريس التي برأيهم بلد الفسق والجنس والفجور، الف لا وكلا.
رضخت للأمر الواقع كوني قاصرا ما بلغ سن الرشد فهم بامكانهم منعي من الانعتاق الذي طالما تمنيته وانتظرته.
استمر التوقيف او التأجيل لاسباب موضوعية متعددة حتي الخامسة والعشرين (سن النضوج والتحدي) فهبطت اخيرا في مكة النور والثورة والفن والمعرفة والعلم وفي جيبي مئة فرنك فرنسي وعلي جسدي ملبس لا يحسدني عليه حتي المتسولون آنذاك، غير اني كنت اقفز كالكنغر الذي يريد ان يحوش بقائمتيه الاماميتين البلد والبلاد والتاريخ والمستقبل، ولم لا؟ فأنا سأدرج في ميدان ميرابو ودانتون وديدرو وموليير، والي جهنم اذن الوطن النخر العفن الذي يعلّب ابناءه.
ان اكبر مجرم في الحياة لا يمكن القبض عليه ولا محاكمته ولا اعدامه هو الخيال، الخيال الذي يجنّح الواقع بحسب مزاج الواحد منا لا كما هو بل كما يتصوره هو، وهذا ما يكون احيانا بمثابة الكارثة. كان الحلم ان اطأ اديم باريس، ولكن حالما تحقق الحلم الشمس حالما بدأت مواجهة التحدي وملحمة المستحيل.
طارت الآمال منذ ركبت التاكسي من المطار فترحمت علي سائقي بلادنا فطار ربع المئة فرنك التي حصلت عليها بعد جهد جهيد في لبنان.
عندما شرع في تسويحي صديقي الذي سبقني بعام الي ام برج ايفل، صحت في وجهه: انت تسخر مني.. اجاب: لماذا؟ قلت: لأني رأيت كل هذا بالامس فضحك مرددا: لقد اعتبرك السائق ـ ايها المسكين ـ كسائح جديد فوقعت في الفخ غير المطلوب. علي اية حال: في الاعادة افادة، وكيف اذا تعلق الامر بعاصمة العواصم التي ليست سوي باريس؟ بالاختصار، مر علي ذلك اربعون عاما، ذهبت لأربعة اعوام واذ الاربعة تفرخ اربعين، الزمن يمر ببطء شديد ولكن عندما تنظر الي جواز السفر تري ان السفر اجتاز الحد المطلوب، لقد سرقك من نفسك ومن حساباتك، فغدوت كالمنفي الضائع الذي يضرب في الصحراء باحثا عن ظل دون جدوي فتسقط بلا وعي بعد ان خارت قدماك وغارتا في رمال النهاية.
اخواني الشباب:
عليكم بالدرجة الاولي ان تغتسلوا من كل الادران التي الصقها عليكم من سافروا سيما سيد العبقرية اللبنانية التي يرددونها كالمزراب الذي لا يتوقف ليلا نهارا.. فالناس في الخارج لا ينتظرونكم وليسوا بحاجة اليكم، ولا يريدونكم بالاساس، فاللبناني عندهم انتهازي مصلحي وصولي من الدرجة الاولي حتي ولو خرج احدكم من رحم العذراء او الزهراء.. فأنت كلبناني مدان قبل ان تتكلم وتتحرك، حتي تثبت عكس ما يتصورون عبر السنوات الطوال التي ستبرد جلدك واعصابك.
ان معمودية الاعتراف بوجودك كانسان مواز ومساو للآخر ستتطول وتتطول.. خاصة عندما تجد نفسك في بلد ليست فيه المساواة الا علي الورق في ورقات الامتحانات وفي وريقات الانتخابات، وانت كغريب بالأخص كلبناني او عربي لن يسمحوا لك بالوقوف علي يمين واحدهم ولا علي يساره لان هذا محصور ـ بشكل طبيعي ـ فيما بينهم، فشعار الثورة الفرنسية للفرنسيين بالدرجة الاولي. انت اذن بين خيارين: اما ان تكون متقدما متفوقا في الامام يعتزون بك بفعل تميزك فتغدو حينئذ فرنسيا او تلتزم الوراء وهذا واقع الاكثرية. ومن تجنس في الحالات العادية فليس من المستغرب (كلما دق الكوز بالجرة) من وقت لآخر من مناداته بسخرية قد تكون محببة: ولكنك لبناني. ستصبح مندمجا بعد جيلين علي وفاتك بعد ان يكون حفيدك قد غير اسمه وكسمه كما تتطلب المعطيات والظروف المحيطة.
الا اننا علينا كما اسلفت ان لا نستبعد الحالات غير العادية التي غالبا ما تكون نسبتها محدودة. رغم كل شيء وللأمانة: فرنسا تبقي وطن الامل اذا لم يكن امل لك في وطنك.
اما اذا اقمت اربع او خمس سنوات فقط، فعليك ان تكون من نسل الآلهة كي تحيي وتنهي اقامتك علي خير.
ان الاغتراب يختلف ـ دون شك ـ من بلد الي آخر فمن يتوجه الي امريكا اللاتينية او افريقيا ليس كمن يتوجه الي اوروبا الغربية وكندا واستراليا والولايات المتحدة، لكن النهايات متشابهة ـ بشكل او بآخر ـ ولو ابت تصديق ذلك.. في كل الحالات المنتصر هو بلد المهجر فالارض الواطئة ـ كما يقول المثل ـ تشرب ماءها وماء غيرها.
لقد اجاب ابن عمي المهاجر احدهم (عندما استشاره في موضوع الهجرة) قائلا: قبل ان تصعد الي الطائرة عليك ان ترمي كرامتك في مطار بيروت. مغزي هذا الكلام الصاخب ان الرجل عاني اكثر مما توقع، لان عائلة كبيرة كانت جاثمة علي رقبته وعينيه تنتظر تحويلات يديه آخر كل شهر، والا ليس امامها سوي الجوع والموت، فكيف يكون ـ في وضع كهذا ـ الهروب؟
بيت القصيد اذن: ان الاغتراب غالبا ما يكون انتحارا بطيئا، والذين ينجون منه بجلدهم وببعض المال المسحوب من قلب الصخر الابيض او الاسود ليسوا الاغلبية.. اما الذين يقتلون بالرصاص والامراض والحوادث فلا تغطي الصحافة اخبارهم لان الصحافة تطير وراء اصحاب المال والسلطة، ومصيرهم هو الدفن في الحفر العامة والمجهولة، هذا اذا ما التهمتهم المختبرات.
اني لا اعمم علي الاطلاق، فهناك البعض الذين توفرت فيهم عناصر الاندماج عن طريق الدراسة والعمل والزواج وانجبوا اطفالا لا يعرفون عن اوطان آبائهم الا ما يروونه لهم. وليس من المستبعد بالنسبة اليهم اللجوء الي تغيير اسمائهم حسبما يقتضيه الوضع وكذلك طلاق لغتهم اذا ما استلزم المحيط ذلك وبدأت تتدافع المطامح والمطامع.
اخواني الشباب:
كي لا تحرقوا المراكب وتحرثوا في البحر وتتكبدوا ما لا تتوقعونه خلال الهجرة ادعوكم من كل عقلي وقلبي وضميري الي الهجرة من الوطن الارض الي الوطن الجيش، الوطن الاول هو وطن الغربة الذي ولدتم فيه، والوطن الثاني هو وطن الوطن الاول: اعني الجيش الذي ستكونونه وتدافعون فيه عن الثاني بزنودكم وجبهاتكم وبأقدامكم المتجذرة فيه كالجذور في تثبيت الاشجار والدفاع عن استقرارها واستمرارها، والذي يجب ان يكون الارض الوحيدة لهجرتكم من الجسد الصغير الي الجسد الكبير فالأكبر.
انها الفرصة الذهبية ان تتسابقوا الي التطوع في الجيش الذي هو بحاجة ماسة اليكم، وان الاخبار الاخيرة بتدافعكم الي هذه المؤسسة الشريفة تثلج الفؤاد وترفع الرأس.
صدقوني ـ كمغترب عريق ـ ان عيش الواحد منكم في ارضه نفسا لها وسياجا لها مبتدئا براتب اربعمئة او خمسمئة دولار وضمان اجتماعي (اضافة الي المكتسبات الاخري) افضل الف مرة من مغامرة الاغتراب والضرب في عالم المجهول، وكل ما ستكسبون ـ ولو كان آلاف الدولارات ـ سيكون بلا طعم ولا نكهة.
عليكم ان تتقاطروا بالآلاف بل بعشرات الآلاف حتي ولو ما طلبت منكم القيادة ذلك، لان لا مفر لهذا الوطن من مضاعفة عدد حماته.. فكما ان لبنان مسؤولية عربية (كما قال امين الجامعة العربية) فهو كذلك امانة، انه الخندق العربي الاول امام اسرائيل العدوة التي لم تعرف الهزيمة الا من بلدكم الصغير الكبير مرتين في ست سنوات. اعلم كل العلم ان ميزانيتنا العسكرية تشكل حجم العجز اي نصف الميزانية المفقود، لكن اذا طرحنا السؤال: ماذا يشكل تمويل جيش لبنان عربيا بالنسبة للدخل القومي في دول الخليج العربي؟ لا شيء يذكر، ولو ساعدت الدول المذكورة لبنان نفطيا كما كان يقوم العراق بالنسبة للاردن فهل ستكون الكارثة بالنسبة لمحيطاتهم النفطية؟
لو تذكرنا فقط ما حل ببورصات الخليج النفطي والخسائر التي تكبدتها والتي تتجاوز ميزانية الولايات المتحدة الدفاعية اي مئات المليارات من الدولارات منذ بضعة اشهر وفي خلال ايام معدودة لأدركنا في الحال ان ما نطلبه من اخواننا في النسب العروبي سيكون في حدود الملايين لا المليارات، هذه الملايين التي تغني عن مليارات الجيوش العربية المتقاعدة ناهيك عن المعدات التي ملت منها صناديقها التي لم تعرف التهوية ونحن لا نزال في انتظار القوة التي تأتي ولا تأتي.
من خلال الهجرة الي الوطن الجيش تستطيعون ان تدرسوا وتنفتحوا علي العالم. والجيش بدوره يساعدكم في مسيرتكم الطامحة. والجيش هو الشعب الحي المصغر المتجانس عمليا، فتغدون خلايا حية في جسد حي ليس كاللبنانيين الذين يرقدون كالمستنقع في قراهم وطوائفهم وبيئاتهم.
ان الروح حركة، والحياة توثب في كل اتجاه، والماء الذي لا يجري لا معني له، ولا يمكن احتساؤه.. لبنان الحقيقي سيكون بمدرسته المدنية الجامعية ومدرسته العسكرية، كلتاهما تكمل الاخري والمواطن الذي لا يعرف الاثنتين كالاعرج الذي يسير بساق واحدة.
لكي يكون هناك نسيج مجتمع لبناني حقيقي، فعلي الخيوط اذن ان تتقاطع من الشمال الي الجنوب ومن الشرق الي الغرب، علينا ان نوسع هذا البلد الضيق بأفكارنا وبانفتاحنا وباستعدادنا للاصلاح، لان نكون مجتمعا نموذجيا في المنطقة خطابه التعايش الفعلي اليومي الصادق الابداعي الخلاق، فكفانا العيش الصدئ في البؤر المعهودة والافكار البالية المعتادة. ان الحلم اللبناني لا يمكن ان يبني الا علي تراب لبنان الذي لن يكون سوي الجيش والشباب فيه بشكل خاص وفي هذه المرحلة بالذات. ان التراب الآمن في هذا الوقت بالذات يأتي قبل رغيف الخبز، والامن وحده سيعيد لبنان الخارج الواسع والغني الي ربوع الوطن والاجداد. علينا ان نكون سويسرا الشرق ليس سياحيا فقط بل صناعيا وعسكريا بالدرجة الاولي حتي تحسب اقوي الدول حساباتها قبل مس حدودنا، كما علينا تفعيل ثقافتنا في مداها العربي بشكل رائد وفي جميع الميادين حتي يشعر العرب بأن لبنان ضرورة لهم كما هو حاجة وضرورة لأهله.
ان الجيش اللبناني في المرحلة الحاضرة جيش عصري آخر انتقل من الثقافة الاجتماعية الاقطاعية الي ثقافة عصرية متقدمة بين ضباطه وصفوف ضباطه وجنوده تنم عن علاقات ترابط واحترام متبادل ومودة واخوة انعكست علي علاقاته مع ابناء شعبه، والذي اظهره هذا الجيش في المحنة السياسية المستمرة يشرف البلد ويدفعنا الي التعويل عليه كحام للارض وجامع للشعب ومانع من الحروب بين عناصره البيزنطية المحقونة المتدافعة.
ان تطوع الوطن لحماية الوطن وللعمل في الوطن يبقي العامل الابرز للحفاظ علي شباب هذا الوطن، ومن خلال المعايشة والمشاركة تتسابق الافكار وتتضافر النوايا الحسنة لدفع بلدنا الي الامام. لقد اثبت جيشنا ـ رغم قلة العَدد والعُدد ـ انه جيش الشهادة والفداء بامتياز في المفاصل التاريخية التي يحياها لبناننا المعاصر من حرب تموز (يوليو) الي معركة نهر البارد.
وأما ما نريده من قيادة جيشنا الكريمة فهو تشجيع دخول العنصر الانثوي بأكبر نسبة ممكنة، كذلك اعطاء حق الانتخاب للجيش وقوات الامن اسوة بما يجري في الكثير من بلدان العالم المتحضرة لاننا كلبنانيين علينا ان نكون في مقدمة شعوب المنطقة السباقين لا اللاحقين.
ايها الشباب:
وطنكم فيه كل العناصر لكي يكون الوطن الأجمل والاروع والابدع في العالم، كما فيه كل العناصر لتدميره ونثره في رياح الكون الاربع، وليس الا في تلاحم ايديكم وتنافرها يكمن حسن وسوء القرار.
ہ كاتب وشاعر لبناني8